شبكات رجال الأسد المالية.. هل تحرم سوريا من فرصة إعادة الاندماج العالمي؟

رجال الأسد

تُعاني البنوك الخاصة في سوريا من أزمةٍ معقدة تُعيق عودتها إلى شبكة العلاقات المصرفية الدولية، وهي أزمةٌ تُلقي بظلالها على جهود التعافي الاقتصادي المنشود، فبينما يمثل الانخراط مجددًا في النظام المالي العالمي خطوةً محوريةً لإنعاش القطاع المصرفي، تفرض وجود أسماءٍ مُدرجةٍ على لوائح العقوبات ضمن قوائم المساهمين عائقًا رئيسيًا يحُول دون تحقيق هذا الهدف.

ويُفعل ارتباط هذه البنوك بكياناتٍ أو أفرادٍ مُعاقبين آليات العناية الواجبة المُشدّدة لدى المؤسسات المالية الدولية، مما يُؤدي إلى تأخيرٍ في عمليات الانضمام وارتفاعٍ في تكاليف الامتثال، ما يجعل التعامل معها أمرًا غير مجدٍ تجاريًا بالنسبة للبنوك العالمية التي تتجنب المخاطر، وفق تقرير نشره موقع “عنب بلدي”.

معركة البنوك مع العقوبات

أوضح التقرير أن الامتثال للقوانين واللوائح المصرفية، بالإضافة إلى المعايير الأخلاقية، يُعد حجر الزاوية في عمل البنوك الحديثة، حيث تكمن وظيفة قسم الامتثال في مكافحة المخاطر المرتبطة بعدم الالتزام، مثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والاحتيال المالي، وتضارب المصالح، وانتهاك حقوق العملاء.

وسلط التقرير الضوء على دراسةٌ أعدّها مركز “كرم شعار للاستشارات” عن وجود ثمانية أفراد، إما مُعاقبين مباشرةً أو مرتبطين بآخرين خاضعين للعقوبات، يمتلكون حصصًا في 15 بنكًا سوريًا خاصًا.

 وتُشير الدراسة إلى أسماءٍ بارزة تُثير قلقًا بالغًا على صعيد الامتثال، منها أحمد خليل وناصر ديب ديب، المُدرجَان على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي بصفتهما واجهاتٍ اقتصاديةً للنظام السوري السابق.

تجنب التعقيدات

نقل “عنب بلدي” عن الباحث والمحلّل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات”، بنجامين فيف، أنه على الرغم من إمكانية تعامل البنوك الأوروبية قانونيًا مع البنوك السورية إذا لم تكن تخضع “لسيطرة فعلية” من قبل شخصٍ مُعاقب، فإنّ عملية التحقق من ذلك تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.

نظرًا لانخفاض الحافز المالي وعائد الاستثمار في السوق السورية، تُفضل معظم البنوك الدولية تجنّب هذا التعقيد، مما يُقوّض فرص استعادة علاقات المراسلة المصرفية.

الباحث والمحلّل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات”، بنجامين فيف

وأشار التقرير إلى أنه وفقًا لتوجيهات مجموعة العمل المالي (FATF)، يتعين على البنوك المراسلة التحقق من “المالكين المستفيدين” وقطع العلاقات في حال تعذّر السيطرة على المخاطر، ورغم أنّ هذا لا يُمثل حظرًا قاطعًا، فإنّ ارتفاع المخاطر يُترجم إلى ارتفاعٍ في التكاليف، مما يجعل الجدوى التجارية ضعيفة.

تحايل على العقوبات

لا تقتصر المشكلة على الأسماء المُعاقبة مباشرةً، فوفقًا لدراسة مركز “كرم شعار”، تبرز أسماءٌ أخرى مثيرةٌ للجدل مثل ناديا ياسين سلمان، المُساهمة في سبعة بنوكٍ سورية، فهي ليست خاضعة للعقوبات مباشرة، لكن منذ يونيو/حزيران 2021، أظهرت مراجعة هياكل الملكية أن أسهم رامي مخلوف تختفي، وتظهر أسهم سلمان بمقادير مشابهة.

كما يُعتقد أنها استحوذت على أسهم محمد حسن عباس، وكيل رامي مخلوف المعاقَب أمريكياً، في شركة “STC” المتخصصة بمشاريع النقل، وتبدو هذه التحركات محاولة لحماية أصول مخلوف أو نقلاً مدبراً من قبل النظام المصرفي إلى شخصية موثوقة.

وتُظهر سجلات المساهمين في البنوك الخاصة هيمنةً لمجموعاتٍ من الأفراد والكيانات المُعاقبين، أو المرتبطين بهم بعلاقاتٍ عائلية أو تجارية، مما يُعقّد الصورة أكثر.

الحلول المطروحة.. الاعتراف أولًا ثم الإقصاء

عاد “عنب بلدي”، مجددًا، إلى الباحث والمحلّل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات”، بنجامين فيف، الذي يرى أن الخطوة الأولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تكمن في اعتراف البنوك الخاصة علنًا بوجود هذه المعضلة، وإبعاد هؤلاء المساهمين نهائيًا عن أي دور إداري أو تصويتي، مع الالتزام بالشفافية المطلقة عند التواصل مع المؤسسات المالية الدولية.

لكن الحلول تتجاوز مسألة الاعتراف العلني، إذ يشدد خبراء مثل الدكتور عبد المنعم حلبي، الموظف السابق في مصرف حلب المركزي، على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أدوات قانونية صارمة تبدأ بمصادرة أموال المساهمين الذين يثبت تورطهم في جرائم مالية أو جرائم ضد الإنسانية، وتحويلها إلى المال العام إما بإدارتها المباشرة من الدولة أو بيعها في مزادات علنية تدعم الخزانة العامة.

ويرى الحلبي أن استقلالية القضاء في هذه المرحلة الانتقالية مسألة محورية، إذ ينبغي أن يُمنح كامل الصلاحيات للنظر في ملكيات المساهمين المعاقَبين، سواء بمبادرة من الحكومة أو بتحريك دعاوى عامة من قبل المجتمع المدني والمواطنين، بما يتماشى مع متطلبات العدالة الانتقالية.

دور البنك المركزي.. إعادة هيكلة وإنقاذ

بحسب الباحث بنجامين فيف، فإن البنك المركزي نفسه يجب أن يتدخل بشكل مباشر لإعادة النظر في مجالس الإدارة وهياكل المساهمين، وحل تلك المتأثرة بالعقوبات إن لزم الأمر، مع إصدار قرارات علنية بتجميد الأصول المشبوهة لتعزيز المصداقية.

وهو رأي يلتقي مع طرح وزير المالية والاقتصاد السابق في “الحكومة السورية المؤقتة”، عبد الحكيم المصري، الذي يرى أن تجميد هذه الأصول سيشكل خطوة مهمة لتجاوز العقوبات وكسب ثقة المؤسسات الدولية.

لكن المعضلة لا تنحصر في الداخل، فالبنوك السورية لا تتلقى أصلًا ردودًا من المؤسسات الأوروبية، إذ تعتبر السوق السورية معقدة وغير مغرية، ولا تكفي مجرد الرسائل أو الطلبات لاستعادة العلاقات.

 عزلة خارجية تعمّق المأزق

هنا يرى فيف أن المطلوب هو تدخل على مستوى الحكومات الأوروبية لمنح ضمانات قانونية للمؤسسات المالية وإبلاغها أن التعامل مع سوريا لن يشكل خرقًا للعقوبات، ما قد يفتح المجال أمام عودة الاستثمارات.

في المقابل، لا بد للبنوك السورية من خطوات عملية تعزز الشفافية وتتماشى مع المعايير الدولية، مثل الالتزام بقرارات لجنة “بازل” للرقابة المصرفية، ونشر تقارير دقيقة إلى نظام “سويفت”، والإفصاح عن نسب الملكية بشكل واضح.

كما يمكنها، وفق رأي المصري، الاستعانة بمدققين دوليين من “بازل” و”سويفت” لتدقيق عملياتها وقوائمها المالية، بما يمنحها شرعية أكبر ويدعم موقفها في مفاوضات إعادة الارتباط بالنظام المصرفي العالمي.

قطاع مصرفي محاصر بالعزلة

في ظل غياب هذه الإجراءات، يبقى القطاع المصرفي السوري أسيرًا لعزلة خانقة تحد من قدرته على لعب أي دور في دعم التعافي الاقتصادي، فاستمرار القطيعة يترك الباب مفتوحًا أمام السوق السوداء، ويرفع تكاليف الحوالات المالية، ويعرقل دخول الاستثمارات الكبيرة التي لا يمكن أن تمر عبر قنوات غير رسمية.

ومن دون إصلاحات حقيقية وجذرية تضع حدًا لسيطرة شبكات رجال النظام السابق على مفاصل البنوك، ستظل المصارف السورية محاصرة في دائرة الاشتباه، محرومة من فرصة العودة إلى المشهد المالي العالمي، وعاجزة عن الإسهام في عملية إعادة الإعمار أو تحريك عجلة التنمية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم