يترقب العالم بحذر شديد الهجوم المتبادل بين إيران وإسرائيل، وسط مخاوف كبيرة من تأثر قطاع الطاقة عالميًا بسبب الحرب الدائرة وتصعيدها المتسارع، خاصة وأن تل أبيب استهدفت منشآت طاقوية داخل العمق الإيراني، شملت مصافي نفط ومواقع للغاز ومخازن وقود، ما يشير إلى محاولة لشل البنية التحتية الداخلية المرتبطة باستخدام الطاقة في القطاعات المدنية والعسكرية.
ويُمثل استهداف أصول الطاقة جبهة جديدة في الصراع، الذي اندلع يوم الجمعة عندما شنت إسرائيل موجة من الهجمات التي استهدفت البرنامج النووي لطهران، في حين أن الأضرار التي لحقت بمنشأة الغاز قد تقتصر آثارها على نظام الطاقة المحلي الإيراني، إلا أن التصعيد قد يُثير المزيد من الاضطرابات في سوق النفط على غرار الأزمة التي اندلعت عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
البنية التحتية النفطية الإيرانية
يعزز الهجوم من المخاطر على البنية التحتية النفطية في إيران، التي تعد من أبرز الدول الفاعلة في قطاع الطاقة على المستويين الإقليمي والعالمي، لا سيّما في مجالي النفط والغاز الطبيعي، فباحتياطيات مثبتة تقارب 34 تريليون متر مكعب من الغاز، تحتل إيران المرتبة الثانية عالميًا بعد روسيا، وتمتلك ما نسبته نحو 17 بالمئة من الاحتياطي العالمي.

وفيما يتعلق بالنفط، تقدر احتياطيات إيران المؤكدة بنحو 209 مليارات برميل، ما يجعلها ثالث أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات النفط الخام بعد فنزويلا والمملكة العربية السعودية.
وتنتج إيران، العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، حاليا نحو 3.3 مليون برميل يوميا وتصدر أكثر من مليوني برميل يوميا من النفط والوقود، ووفقًا لمحللي ومراقبي أوبك فإن الطاقة الفائضة لدى المنظمة وحلفائها، بما في ذلك روسيا، لضخ المزيد من النفط للتعويض عن أي اضطراب تعادل تقريبا إنتاج إيران.
تقلبات أسعار النفط
شهدت أسعار النفط تقلبات يوم الاثنين بعد أن قفزت سبعة بالمئة يوم الجمعة مع تجدد الهجمات التي شنتها إسرائيل وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما زاد المخاوف من أن المعركة قد تتسع في أنحاء المنطقة وتعطل صادرات النفط من الشرق الأوسط بشكل كبير.
أثارت تلك التطورات أيضَا المخاوف بشأن الاضطرابات في مضيق هرمز ، وهو ممر ملاحي حيوي، يمر خلاله نحو خمس إجمالي استهلاك العالم من النفط، أو ما يقرب من 18 إلى 19 مليون برميل يوميا من النفط والمكثفات والوقود.
في هذا السياق، ترى الدكتورة لوري هايتيان، الخبيرة في حوكمة النفط والغاز، أن الاستهداف الإسرائيلي حتى اللحظة يركز على ضرب المنشآت داخل الأراضي الإيرانية بهدف تقليص قدرة النظام على استخدام موارده الطاقوية في تحريك الآليات العسكرية واللوجستيات، وفقًا لحديثها مع “التلفزيون العربي”.
وأضافت أن هذه الضربات لا تستهدف حتى الآن منشآت الإنتاج أو التصدير، ما يجعل تأثيرها محدودًا على الأسواق العالمية، ويقتصر في هذه المرحلة على التأثير النفسي والمعنوي الذي تسبب في ارتفاع طفيف في أسعار النفط.
السيناريو الأكثر خطورة
لكنّ الأمور قد تتغير جذريًا، كما حذرت هايتيان، إذا ما قررت إيران الرد بإجراءات أكثر تصعيدًا، أبرزها احتمال إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لتصدير النفط، والذي يمر عبره نحو 15 مليون برميل يوميًا. وفي حال تنفيذ هذا السيناريو، فإن السوق العالمية ستواجه أزمة حقيقية في الإمدادات، يصعب تعويضها بسهولة، ما قد يدفع بأسعار النفط إلى ما فوق حاجز المئة دولار للبرميل.
وبيّنت الخبيرة أن إغلاق مضيق هرمز، رغم أنه ورقة ضغط قوية بيد إيران، إلا أنه خيار محفوف بالمخاطر؛ فهو يضر بمصالح دول تعتبر قريبة أو محايدة تجاه طهران، مثل قطر والعراق والكويت، كما أنه يؤثر على حلفاء إيران الاقتصاديين كالصين، المستورد الأبرز للنفط الإيراني، وهو ما يجعل هذا الخيار غير مرجح في المرحلة القريبة.

أما الولايات المتحدة، وعلى الرغم من اكتفائها الذاتي من النفط، فإنها تراقب هذا التصعيد بحذر بالغ، إذ إن أي اضطراب في الإمدادات العالمية من شأنه أن يؤثر على السوق العالمي ويضغط على الأسعار، في تناقض مع سياسة واشنطن التي تسعى للحفاظ على استقرار السوق وخفض أسعار الطاقة.
وفي ختام التصريح، شددت هايتيان على أن دول الخليج العربي، ولا سيّما تلك التي تعتمد بشكل مباشر على مضيق هرمز لتصدير منتجاتها الطاقوية، ستكون الأكثر تضررًا من أي تصعيد إيراني محتمل، ومن هنا، يفهم موقف هذه الدول الحازم والداعي إلى تهدئة التصعيد، خشية الانزلاق نحو حرب اقتصادية كبرى قد تطيح باستقرار المنطقة.
سيناريو تعطل صادرات النفط الإيرانية
رغم تبادل الضربات، لم يتوقف إنتاج النفط الإيراني، فقد اتضح أن المصافي ومرافق التخزين لم تتعرض لأضرار مباشرة تُعيق الإنتاج، ما أكّد قدرة النظام الإيراني على الحفاظ على حركة التصدير، حتى الآن، لم تُستهدف منشآت التصدير الرئيسية كـ”جزيرة خارك”، وهي مركز تصدير مركزي، ما يمنح الأمل بعدم حدوث تعطُّل حقيقي في الخلل الإمدادي.
فيما قال رئيس تحليل النفط في مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس”، ريتشارد جوسويك، خلال تحليل له، إن أي تعطل في صادرات النفط الخام الإيرانية سيحدث هزة واسعة النطاق في أسواق الطاقة، لاسيما على مستوى آسيا، التي تُعد الوجهة الأساسية لصادرات إيران، حيث تعتمد مصافي التكرير الصينية بشكل شبه حصري على البراميل الإيرانية في تغطية جزء مهم من احتياجاتها النفطية.
مع تعرّض هذه الإمدادات لخطر التوقف نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، ستكون تلك المصافي مُضطرة للبحث سريعًا عن بدائل من موردين آخرين، مثل بعض دول الخليج، أو عبر تعميق الاعتماد على الخام الروسي، رغم التعقيدات المرتبطة بالعقوبات الغربية.
ويشير جوسويك إلى أن هذا التبديل في سلاسل الإمداد لن يكون مجرد عملية استبدال ميكانيكية، بل سيترتب عليه تداعيات هيكلية في سوق الطاقة، أبرزها ارتفاع ملحوظ في أسعار الشحن البحري، خصوصًا ناقلات النفط العملاقة التي تمر عبر مضيق هرمز والممرات الآسيوية الحساسة، كما ستشهد أقساط التأمين على تلك الناقلات زيادة كبيرة، مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية وارتفاع احتمالية التعرض لهجمات أو قيود في ممرات النقل، وهو ما سيؤثر في نهاية المطاف على تكلفة النفط بالنسبة للمستوردين.
تحديات مُضاعفة
يضيف جوسويك أن تلك التوترات من شأنها كذلك أن تُحدث تغييرات في البنية التسعيرية لأنواع النفط المختلفة، فالفارق بين خام برنت (المعيار العالمي) وخام دبي (المرجع الإقليمي لآسيا) قد يتقلّص أو حتى ينقلب في بعض الأحيان، نتيجة لإعادة ترتيب تدفقات الإمداد وتبدّل وجهات الشحن، وهذا سيخلق بيئة معقدة لصنّاع القرار في مصافي التكرير، الذين يعتمدون على هوامش دقيقة في عملياتهم التشغيلية.
أما المصافي الآسيوية، وخاصة في الصين والهند وكوريا الجنوبية، فستكون أمام تحديات مضاعفة، إذ إن اختلال التوازن بين العرض والطلب وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، قد يؤدي إلى تراجع هوامش الربح بشكل كبير، ويُضعف قدرتها التنافسية في سوق المنتجات النفطية النهائية، كما قد يُجبر بعض هذه المصافي على تقليص الإنتاج أو التوجه نحو شراء خامات أغلى وأقل ملاءمة تقنيًا لمرافقها، ما يفاقم من عدم الكفاءة التشغيلية.

هذا المشهد المعقد، كما يرى جوسويك، لا يرتبط فقط بالإمدادات الحالية، بل يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد يُسرّع من إعادة رسم خريطة الشراكات الطاقوية في آسيا، ويزيد من اعتماد الصين على النفط الروسي، أو يدفعها للبحث عن صفقات طويلة الأمد مع دول خليجية كالسعودية أو الإمارات، لضمان أمن الإمدادات بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية الإيرانية.
وفي حال استمرار التوتر أو تحوّله إلى صراع أوسع، فإن الاضطراب لن يظل محصورًا في نطاق آسيا، بل قد يمتد أثره إلى السوق العالمية برمتها، حيث تصبح الأسعار أكثر تقلبًا، ويصبح التحكم في سلاسل الإمداد مرهونًا بالتوازنات السياسية والعسكرية لا الاقتصادية فقط.
وفي ضوء هذه المعطيات، يحذر جوسويك من أن الأسواق باتت في حالة ترقّب مشوبة بالحذر، إذ تدرك المؤسسات المالية وشركات الطاقة الكبرى أن أي تصعيد إضافي لن يكون تأثيره مقتصرًا على منطقة واحدة، بل سيضع النظام الطاقي العالمي أمام اختبار حقيقي لقدراته على التكيف في وجه المخاطر المعقدة، التي تمزج بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد والطاقة.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

