أموال سوريا المنهوبة.. هل من طريق للعودة؟

أموال سوريا

تثير مسألة استرداد الأموال المنهوبة من سوريا خلال العقود الماضية نقاشًا معقدًا يتجاوز البعد المحلي إلى ساحة النظام المالي الدولي، خاصة وأن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عشرات المليارات من الدولارات خرجت من البلاد عبر قنوات مصرفية شرعية وغير شرعية، ليستقر جزء منها في مصارف أوروبية وخليجية، وجزء آخر في ملاذات مالية آمنة أو في أصول عقارية واستثمارات بأسماء وهمية.

وبالرغم من أن هذا الملف يشكل مطلبًا شعبيًا ملحًا في سوريا ما بعد الحرب، فإن فرص استرداد تلك الأموال تبقى محدودة، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة” جورج خزام.

العقبة الكبرى

خزام يرى أن البنية العميقة للنظام المالي العالمي تجعل من مسألة استرداد الأموال المنهوبة شبه مستحيلة، إذ إن المصارف الكبرى تبني سمعتها على مبدأين أساسيين هما الأمان المطلق للمودعين والسرية المصرفية التامة، وفق منشور له على صفحته بموقع التواصل “فيسبوك“.

وأشار إلى أن هذه القواعد التي صاغتها مصارف مثل تلك العاملة في سويسرا منذ عقود، جعلت من أرصدتها ملاذًا لرؤوس الأموال المشبوهة حول العالم، ومنوهًا بأن أي تراجع في الالتزام بهذه المبادئ قد يهدد الثقة الدولية في النظام المصرفي، بما في ذلك من قبل السياسيين والفاسدين الذين يجدون في تلك المصارف ملجأً مضمونًا لإيداع ثرواتهم.

لكن هذه المقاربة ليست حكرًا على سويسرا وحدها، فبحسب مبادرة استرداد الأصول المنهوبة (StAR)، وهي برنامج مشترك بين البنك الدولي والأمم المتحدة، يتم تهريب ما بين 20 إلى 40 مليار دولار سنويًا من الدول النامية بفعل الفساد، وبالرغم من أن بعض النجاحات تحققت في استعادة الأموال، مثلما جرى في حالة الرئيس النيجيري السابق ساني أباتشا حيث أعادت سويسرا ولوكسمبورغ أكثر من 1.2 مليار دولار إلى نيجيريا، فإن غالبية المحاولات الأخرى تبوء بالفشل بسبب التعقيدات القانونية والسياسية، فضلاً عن غياب الإرادة الدولية الحقيقية.

ملاذ جديد

إلى جانب القنوات المصرفية التقليدية، يلفت خزام إلى أن العملات المشفرة باتت اليوم الوجهة الأكثر أمانًا للأموال غير الشرعية، فتظهر تقارير شركات تحليل البيانات مثل “Chainalysis” أن جزءًا كبيرًا من أنشطة غسل الأموال والتمويل غير المشروع بات يمر عبر العملات الرقمية، التي لا تخضع لرقابة مركزية ولا للقيود التي تفرضها البنوك الفيدرالية أو السلطات النقدية الدولية.

يعزز هذا الواقع صعوبة تتبع الأموال السورية المنهوبة، لا سيما إذا تم تحويلها إلى أصول رقمية يصعب تعقبها أو تجميدها.

وتقدم التجارب العربية أيضًا صورة قاتمة عن احتمالات النجاح في هذا المجال، ففي مصر وتونس وليبيا، ورغم وجود تعاون دولي محدود، فإن عمليات استرداد الأموال المهرّبة بعد سقوط الأنظمة لم تحقق سوى جزء يسير من الهدف.

على سبيل المثال، وبعد سنوات من المطالبات التونسية، لم يُستعد سوى ما يقارب 350 مليون دولار من إجمالي أصول يعتقد أنها تتجاوز مليارات الدولارات، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.

الأموال المنهوبة تتحول إلى روافع اقتصادية

العقبة الأساسية لا تكمن فقط في غياب الشفافية الدولية، بل أيضًا في أن كثيرًا من الدول المستضيفة لهذه الأموال تعتبرها أصولًا يمكن إعادة تدويرها عبر الاستثمار الشرعي داخل اقتصادها، بمعنى آخر، الأموال المنهوبة التي تهرب من دول مضطربة غالبًا ما تتحول إلى روافع اقتصادية لأسواق أخرى، وهو ما يخلق تضاربًا في المصالح يجعل استعادتها غير مرغوب فيها، وفقا لـ”خزام”.

وأمام هذا المشهد، يرى خزام أن المطالبة باسترداد الأموال قد تبقى مطلبًا أخلاقيًا ورمزيًا أكثر من كونها عملية واقعية قابلة للتحقق، فحتى في حال توافر الإرادة السياسية، تبقى التعقيدات القانونية والاعتبارات الاقتصادية للدول المستضيفة أكبر من أن تُذلل بسهولة.

وحتى اللحظة، لا توجد إجابة وتوجهات حكومية واضحةتجاه الأموال السورية المنهوبة، ففي شباط/ فبراير الماضي، كشفت وكالة الأنباء “رويترز” أن الإدارة السورية الحالية تجري تمشيطًا لإمبراطوريات الشركات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والتي يملكها حلفاء الرئيس المخلوع بشار الأسد وأجروا محادثات مع بعض هؤلاء الأثرياء فيما يقولون إنها حملة للقضاء على الفساد والنشاط غير القانوني.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم