في 6 آذار/مارس 2024، صرّح الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكريّ الأوّل للمرشد الأعلى الإيراني، بأنّ قوات «الحرس الثوري» الإسلامي البحرية والجويّة يجب أن تركّز على البحرين الأحمر والمتوسّط. ووصف صفوي هذين البحرين بأنّهما جزءان أساسيّان من العمق الاستراتيجيّ لإيران، مستندًا إلى نية طهران «توسيع عمقها الاستراتيجيّ بمقدار 5000 كيلومتر».
وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، ذكر قائد عسكريّ إيرانيّ آخر أنّ حلفاء طهران في «محور المقاومة» قادرون على تعطيل الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسّط. ولا تفوّت إيرانُ أيّ مناسبةٍ لإثبات نفوذها في الممرات البحرية – سواء في البحر الأحمر أو حتى بحر العرب.
فهل تسعى إيرانُ إلى محاصرة الدول العربية، مستغلّةً بذلك تواجدها على أهمّ الممرات الدولية عبر جماعاتٍ مسلَّحةٍ، ومستغلّةً أيضًا علاقاتها بدول القرن الإفريقي لتحقيق هذا الهدف؟ وما هو دور العراق في ذلك؟
تهديد بإغلاق مضيق هرمز
إن أطماعَ إيران في السيطرة على الممرات البحرية ليست جديدًا على سياساتها. ففي عهد الرئيس الأسبق حسن روحاني، طالَبَ بأن يكون لإيران دور – وربما الدورُ الأساسي – في الحفاظ على أمن باب المندب، لتتحكّم بذلك في ثاني أهم الممرّات المائية لنقل النفط بعد مضيق هرمز. جغرافيًّا، لا مستند قانونيّ يبرّر هذه المطالبة إلا الأطماعَ الفارسيّة، إذ إنّ الدول المطلة على باب المندب ثلاثٌ فقط: اليمن وجيبوتي وإريتريا.

وفي الأحد الفائت، هدد رئيسُ مجلس الشورى الإيرانيّ، مسعود بزشكيان، بإغلاق مضيق هرمز الحيويّ، معتبرًا أنّ توقف تدفّق الطاقة من الخليج العربيّ إلى الخارج سيؤدّي إلى شلل تامّ في المنطقة والعالم. وقال خلال منتدى طهران للحوار: «إذا لم تمرّ الطاقة من الخليج إلى الخارج، فسيتعطّل الجميع»، في إشارةٍ إلى إمكانية منع صادرات النفط الإيرانية. وأضاف: «هناك جهاتٌ تسعى لإثارة الخلافات بهدف تسهيل تصدير الطاقة الإيرانية بأيّ ثمن، ثمّ السيطرة على النفط الإيرانيّ من جهة، وتزويد الأطراف المتنازعة بالأسلحة من جهةٍ أخرى، ما يؤدي إلى تفاقم الصراعات بين الأشقاء».
ومع ذلك، كشف تقريرُ البنك المركزيّ الإيرانيّ أن صادرات النفط الإيرانيّ بلغت نحو 67 مليارَ دولار في عام 2024 – أعلى رقمٍ في العقد الأخير.
المسألة هنا ليست عجزًا نفطيًّا بقدر ما هي سياسةٌ إيرانيةٌ لفرض حصارٍ على الاقتصاد العربيّ عامةً، والخليج خاصةً. فأهميةُ المضائق لا تقتصرُ على النفط، الذي يمرّ عبر مضيق هرمز ثلثُ الصادرات النفطية العالمية (17 مليون برميل يوميًّا، نحو 30% من إجماليّ النفط المباع عالميًّا)، بل تشملُ أيضًا تجارةَ الغاز – وخاصة الغاز القطريّ المتجه إلى الصين والهند وشرق آسيا – إضافةً إلى البضائع الأخرى الضرورية لعمل أيّ اقتصاد.
وفي هذا الإطار، أكّدت تقاريرُ غربيةُ أنّ إيران وضعت استراتيجيةً عسكريةً تمتدّ إلى نهاية عام 2025، تهدف إلى نشرِ قواتها البحرية من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر حتى مضيق ملقا.
حتى الأمينُ العامُّ لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، حذّر سابقًا من السلوك الإيرانيّ في المنطقة، قائلًا: «السلوك الإيرانيّ في المنطقة، والنزعة الواضحة للهيمنة والتدخل في الدول العربية، هما السبب وراء صعوبة إقامة نظام أمنيّ في الخليج يقوم على التعاون والرفاهية المشتركة للشعوب».
الدكتور هيثم هادي نعمان، الأكاديميّ والباحث في الشأن العراقيّ، في حديثه مع «الحل نت» قال: «أشار المستشارُ الأمنيُّ السودانيّ أحمد حسن محمد، في حواره مع إحدى الصحف الأميركية، إلى نفوذ إيران المتنامي في البحر الأحمر ورغبتها في ترسيخ حضورها عبر طلبٍ لبناء قاعدةٍ عسكريةٍ هناك. وتأتي علاقةُ إيران بالحوثيين في إطار رغبتها بتوسيع نفوذها في البحر الأحمر مستغلّةً موقعَ اليمن، فتمثّل اليمن البوابةَ الجنوبية للوطن العربيّ عامةً والجزيرةَ العربية والخليجَ خاصةً؛ إذ تسيطر بذلك على أهمّ ممرّات الطاقة والتجارة العالمية – مضيقَ باب المندب – مما يعزِّز حضورها الإقليميّ ويساعدها على السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية، في ضوء إدراكها لأهمية تطوير قواتها البحرية واستراتيجياتها الدفاعية».
العراق: البوابةُ الشرقيةُ لإيران
تَكمنُ خطورةُ السياسة الإيرانية في أنّها تخوضُ صراعاتٍ بأدواتٍ غير رسميةٍ، تعمل عبرها على الاستفادة من الاتفاقيات الدولية التي تحركها طهران دون الظهور المباشر في المشهد، بما يحقق مصالحها ويخدم أغراضها. فقد وقّع وزيرُ الداخلية العراقيّ مذكرةَ تفاهمٍ أمنيّةٍ مع نظيره الصومالي؛ وعلى الرغم من أنّ الخبرَ معتادٌ وطبيعيٌّ في سياقه العام، يكشف التدقيقُ عن أسئلةٍ تصبّ جميعها في خانةِ التدخّل الإيراني. فهل من مصادفةٍ أن يتواجدَ إسماعيل قاآني في بغداد قبلَ أيامٍ من توقيع مذكرة التفاهم بين الصومال والعراق؟ أم أنّ زيارتَه جاءت بتوجيهٍ من طهران لدفع بغداد نحو هذا الاتفاق، خاصةً وأن لإيران وجودًا متغلغلًا في الصومال عبر المدد الشيعيّ منذ أكثر من عقد؟

وليس الصومال وحدها من يهمّ طهران؛ فسياساتها تعتني بعلاقاتٍ متينةٍ مع دول القرن الإفريقي كافة. كما تمثّل الصومال ركنًا في النظام الأمني لدول بحر العرب، الممتدّ من خليج عدن غربًا إلى خليج عُمان شرقًا، ثمّ إلى مضيق هرمز في امتداد المحيط الهنديّ. ويضمّ هذا النظام حاليًّا: اليمن (جنوبًا)، والصومال، وعُمان، وإيران، وباكستان، والهند، وجزر المالديف.
إضافةً إلى ذلك، تربط إيرانُ صلاتٌ قويةٌ بجماعةِ «شباب الصومال» التي تُعنى بتهريب المخدرات والسلاح إلى «الحوثيين» في اليمن. ومن الطبيعيّ أن تسعى طهران إلى استثمار الوساطة غير المباشرة عبر العراق لتحقيق أهدافها البحرية والسياسية، مستفيدةً من موقع العراق الجغرافي.
وفي هذا الإطار، يبيّن الدكتور هيثم هادي نعمان: «أنه كان يُطلَقُ على العراق سابقًا حارس البوابة الشرقية، أما اليوم فأضحى مدخلَ إيران إلى المنطقة العربية. فالثقافة العراقية في جزءٍ كبير منها قائمةٌ على خدمةِ أهداف السياسة الإيرانية، مثل دعم بعض الجماعات المسلحة في العراق لصالح الحوثيين لمجرّد ولائها لإيران. ثانيًا، تنشطُ القوةُ الإيرانية في العراق عبر تعبئةٍ جماهيريةٍ تهدف إلى تحريكِ الشعب العراقي نحو كراهية العرب، وخلق فجوةٍ بينه وبين جذوره العربية».
وعلى سبيل المثال، حرص رئيسُ الوزراء محمد شياع السوداني على إنجاح القمة العربية الأخيرة، بينما كانت هناك قوىٌ تعمل في الخفاء على إفشالها. وربما تؤكد زيارةُ قاآني إلى بغداد قبل القمة بأيامٍ قليلة على الأجندة الخاصة التي تنفّذها إيران – سواءً في الصومال أو غيرها من الدول التي تخدم امتدادها البحري والعسكري والاستراتيجي، بما يضرّ مصالحَ الدول العربية.
ومع أنّ لإيران نفوذًا قويًّا في الصومال لا يعتمدُ فقط على الوساطة العراقية، يمكن القول إنّها ستدعمُ بقوّة التقاربَ بين مقديشو وبغداد، من منطلق «صديقُ الصديقِ صديقٌ أيضًا».
وأضاف نعمان: «تَسعى إيرانُ، في ظلّ الحصار الاقتصاديّ، إلى الاستفادة من الاتفاقيات الأمنية – حتى لو كانت مجردَ مذكرات تفاهم – بين أي دولة صديقةٍ لها وبين الدول المطلة على بحر العرب كعُمان والصومال واليمن. فهذه الاتفاقيات تُتيح لبحريتها التحرك في بحر العرب للمراقبة والاستطلاع دون قيد، لتصل إلى خليج عدن من بحر العرب، وإلى الساحل الصومالي على خليج عدن. كما تزودُ السياسة الإيرانية بمزيدٍ من النفوذ البحري الذي يمهّد لها السيطرةَ على أهمّ ممرات الملاحة الدولية».
شماعة الوجود الإسرائيلي
استغلت إيران اضطراباتَ الربيع العربي في كلٍّ من مصر واليمن، فأجرت جُلَّى المسوحات الاستخباراتية على ضفتي البحر الأحمر، ونشرت خلايا أمنيةٍ في مجتمعات هذه المنطقة، وخصصت اعتماداتٍ ماليةً لإعادة تشغيل بعضها. كما عملت على استثمار الصراع العربي – الإسرائيلي لدعم وجودها البحري في الممرّات الدولية.

فقد سعت إيران للاستفادة من الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر عبر فرض حضورٍ استراتيجيٍّ عسكريٍ وأمنيٍّ هناك؛ أي أنّها تستخدم «شماعة» الوجود الإسرائيلي لشنّ هجماتها على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، بذريعة كونها حليفة لإسرائيل. وفي المقدمة، المملكة العربية السعودية كأكبر دول البحر الأحمر مكانةً وتأثيرًا.
وهذا يعني أنّ إيران، في واقع الأمر، غير جادةٍ في خوض حربٍ مباشرةٍ باسم الدولة الإيرانية ضد إسرائيل، وإنما تستعمل هذه الذريعة لإخراج الدول العربية من المعادلة الأمنية للبحر الأحمر. ثم تقدّم نفسها للعرب والمسلمين كعدوٍّ لإسرائيل، ما يسيء إلى سمعة الدول المحتجة أمام شعوبها، ويحرّض ضدها باعتبارها «دولًا حليفةً لإسرائيل».
والحقيقة، هي ما تعلنه إيران من تهديدات بترقب المواجهة مع إسرائيل، وأيضًا ما تتفاعل معه إسرائيل من تهديداتٍ إيرانية محتملة. فلئن بدا صراعُ إيران وإسرائيل متناغمًا، فهو في الجوهر تحدٍّ مباشِرٌ لمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر. فتستخدم إيران خطابَ المواجهة مع إسرائيل لتعزيز تواجدها في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي وغيرها من المنافذ القريبة من مناطق الأزمات – وخاصة منطقة الصراع الإسرائيلي – العربي.
وعليه، فإنّ «التوحّش الإيراني» في منطقتي البحر الأحمر وبحر العرب من أهمّ التحديات العربية، التي لا بدّ من مواجهتها بإجراءات تتناسب مع حجم المشكلة، وتلائم أدوات إيران غير الرسمية وغير المرئية – من التحليل إلى الكشف والرصد والمراقبة للتحركات البحرية الإيرانية.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

