تحقيق أميركي يكشف تفاصيل مروّعة عن مجازر الساحل السوري

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تحقيقا حول أحداث الساحل السوري، وتحديدا المجازر التي شهدتها مدينة بانياس في آذار/مارس الفائت، بعدما اجتاحت مجموعات مسلحة محسوبة على السلطات في دمشق المدينة. 

وأكد التحقيق أن هذه المجموعات ارتكبت مجازر على أساس طائفي، استهدفت سكانا من الطائفة العلوية، معتبرة أن المجازر لم تكن مجرد عمليات قتل جماعي، بل كانت “مجازر تغذيها الطائفية”، كاشفة عن هشاشة أي سلام يبنى في سوريا دون عدالة شاملة.

وأوضحت الصحيفة أن فريقها تمكّن من دخول بانياس ليوم واحد تقريبا أثناء وقوع المجازر، لكن مع تفاقم العنف، أغلقت السلطات السورية الجديدة المنطقة أمام وسائل الإعلام، مما أجبر فريق “نيويورك تايمز” على مغادرة المدينة.

وخلصت إلى أن ما وجده فريقها “كان أدلة دامغة على وقوع مجزرة، وفشلا واسعا من الحكومة الجديدة، بقيادة فصائل المعارضة، في حماية العلويين”، الطائفة التي يتحدر منها الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

مجازر الساحل السوري

استند تحقيق “نيويورك تايمز” لمشاهدات فريقها الذي ظل في بانياس ليوم واحد، فضلا عن 40 شهادة هاتفية من ناجين وشهود عيان، بجانب معلومات جمعتها من منظمات حقوقية ودبلوماسيين ومقابلات مع مسؤولين في الحكومة السورية الانتقالية، والتحقق من مقاطع مصوّرة التقطت أثناء عمليات القتل وما تلاها مباشرة، على الرغم من الحظر الحكومي على توثيق الأدلة على العنف.

أعضاء من الهلال الأحمر العربي السوري في بانياس، عند نقطة التجمع التي تم نقل ضحايا العنف الأخير إليها للتعرف عليهم ومعالجتهم- “نيويورك تايمز”

وبحسب رواية مشاهدات فريق “نيويورك تايمز” لمدينة بانياس في ريف طرطوس، حيث زارها في آذار/مارس الماضي، فإن شوارع المدينة كانت تملؤها السيارات المحترقة، والمتاجر المنهوبة، والنوافذ المحطّمة، ومبانٍ تحوّلت إلى جدران متفحمة ورماد.

وأوردت الصحيفة الأميركية أن فرق الدفاع المدني استخدمت متجر أثاث منهوب كـ”مشرحة مؤقتة”. وأمام هذه المشرحة، وصلت شاحنة “بيك آب” بيضاء تتدلى من خلفها قدمان بجرابات وردية منقطة بالأبيض. وبعد دقائق، وصلت سيارة إسعاف تحمل جثتين أخريين، ثم ظهرت شاحنة زرقاء تحمل مزيدا من الجثث.

وفي الجوار، طبقا لـ”نيويورك تايمز”، كانت مشاهد الفاجعة تتكرر بصوت مرتجف، حيث كان رجال يتوسلون لفرق الدفاع المدني لانتشال جثث أحبائهم. وكانوا يرددون: “هناك سبع جثث في هذا المبنى”، “هناك جثة أخرى في الساحة”، ويوجد “ما لا يقل عن 40 جثة في شارع واحد”.

هذه المشاهد، كما وثّقها فريق “نيويورك تايمز”، تُظهر حجم الكارثة التي حلّت بمدينة بانياس، التي تحوّلت في آذار/مارس الماضي إلى مسرح لأحد أكثر فصول العنف دموية في سوريا، بعد أن اجتاحتها مجموعات مسلحة قدرت بالآلاف. وأسفرت الهجمات، بحسب تقارير حقوقية ودولية، عن مقتل أكثر من 1600 مدني، غالبيتهم من الطائفة العلوية.

عناصر من السلطات السورية

على مدى ثلاثة أيام، ذهب مسلحون من منزل إلى منزل، وأعدموا المدنيين دون محاكمة وفتحوا النار في الشوارع، بحسب العشرات من السكان الذين تحدثوا إلى صحيفة “نيويورك تايمز”.

وقد نشرت الصحيفة شهادتين من مجازر بانياس. الأولى تعود لشابة تدعى صبا، التي كانت قد ظنت هي ووالدها وأخيها أنهم نجوا بعد تفتيش قوات حكومية لهم. لكن، كما قالت، “بعد حوالي عشرين دقيقة من مغادرة القوات الحكومية منزل صبا، عاد أحد الجنود برفقة مجموعة أخرى من المسلحين… وصرخوا باسم والد صبا وشقيقها، ثم جرّوهما إلى الخارج. لحقت بهم صبا إلى حديقتهم الخلفية”.

ومن ثم، أطلق المسلحون النار على شقيقها خمس مرات، بحسب صبا وزوجها مهند (40 عاما)، الذي لم يكن في المنزل عندما وصل المسلحون.

وعندما صرخ والدها: “لا! لا!”، أطلق المسلحون النار عليه أيضا، بحسب صبا. قالت: “كنت أصرخ وأبكي. فقدت عقلي في تلك اللحظة”.

