ماذا يواجه الشرع بعد 6 أشهر من وصوله إلى دمشق؟

بعد قرابة ستة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، تواجه السلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد، تحديات جمّة، رغم تمكّنها في استقطاب المجتمع الدولي ورفع العقوبات الاقتصادية الخانقة، بحسب محللين. ومن أبرز هذه التحديات ترسيخ حكم فعّال والنهوض بالاقتصاد، مع الحفاظ على وحدة البلاد.

وحين وصل الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع إلى دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد الإطاحة بحكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وجد الشرع نفسه أمام واقع معقد (أربع سلطات): حكومة مركزية في دمشق، حكومة إنقاذ تسيّر شؤون إدلب (شمال غرب)، وأخرى تتولى مناطق سيطرة فصائل موالية لأنقرة شمالا، إضافة إلى “الإدارة الذاتية” الكُردية. ولكل منها مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والقضائية والمدنية، تقول “وكالة الصحافة الفرنسية” في تقرير حديث لها.

تحديات أمنية أمام الشرع

نحو ذلك، يقول رضوان زيادة، المدير التنفيذي “للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” في واشنطن، للوكالة الفرنسية: “إذا استطاع الشرع ضمان الاستقرار في بلد هشّ سياسيا وفي مرحلة عصيبة، فسيُعدّ ذلك إنجازا كبيرا يُحسب له”.

حين وصل الشرع لسدة الحكم بدمشق، كانت البلاد قد وصلت لحد شفير الإفلاس- “وكالات”

وبحسب رضوان زيادة، فإن “إنجاح المرحلة الانتقالية” التي حددت مدتها بخمس سنوات، يعد “التحدي الأكثر صعوبة”.

أعمال العنف ذات الطابع الطائفي التي استهدفت أبناء الطائفة العلوية وأسفرت خلال يومين عن مقتل أكثر من 1700 شخص، ثم المكون الدرزي، زعزعت الثقة بقدرة السلطة في دمشق على فرض الاستقرار وحفظ حقوق أقليات تخشى على دورها ومستقبلها.

كما أثارت أعمال العنف هذه، وخاصة المجازر التي ارتُكبت بحق العلويين في آذار/مارس الماضي، شكوكا حول قدرة الشرع على ضبط الفصائل المختلفة، بما فيها المجموعات المتطرفة التي تُثير قلق المجتمع الدولي. ودعت واشنطن الشرع إلى إخراج هذه الفصائل من البلاد.

وعليه، تبرز تحديات أمنية ملحّة، خاصة مع استمرار عمليات الاختطاف والاعتقال والقتل العشوائي، في ظل اتهامات موجهة إلى فصائل متشددة محسوبة على الحكومة بدمشق.

أيضا، الهجمات على النوادي الليلية في دمشق، أثارت حالة من الرعب في أنحاء العاصمة، مما زاد من المخاوف من احتمال انكماش الحريات الشخصية في ظل حكم الشرع ذات الخلفية الإسلامية.

ومن هنا يقول رضوان زيادة: “التعامل مع الأقليات يُعد من أبرز التحديات الداخلية، وبناء الثقة بين المكونات المختلفة يتطلب جهدا سياسيا كبيرا لضمان التعايش والوحدة الوطنية”.

تجنب الحرب الأهلية

كما تصطدم جهود الشرع لفرض سيطرة مركزية بمطالب الكُرد بحكم لا مركزي يضمن استمرار إدارتهم الذاتية لمؤسساتهم، وهو ما لا تزال دمشق ترفضه، وفق “الوكالة الفرنسية“.

فيما يحذر القيادي الكُردي البارز بدران جيا كورد عبر “الوكالة الفرنسية” من مغبة تجاهل هذا المطلب، مؤكدا أن “الحكومة المؤقتة يجب أن تبتعد عن الحلول الأمنية والعسكرية لمعالجة القضايا العالقة، وأن تنفتح أكثر على المكونات السورية وتمنحها دورا حقيقيا في العملية السياسية”.

ورغم أن الإعلان الدستوري لا يتضمن أي إشارة إلى انتخابات خلال المرحلة الانتقالية، إلا أنه ينص على إجراء انتخابات تشريعية بعد إقرار دستور جديد للبلاد.

القائد العام لـ “قوات سوريا الديمقراطية”، الجنرال مظلوم عبدي يتحدث خلال مؤتمر وحدة الصف والموقف الكُردي في القامشلي/قامشلو – “أ ف ب”

وخلال الشهر الفائت، حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من أن السلطة الانتقالية “في ضوء التحديات التي تواجهها، قد تكون على بعد أسابيع… من حرب أهلية شاملة” تؤدي “فعليا إلى تقسيم البلاد”.

بدوره، يرى الباحث في مركز “تشاتام هاوس” نيل كيليام خلال حديثه مع “الوكالة الفرنسية”، أن أكبر تحديات الشرع هي “رسم مسار للمضي قدما، يريد جميع السوريين أن يكونوا جزءا منه، وأن يتم بذلك بسرعة كافية، ومن دون تهور”.

ملف “المقاتلين الأجانب”

خلال الفترة الماضية، اتخذت السلطات بدمشق سلسلة إجراءات لتنظيم المؤسستين الأمنية والعسكرية، بينها وجوب انضمام قادة الفصائل إلى الكلية الحربية قبل درس ترقيتهم.

وصرح مصدر سوري، فضل عدم الكشف عن هويته “للوكالة الفرنسية”، أن السلطة الانتقالية وجّهت في وقت سابق رسالة إلى واشنطن تعهدت فيها “تجميد ترقيات المقاتلين الأجانب”.

وقد أثارت ترقية ستة مقاتلين جهاديين أجانب في صفوف “وزارة الدفاع السورية” انتقادات كبيرة.

هذا ويشكل ملف المقاتلين الأجانب، قضية شائكة، مع عدم قدرة الشرع على التخلي عنهم بعد قتالهم لسنوات إلى جانبه من جهة، ورفض دولهم عودتهم إليها من جهة أخرى.

وقالت واشنطن في البداية إنها تريد من الجهاديين الأجانب مغادرة البلاد. لكن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك قال مؤخرا إن الولايات المتحدة أعطت موافقتها على خطة الشرع لدمج آلاف الجهاديين الأجانب بالجيش السوري، شريطة أن يتم ذلك بشفافية.

وتريد واشنطن أيضا أن تتحمل دمشق إدارة ومسؤولية السجون والمخيمات التي يديرها الأكراد والتي يحتجز فيها الآلاف من مقاتلي تنظيم “داعش” المحتجزين مع أفراد عائلاتهم لدى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). لكن السلطة الحالية لا تمتلك القدرة عدديا ولوجيستيا على نقلهم إلى سجون تحت إدارتها.

تحديات اقتصادية

حين وصل الشرع لسدة الحكم بدمشق، كانت البلاد قد وصلت لحد شفير الإفلاس: اقتصاده مستنزف، ومرافقه الخدمية مترهلة، ونظامه المالي معزول عن العالم، وغالبية سكانه تحت خط الفقر، وفق تقديرات “الأمم المتحدة”.

وانعكس التغيير على حياة الناس، لناحية توافر الوقود وسلع ومنتجات بينها فواكه لم يكن استيرادها ممكنا. كما أصبح التداول بالدولار شائعا بعدما كان محظورا لسنوات طويلة.

العاصمة دمشق بعدسة “الحل نت”

ومع رفع العقوبات الاقتصادية خصوصا الأميركية، يولي الشرع، وفق مصدر مقرب منه لـ”فرانس برس”، أولوية كبرى لمكافحة الفقر ورفع مستوى دخل الفرد. ويعدّ ذلك ممرا “لترسيخ الاستقرار”.

لكن رفع العقوبات لا يكفي وحده، إذ يتعين على السلطات الجديدة في دمشق اتخاذ خطوات كثيرة.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي كرم الشعار للوكالة: “وضوح الأفق، بمعنى الاستقرار السياسي، يعد نقطة مهمة على طريق التعافي الاقتصادي، لكن هناك عوائق أخرى؛ أهمها الإطار الناظم ومجموعة القوانين اللازمة للاستثمار، والتي تبدو للأسف غامضة في جزئيات كبيرة”.

وأعلنت السلطات أنها تعيد النظر حاليا بقانون الاستثمار، وتعمل على تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية، وقال الشرع إن بلاده تعول عليها للنهوض بقطاعات البنى التحتية والمرافق الخدمية.

وتوفير خدمات الكهرباء والتعليم والإنتاج الزراعي، مسألة حيوية لإنماء المناطق المدمرة، من أجل عودة ملايين اللاجئين، وهو مطلب تريد تحقيقه دول أوروبية وأخرى مجاورة لسوريا، كتركيا والأردن ولبنان.

التطبيع مع إسرائيل

ولا يمر دعم سوريا ورفع العقوبات عنها من دون مطالب، عبّرت واشنطن عن أبرزها: الانضمام إلى اتفاقات التطبيع مع إسرائيل، التي شنت مئات الضربات الجوية في سوريا منذ الإطاحة بالأسد وتتوغل قواتها جنوبا.

ويقول كيليام إن استمرار التصعيد الإسرائيلي يجعل دمشق “بعيدة كل البعد عن التفكير في التطبيع، حتى لو تعرّضت لضغوط كبيرة من الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي”.

وحتى الآن، لم تعلن السلطات الجديدة بدمشق موقفا واضحا من التطبيع، لكنها أقرت بتفاوض غير مباشر مع إسرائيل لاحتواء التصعيد.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم