في مشهد دموي عبثي، سقط مئات الضحايا، بينهم نساء وأطفال، في محافظة السويداء جنوبي سوريا، إثر اشتباكات مسلحة وما تبعها لاحقا من أعمال عنف، نتيجة ما وصفته مصادر دبلوماسية وعسكرية بأنه “سوء تفاهم” بين الحكومة السورية وإسرائيل، بعد اعتقاد دمشق بأنها حصلت على ضوء أخضر أميركي-إسرائيلي لنشر قواتها في الجنوب.
ووفق تقرير نشرته وكالة “رويترز“، قال ثمانية مصادر مطلعة، بينهم دبلوماسيون ومسؤولون سياسيون وعسكريون سوريون وإقليميون، إن الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع فسّرت بشكل خاطئ تصريحات ومواقف أميركية وإسرائيلية على أنها موافقة ضمنية على نشر قواته في السويداء، حيث شجعته رسالة الولايات المتحدة بأن سوريا يجب أن تحكم كدولة مركزية.
دمشق تأثرت برسائل براك
نحو ذلك، قالت مصادر إن إسرائيل نفذت ضربات على القوات السورية وعلى دمشق يوم الأربعاء في تصعيد فاجأ القيادة التي يقودها الشرع بعد اتهام القوات الحكومية بقتل العشرات في مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية.

وقالت المصادر، التي تضم مسؤولين سياسيين وعسكريين سوريين ودبلوماسيين ومصادر أمنية إقليمية، إن دمشق اعتقدت أنها حصلت على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة وإسرائيل لإرسال قواتها إلى الجنوب على الرغم من أشهر من التحذيرات الإسرائيلية بعدم القيام بذلك.
وطبقا للمصادر ذاتها، فإن هذه القناعة استندت إلى رسائل علنية وخاصة من المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، إضافة إلى محادثات أمنية غير رسمية بين دمشق وتل أبيب. وقد دعا براك إلى أن تكون سوريا تحت إدارة مركزية كـ”دولة واحدة” دون مناطق تتمتع بالحكم الذاتي.
ولم يسبق أن وردت أنباء عن فهم سوريا للرسائل الأميركية والإسرائيلية بشأن نشر قواتها في الجنوب، وفق “رويترز”.
ورفض متحدث باسم وزارة الخارجية التعليق على المناقشات الدبلوماسية الخاصة، لكنه أكد دعم الولايات المتحدة لوحدة الأراضي السورية. وأضاف: “على الدولة السورية التزام بحماية جميع السوريين، بمن فيهم الأقليات”، وحثّ الحكومة السورية على محاسبة مرتكبي أعمال العنف.
وردا على أسئلة “رويترز”، نفى مسؤول كبير في “وزارة الخارجية السورية” أن تكون تعليقات براك قد أثرت على قرار نشر القوات، والذي اتخذ بناء على “اعتبارات وطنية بحتة” وبهدف “وقف إراقة الدماء وحماية المدنيين ومنع التصعيد الأهلي”.
موقف إسرائيل ثبات من الجنوب السوري
أرسلت سلطات دمشق قوات ودبابات إلى محافظة السويداء يوم الاثنين الفائت، وذلك لوقف القتال بين عشائر البدو والفصائل المحلية الدرزية.
وقالت مصادر إن القوات السورية التي دخلت السويداء يوم الاثنين لوقف الاشتباكات بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو، تعرّضت لإطلاق نار من الفصائل الدرزية، ما أدى إلى اندلاع معارك دامية. وعقب ذلك، قامت إسرائيل بقصف وزارة الدفاع في دمشق ومحيط القصر الرئاسي ومبنى هيئة الأركان العامة وسط العاصمة دمشق.
وأدت أعمال العنف اللاحقة المنسوبة إلى القوات السورية، بما في ذلك الإعدامات الميدانية وإذلال المدنيين الدروز، إلى توجيه ضربات إسرائيلية إلى قوات الأمن السورية ووزارة الدفاع في دمشق ومحيط القصر الرئاسي، وفقا لمصدرين، أحدهما مسؤول كبير في الخليج العربي، لـ”رويترز”.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن التدخل جاء لـ”ضرورة منع القوات السورية من تجاوز الخطوط الحمراء في الجنوب، ولحماية أبناء الطائفة الدرزية”، حيث ترى تل أبيب أن منطقة الجنوب السوري يجب أن تكون منزوعة السلاح.

فيما تدخلت الولايات المتحدة ودول أخرى بسرعة لتأمين وقف إطلاق النار بحلول مساء الأربعاء. ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التصعيد بأنه “سوء تفاهم” بين إسرائيل وسوريا.
وقال مصدر سوري وآخر غربي مطلع على الأمر لـ”رويترز” إن دمشق تعتقد أن المحادثات مع إسرائيل التي جرت الأسبوع الماضي في باكو عاصمة أذربيجان، أسفرت عن تفاهم بشأن نشر قوات في جنوب سوريا لإخضاع السويداء لسيطرة الحكومة.
وأعلنت إسرائيل يوم أمس الجمعة موافقتها على السماح للقوات السورية بدخول السويداء بشكل محدود خلال اليومين المقبلين. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت سوريا أنها ستنشر قوة مخصصة لإنهاء الاشتباكات الطائفية، التي استمرت حتى صباح اليوم السبت.
“سوء تفاهم”
وقال جوشوا لانديس، رئيس “مركز دراسات الشرق الأوسط” في جامعة أوكلاهوما الأميركية، إنه يبدو أن الشرع بالغ في لعب أوراقه في وقت سابق من الأسبوع، و”يبدو أيضا أن قيادته العسكرية أساءت فهم الدعم الأميركي، كما أساءت فهم موقف إسرائيل من جبل الدروز من خلال محادثاتها مع إسرائيل في باكو”.
وقال مسؤول عسكري سوري إن المراسلات مع الولايات المتحدة دفعت دمشق إلى الاعتقاد بأنها قادرة على نشر قواتها دون أن تواجهها إسرائيل.
وقال المسؤول ذاته إن المسؤولين الأميركيين لم يردوا عندما أبلغوا بخطط نشر الصواريخ، مما دفع القيادة السورية إلى الاعتقاد بأن الأمر تمت الموافقة عليه ضمنا وأن “إسرائيل لن تتدخل”.
وقال دبلوماسي مقيم في دمشق إن السلطات السورية كانت “مفرطة الثقة” في عمليتها للسيطرة على السويداء، “بناء على الرسائل الأميركية التي تبين أنها لا تعكس الواقع”.
وقال المبعوث الأميركي براك علنا وفي اجتماعات خاصة في دمشق إن سوريا يجب أن تكون “دولة واحدة”، من دون حكم ذاتي لمجتمعاتها الدرزية أو الكُردية أو العلوية، التي لا تزال تشعر بقدر كبير من عدم الثقة في القيادة الجديدة بدمشق.
وقال لانديس إنه يبدو أن الشرع فهم تصريحات باراك ضد الفيدرالية في سوريا على أنها “تعني أن الحكومة المركزية قادرة على فرض إرادتها على الأقلية الدرزية بالقوة”، وفق “رويترز”.
كما وقال المسؤول الخليجي الكبير إن دمشق ارتكبت “خطأ فادحا” في تعاملها مع السويداء، مشيرا إلى أن قواتها ارتكبت انتهاكات، منها قتل الدروز وإذلالهم. وأضاف المسؤول الخليجي ومصدر آخر أن طبيعة العنف منحت إسرائيل فرصة للتدخل بقوة.
“مخاوف من تقسيم سوريا”
وقال مصدر استخباراتي إقليمي إن “الشرع لم يكن مسيطرا على الأحداث على الأرض بسبب افتقاره إلى جيش منضبط واعتماده بدلا من ذلك على مجموعة من الجماعات المسلحة، والتي غالبا ما تكون لها خلفية إسلاموية متشددة”.
وفي أعمال عنف طائفية شهدتها المنطقة الساحلية السورية في آذار/مارس الماضي، قُتل مئات الأشخاص من الأقلية العلوية على يد قوات متحالفة مع الشرع، تضيف “رويترز”.
ومع استمرار إراقة المزيد من الدماء وارتفاع انعدام الثقة في حكومة الشرع بين الأقليات، قال المسؤول العربي الخليجي الكبير إن هناك “مخاوف حقيقية من أن سوريا تتجه نحو التقسيم إلى دويلات”.
هذا وبعد نحو 7 أيام من الاقتتال، تم التوصل إلى اتفاق شامل يقضي بدخول قوات الأمن العام السوري إلى المحافظة والانتشار فيها، لبسط الأمن والاستقرار.
وجاء ذلك بعد أعلن المبعوث الأميركي الخاص لسوريا توماس براك، مساء أمس الجمعة، عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل.
وقال براك في منشور على منصة “إكس”، إن الطرفين السوري والإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، اتفقا على وقف إطلاق نار تبنته تركيا والأردن وجيرانهما.
وأضاف براك: “ندعو الدروز والبدو والسنة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سورية جديدة وموحدة، في سلام وازدهار مع جيرانها”.
ودعت واشنطن في وقت سابق الحكومة السورية إلى محاسبة المتورطين في أعمال العنف الأخيرة التي وقعت بحق المدنيين بالسويداء على يد ميليشيات متطرفة تابعة لوزارة “الدفاع السورية”.