قبل أن يغادروا، قالت صبا إن أحدهم توقف وحدق بها. “ماذا، هل أنتِ خائفة الآن؟.. سنعود إليكِ”. ركضت صبا إلى الداخل وسقطت على الأرض، وكان جسدها بأكمله يرتجف.

في هذه الصورة التي قدمتها الخوذ البيضاء التابعة للدفاع المدني السوري، يقوم أعضاء المجموعة بجمع جثث الأشخاص الذين عُثر عليهم قتلى في بانياس في 9 مارس/آذار. حقوق الصورة… الخوذ البيضاء التابعة للدفاع المدني السوري، عبر وكالة أسوشيتد برس.

وعندما هدأت طلقات الرصاص، ركضت إلى غابة قريبة. بقيت هناك يومين، عاجزة عن التخلص من صورة والدها وشقيقها ملطخين بالدماء في فناء منزلهما. قالت: “كان والدي حبنا، وكان عمادنا. كان الرجال كالشيطان، فقتلوه”.

أما الشهادة الثانية، فكانت لشابة تدعى جيهان، التي اختبأت مع شقيقها قصي عندما اقتحم المسلحون الغرفة. اكتشف قصي أن أحدهم كان رجلا من الحكومة السورية الجديدة، وكان زبونا في بقالته. 

وحاول قصي طلب المساعدة منه قائلا: “أنت تعرفني، انقذني”، لكن الرجل المسلح رد عليه قائلا: “إنه لا يستطيع فعل شيء”، طبقا للصحيفة الأميركية.

وسرقت المجموعة المسلحة كل مقتنياتهم، وأخذت قصي معها. بعد ساعات، اتصلت جيهان بشقيقها عبر هاتفه، ليجيب عليها شخص ضاحكا: “لقد قتلناه، في الشارع”. بعد أيام، بحث والد جيهان بين الجثث في الشوارع، واحدة تلو الأخرى. وبعد ساعات من البحث، وجد جثة ابنه قصي.

تم دفن العديد من القتلى في بانياس في مقبرة جماعية تحت إشراف عناصر قوات الأمن العام، بحسب سكان حضروا مراسم الدفن، فضلا عن صور ومقاطع فيديو للموقع تحققت منها “نيويورك تايمز”.

قال سكان محليون لـ”نيويورك تايمز”، إن المسلحين داهموا المنازل، وقتلوا العلويين في منازلهم. وفي إحدى العمارات السكنية، دفعت مجموعة من المسلحين أحد السكان على ركبتيه، ووصفوه بـ”الكلب العلوي”، وطالبوه بالنباح قبل إطلاق النار عليه، وفقا لاثنين من جيرانه.

وأظهرت مقاطع فيديو تحققت منها صحيفة “ذا تايمز” أن مسلحين آخرين قاموا بقيادة سياراتهم فوق جثث القتلى في الشارع.

“متطرفون سُنّة وجهاديون أجانب”

بحسب التحقيق، فإن مدنيين مسلحين وجماعات معارضة سابقة نفذوا العديد من عمليات القتل في بانياس. كما شارك في عمليات القتل، على الأقل، بعض جنود الحكومة السورية الجديدة المنتشرين لإعادة الأمن للمدينة، وفقا لمسؤول حكومي سوري وسكان للصحيفة الأميركية.

من بينهم متطرفون سُنّة وجهاديون أجانب يعتبرون “العلويين كفرة”. ويريد كثير منهم، إلى جانب أعضاء جماعة الشرع، “هيئة تحرير الشام”، الانتقام للوحشية التي ارتكبها نظام الأسد الذي يهيمن عليه العلويون.

كان بعض المسلحين يصرخون بلغة عربية رسمية أو ركيكة، وكانوا يرتدون السلوار قميص، وهو زيّ بأكمام طويلة وسراويل طويلة يُلبس في جنوب ووسط آسيا، مما أعطى السكان المحليين إشارة إلى أنهم على الأرجح جهاديون أجانب. وقال السكان إن آخرين بدوا مدنيين مسلحين يسعون للانتقام من المظالم التي ارتُكبت خلال الحرب السورية. فيما تظل هويات جميع الجماعات المسلحة المتورطة في عمليات القتل غير واضحة.

مقاتلون من الحكومة السورية الجديدة يصطفون على جانب طريق في بانياس في 7 مارس/آذار. تصوير: علي الحاج سليمان/ جيتي

ولفتت “نيويورك تايمز” إلى “مدى ضعف السيطرة التي تمارسها الحكومة الجديدة وزعيمها، أحمد الشرع، على مختلف الجماعات المسلحة وفصائل المعارضة السورية الذين انضموا اسميا إلى حكومته”.

من جانبها، نفت السلطات السورية ارتكاب قواتها الأمنية فظائع، لكنها أكدت أنها تُجري تحقيقاتٍ وتُحاسب كل من ألحق الأذى بالمدنيين. في آذار/مارس، شكّلت الحكومة لجنتين، إحداهما للتحقيق في المتورطين في أعمال عنف ضد المدنيين، والأخرى لحماية العلويين من المزيد من العنف.

أفاد مسؤولون بأن قوات الأمن اعتقلت شخصين على الأقل على خلفية أعمال العنف، إلا أن التحقيق لا يزال جاريا. ولم تظهر أي أدلة تشير إلى توجيه كبار قادة الحكومة الجديدة لعمليات القتل، وفقا لمراقبي الحرب ودبلوماسيين.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم