مفاوضات على أنقاض السيادة.. الدبلوماسية السورية تدفع ثمن فشلها في إدارة الملف التفاوضي مع إسرائيل

مفاوضات على أنقاض السيادة الدبلوماسية السورية تدفع ثمن فشلها في إدارة الملف التفاوضي مع إسرائيل
مفاوضات على أنقاض السيادة الدبلوماسية السورية تدفع ثمن فشلها في إدارة الملف التفاوضي مع إسرائيل

في منعطف نادر منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تدور مفاوضات أمنية متقدمة بين سوريا وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة، في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة في الشرق الأوسط المعاصر. حيث يأتي المسار التفاوضي في وقت تواصل فيه إسرائيل سياسة الأمر الواقع.

خلالها، طالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بنزع السلاح الكامل من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، في تصعيد يمثل تحولاً استراتيجياً في السياسة الإسرائيلية. وفي تناقض صارخ، شهدت الأسابيع الأخيرة توغلا إسرائيليا جديدا في مرج جبل الشيخ، حيث سيطرت قوات خاصة على تل بابطا الاستراتيجي (باط الوردة)، بينما كان المبعوث الأميركي توم باراك يجري مباحثات مع الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، ويلتقي أيضا مع المسؤولين السوريين في باريس.

وبينما تستمر القوات الإسرائيلية في التوسع داخل الأراضي السورية، حيث سيطرت على 460 كيلومترا مربعا إضافيا، وأنشأت 9 مواقع عسكرية دائمة، وحقول ألغام، وطرقا استراتيجية تمتد حتى 12 كيلومترا داخل الأراضي السورية، أعلن الشرع مؤخرا عن “محادثات متقدمة” لاتفاق أمني يستند إلى خط وقف إطلاق النار لعام 1974.

على ذلك، تبدي حكومة دمشق سذاجة استراتيجية في تقييم موازين القوى. فبدلا من بناء رؤية تفاوضية متماسكة تعكس مصالحها الوطنية، سقطت في فخ التفاوض تحت وطأة الأمر الواقع الإسرائيلي. فبينما تتوغل القوات الإسرائيلية، والتي كانت تحتل القوات الإسرائيلية 460 كيلومترا مربعا، وتتحضر لضمها بشكل دائم، كان الرد السوري يقتصر على خطابات طمأنة لم تلقَ آذانا صاغية في تل أبيب.

وفي هذا السياق، يشير الصحفي والمحلل السياسي السوري، عبد الحي الأحمد إلى أن اندفاع الإدارة السورية الجديدة نحو بناء تفاهمات مع إسرائيل ينبع من عاملين رئيسيين، أولهما السعي إلى الشرعية الدولية، وثانيهما التفاعل مع مشاريع متصارعة على مستقبل سوريا.

عن العامل الأول، يفند الأحمد حديثه لـ”الحل نت” بالقول، حين كانت هذه الإدارة تتمركز في إدلب تحت مظلة “هيئة تحرير الشام”، واتخذت شكلا عسكريا-سياسيا يهدف إلى اقتناص فرصة للانتقال إلى الحكم المركزي. وهذا المسار تطلب تقديم تنازلات في ملفات حساسة، أبرزها العلاقة مع إسرائيل، لضمان قبول دولي من الأطراف الضامنة، وعلى رأسها تركيا والولايات المتحدة.

للوصول إلى دمشق، كان لا بد من إثبات عدم تشكل تهديد إقليمي، كما أشار الرئيس الشرع، مما دفع الإدارة إلى التنازل في ملف الجنوب عبر سحب السلاح الثقيل وتجنب أي تحركات عسكرية قد تُفسر كاستفزاز لإسرائيل، وصولًا إلى عقد لقاءات مباشرة معها، في خطوة غير مسبوقة ومفاجئة.

بين الممر الإنساني والعمق الاستراتيجي

تبدو العملية التفاوضية السورية كمشاهد عشوائية تفتقد إلى السيناريو المحكم. فمن جهة، يعلن الرئيس الشرع عن محادثات متقدمة، ومن جهة أخرى، تستمر التصريحات الرسمية بلهجة التنديد والرفض، مما ينقل صورة عن انقسام داخلي وغياب تنسيق بين أجهزة الدولة.

قاعدة “تي فور” (T4) الجوية بمحافظة حمص وسط سوريا، التي تعرضت لغارات جوية إسرائيلية بعد زيارة فرق عسكرية تركية – انترنت

هذا التشتت تجلى بوضوح في التعامل مع الملف الدرزي. فبدلا من تطوير إستراتيجية وطنية لاحتواء الأزمة في السويداء وتحقيق الاستقرار فيها، تركت دمشق المبادرة لإسرائيل التي استغلت الملف بشكل ذكي لفرض شروطها وإنشاء مناطق نفوذ تحت غطاء إنساني.

فوفقا لمسودات التفاهم التي كشفتها “القناة 12” الإسرائيلية، يرتكز الاتفاق المرتقب على إنشاء ممر إنساني إلى جبل الدروز في السويداء، ونزع سلاح هضبة الجولان ومنع انتشار الأسلحة الاستراتيجية، مع ضمان التفوق الجوي الإسرائيلي، ومنع إعادة بناء الجيش السوري بمساعدة تركية، وهي نقطة قالت القناة أنها تشكل أهمية خاصة لدى تل أبيب. في المقابل، حصول دمشق على مساعدات أميركية وخليجية لإعادة الإعمار في سوريا.

حيث تأتي المحادثات في أعقاب أزمة إنسانية طاحنة في السويداء، بعد أن أدت الاشتباكات الطائفية بين الدروز والبدو والانخراط الحكومي الملتبس بينهما إلى مقتل 1700 شخص وتشريد عشرات الآلاف. وعليه، تصر إسرائيل على جعل الممر الإنساني شرطا أساسيا لأي تفاهم، في خطوة تثير حفيظة دمشق التي تخشى تحول المنطقة إلى كيان منفصل.

فيما يمثل قبول أو مجرد مناقشة إنشاء ممر إنساني تنازلا عن السيادة السورية المدّعاة، مع تثبيت ادعاء محاصرة السويداء من قبل حكومة دمشق. بجانب إشراك تل أبيب رسميا في معالجة القضايا السورية المحلية، وهو ما وقعت دمشق في فخه بتوقيعها لاتفاق الموقع مع تل أبيب برعاية واشنطن لوقف إطلاق النار في السويداء.

فراس علاوي، وهو صحفي ومحلل سياسي سوري، يعتقد أن ما يجري هو أقرب إلى محاولة أميركية لإرساء حالة من الاستقرار الإقليمي عبر دعم الطرفين، السوري والإسرائيلي. فالحكومة السورية، لولا الغطاء الأميركي، لما كانت لتتخذ خطوات بهذا الاتجاه.

“من الواضح أن واشنطن تسعى إلى صياغة اتفاق أمني جديد، لم تتضح ملامحه بعد، لكنه يهدف إلى تثبيت الاستقرار ودعم الحكومة السورية ضمن إطار إقليمي أوسع”، قال علاوي لـ”الحل نت”.

في المقابل، يبحث السوريون عن تثبيت داخلي واعتراف خارجي، ما يجعل الطرفين بحاجة إلى مظلة أمنية مشتركة. ويبدو أن الجميع يتجه نحو تطوير اتفاقية فصل القوات لعام 1974، من خلال تثبيت الهدنة ونزع السلاح الثقيل، وربما المتوسط، في الجنوب السوري، حسب علاوي.

دبلوماسية على حافة الهاوية

تمثل المفاوضات الحالية اختبارا لنضج النظام السياسي السوري الجديد، وقدرته على المناورة بين متطلبات إعادة الإعمار وضرورات الحفاظ على السيادة. وفي الجانب الإسرائيلي، تظهر انقساما بين رؤية أمنية تقليدية تريد تحصين المكاسب العسكرية، ورؤية استراتيجية تبحث عن شرق أوسط جديد.

النجاح في هذه المفاوضات قد يفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية-الإسرائيلية، لكن الفشل قد يدفع المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة تكون سوريا مسرحها الرئيسي، والأكثر تضررا من نتائجها.

فبينما كانت سوريا تتلمس طريقها نحو مرحلة ما بعد الأسد، وجدت نفسها أمام مفترق طرق تاريخي: إما انتهاز فرصة التحول نحو دولة طبيعية ذات سيادة، أو الانزلاق نحو فشل جديد في إدارة ملف بالغ التعقيد. ولسوء الحظ، فإن نهج الحكومة السورية المؤقتة في إدارة المفاوضات الأمنية مع إسرائيل يميل بقوة نحو الخيار الثاني، في سيناريو يكرر أخطاء الماضي برؤية أكثر ضبابية.

ذلك أن رؤية البعض لهذه المفاوضات بأنها تمثل ميزة وخطوة دبلوماسية ضرورية، وتكتيكا مؤقتا لاحتواء النزعات الانفصالية، لا استراتيجية متكاملة. فبالنظر إلى الأهداف الأمنية والجيوسياسية التي تسعى إسرائيل لتحقيقها عبر الطائفة الدرزية في السويداء، يبدو أن التحرك السوري يهدف بالأساس إلى وقف تغذية هذه النزعة، أكثر من كونه مشروعا سياسيا متماسكا.

لكن هذا التوجه، يصفه الكاتب والمحلل السياسي السوري، إبراهيم الجبين، بأنه خلل جوهري. إذ إن غياب المخرجات الواضحة من هذه اللقاءات يجعلها بلا قيمة فعلية، بل أشبه بمكافأة مجانية لإسرائيل على تدخلها في دمشق. مشيرا إلى أن الاستعانة بإسرائيل، وهي الطرف الذي يسعى لتقسيم سوريا، يُعد ضربا من “الخرافة السياسية”، ويعكس عقلية براغماتية لدى الحكومة السورية الجديدة، تفتقر إلى المبادئ وتغلب فيها الحسابات الظرفية على الرؤية الوطنية الشاملة.

ويبقى الخطأ الاستراتيجي الذي أقدمت الحكومة السورية، هو الموافقة على التفاوض حول ترتيبات أمنية دون ضمانات مسبقة بانسحاب إسرائيلي من الأراضي السورية بعد كانون الأول/ديسمبر 2024. وبهذا، حولت دمشق نفسها من طرف يسعى لتحرير أراضيه إلى طرف يقبل بالتفاوض على ترتيبات أمنية فوق أرضه المحتلة.

إلى جانب ذلك، يبدو التنازل الأكثر خطورة هو الموافقة الضمنية على شروط نزع السلاح في الجنوب السوري، وهي الصيغة التي تكرس التقسيم العملي لسوريا. كما أنها وطوال مسار المفاوضات، ظهرت دمشق كطرف يتعامل بردود الفعل بدلا من المبادرة والإستراتيجية. فكانت تستجيب للخطوات الإسرائيلية بدلا من صياغة أجندتها الخاصة. هذا الغياب للرؤية جعلها تسير في المسار المرسوم لها من الآخرين، بدلا من تشكيل هذا المسار وفق مصالحها الوطنية.

لدى الجانب الإسرائيلي دوافع واضحة، حسب علاوي. حيث تخوض إسرائيل مواجهات متعددة على أكثر من جبهة، وتحتاج إلى تهدئة بعض هذه الجبهات، خاصة في ظل التوترات في اليمن والعراق. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطا داخلية، وقد يرى في هذا الاتفاق فرصة لتحقيق مكسب سياسي يخفف من حدة الانتقادات.

“بناء على هذه المعطيات، يبدو أن الطرفين في حاجة فعلية إلى اتفاق أمني، وقد يكون اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل محطة مفصلية في هذا المسار”، قال علاوي.

على ذلك، يشير الأحمد إلى أن الإدارة السورية تبدي استعدادا لتقديم تنازلات في الاجتماعات التنسيقية مع إسرائيل، مقابل ضمان بقائها في الحكم والحفاظ على وحدة البلاد، بعيدا عن سيناريوهات التقسيم والصراع.

لكن التجربة تثبت مرة أخرى أن التفاوض ليس فن تقديم التنازلات، بل هو فن إدارة الصراع بوسائل أخرى. والتفاوض من موقع الضعف لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضعف، إلا إذا كان جزءا من استراتيجية ذكية لتحقيق مكاسب تراكمية. وهذا بالتأكيد ما افتقدته دمشق في إدارة هذا الملف المصيري.

عمار جلو

عمار جلو

كاتب سوري مهتم بشؤون إيران والجماعات الجهادية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم