واشنطن تضرب القوة العسكرية لطهران وإسرائيل تفكك منظومة السيطرة على الداخل

كشف تقرير حصري لصحيفة “وول ستريت جورنال” اليوم، تفاصيل الحملة العسكرية والاستخباراتية التي تستهدف أجهزة الأمن الإيرانية خلال الحرب الجارية مع إسرائيل.

ويعرض التقرير، استناداً إلى قوائم أهداف وتقارير تقييم الأضرار، كيف ركزت الضربات على تفكيك بنية السيطرة الداخلية للنظام الإيراني. كما يكشف عن دور المعلومات الاستخباراتية والاتصالات السرية في ملاحقة قادة الأجهزة الأمنية واستنزاف قواتهم داخل المدن الإيرانية.

الظهور الأخير لعلي لاريجاني

علي لاريجاني، الجمعة، قبل أيام من مقتله بغارة اسرائيلية (انترنت)

تجوّل علي لاريجاني، المسؤول الأمني الأعلى في إيران، بثقة مرتدياً نظارات شمسية داكنة ومعطفاً أسود يوم الجمعة بين حشد من أنصار النظام في وسط طهران. كان ذلك أول ظهور علني له خلال الحرب، رغم أنه كان هدفاً معروفاً. وكتب لاحقاً على منصة إكس:
“شعب شجاع. مسؤولون شجعان. قادة شجعان. هذا المزيج لا يمكن هزيمته”.

بعد أربعة أيام، كان قد قُتل. ففي وقت مبكر من صباح الثلاثاء، عثرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على لاريجاني مجتمعاً مع مسؤولين آخرين في مخبأ على أطراف طهران، وقتلته بضربة صاروخية.

وفي الليلة نفسها، تلقت إسرائيل معلومة من إيرانيين عاديين تفيد بأن قائد ميليشيا الباسيج المخيفة، غلام رضا سليماني، كان يختبئ مع نوابه داخل خيمة في منطقة حرجية في طهران. وكان ذلك النوع من النتائج الذي كانت إسرائيل تأمل تحقيقه بعد أن فجرت مقرات الباسيج ومراكز قيادتها لأكثر من أسبوعين، ما أجبر عناصرها على التجمع في أماكن مكشوفة. وقد استُهدف سليماني أيضاً وقُتل.

تابوت أحد مستشاري “خامنئي” السياسيين، خلال مراسم جنازته بعد أن قتل بغارة جوية. (رويترز)

استراتيجية الحرب: استهداف أجهزة القمع

كان قادة إسرائيليون وأميركيون قد قالوا منذ بداية الحرب إن الصراع مع إيران سيخلق الظروف التي تمكّن الإيرانيين من إسقاط نظامهم. وقد مثّلت عمليات القتل التي جرت فجر الثلاثاء محطة مهمة في تلك الحملة، بعد الأضرار المتراكمة بسرعة نتيجة الضربات الجوية وتزايد المعلومات الاستخباراتية حول الأهداف المحتملة.

ومع مقتل آلاف من عناصر النظام، من كبار القادة إلى العناصر الميدانية، أفاد الإيرانيون بأن شعوراً بالفوضى بدأ يسود. فالقوات الأمنية باتت تحت ضغط وتتحرك هرباً من الاستهداف، في الوقت الذي تهدد فيه المتظاهرين بالبقاء بعيداً عن الشوارع، وتوجه ضربات نحو الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية مجاورة عبر الخليج.

قوائم أهداف مفصلة وتقارير تقييم الأضرار القتالية التي اطّلعت عليها وول ستريت جورنال تقدم نظرة من الداخل إلى الجهد الضخم المبذول لاستنزاف تلك القوات.

وتظهر الوثائق أن هذه الجهود بدأت في الأيام الأولى من الحرب ولا تزال تتصاعد. فإسرائيل تطارد قوات الأمن من مقراتها إلى نقاط التجمع ثم إلى مخابئ تحت الجسور، في محاولة لتعطيل نشاطها وإظهار للإيرانيين أن أدوات القمع يتم التخلص منها.

وتقول إسرائيل إنها أسقطت حتى الآن عشرة آلاف ذخيرة على آلاف الأهداف المختلفة، بينها أكثر من 2200 هدف مرتبط بالحرس الثوري الإسلامي والباسيج وقوات الأمن الداخلي الأخرى. وتعتقد أن آلاف الأشخاص قد قُتلوا أو جُرحوا.

الدمار الذي أصاب مجمّع المرشد الأعلى بعد الغارات الجوية التي استهدفت طهران (فرنس برس)

حملة جوية واسعة لاختراق النظام

إن التكنولوجيا المتقدمة التي تستخدمها إسرائيل، إلى جانب اختراق المجتمع الإيراني عبر عملائها، تتضافر لتشكّل أكبر تهديد حتى الآن لنظام راسخ الجذور.

لكن عقوداً من الخبرة العسكرية تظهر أن إسقاط حكومة من الجو أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً. وإذا تمكن النظام الإيراني من الصمود، فقد يخرج أكثر جرأة وخطورة. وقال فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني في معهد واشنطن:
“سيُعد ذلك نصراً واضحاً للنظام مع ما يحمله من تداعيات متوقعة وغير متوقعة”.

بدأت إسرائيل الحرب بضربة استهدفت قلب النظام، إذ قتلت المرشد الأعلى علي خامنئي داخل مقره في الضربة الأولى، وبالتعاون مع الولايات المتحدة دمرت سريعاً معظم منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وقضت على دفاعاتها الجوية.

بعد ذلك، قُسمت المهام. ركزت الولايات المتحدة على القوة العسكرية والصناعية الإيرانية، بينما ركزت إسرائيل بشكل أساسي على هياكل السيطرة الداخلية.

استهداف مراكز الأمن وخطط الطوارئ

بحلول اليوم الثاني، بدأت الطائرات الحربية الإسرائيلية باستهداف منهجي لمقرات القيادة المرتبطة بأذرع الأمن الداخلي للحرس الثوري وميليشيا الباسيج وقوات الشرطة الخاصة.

وتظهر الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة أن الضربات استهدفت كل شيء، من وحدة “ثأر الله” التابعة للحرس الثوري والمسؤولة عن حماية العاصمة، وصولاً إلى مراكز الشرطة في أحياء طهران. وكانت إسرائيل تستهدف المواقع التي أكدت استخباراتها وجود عناصر من النظام فيها.

ثم توسعت قائمة الأهداف. فقد علمت الاستخبارات الإسرائيلية أن لدى إيران خطة بديلة لقواتها الأمنية الداخلية في حال تدمير منشآتها، تقوم على التجمع في المجمعات الرياضية المحلية.

راقبت إسرائيل تلك المواقع وهي تمتلئ بالعناصر ثم ضربتها قبل نهاية الأسبوع الأول من الحرب. ووفق تقييمات الأضرار القتالية التي اطلعت عليها الصحيفة، كانت تلك الضربات من الأكثر فتكاً في الحرب، إذ قُتل مئات من عناصر الأمن والجيش، وكانت الحصيلة الأكبر في ملعب آزادي.

مجمع آزادي الرياضي، حيث تتحصن قوات الأمن في طهران، بعد غارات جوية في مارس/آذار 2026

تهديدات لقادة أمنيين وعسكريين

في الوقت نفسه، بدأ مسؤولو الاستخبارات الإسرائيلية إجراء اتصالات هاتفية بقادة عسكريين وأمنيين بشكل فردي، مهددين إياهم وعائلاتهم بالاسم إذا لم يقفوا جانباً في حال اندلاع انتفاضة.

واطلعت الصحيفة على محتوى مكالمة بين قائد كبير في الشرطة الإيرانية وعميل في جهاز الموساد. قال العميل متحدثاً بالفارسية:
“هل تسمعني؟ نحن نعرف كل شيء عنك. أنت على قائمتنا السوداء ولدينا كل المعلومات عنك”.

أجاب القائد: “حسناً”.

فقال العميل:
“اتصلت بك لأحذرك مسبقاً بأن تقف إلى جانب شعبك. وإذا لم تفعل ذلك فسيكون مصيرك كمصير قائدك. هل تسمعني؟”

رد القائد:
“أخي، أقسم بالقرآن إنني لست عدوكم. أنا رجل ميت بالفعل. فقط أرجوكم تعالوا وساعدونا”.


تُظهر هذه اللقطة الثابتة من مقطع فيديو، دراجة نارية تشتعل فيها النيران عقب ضربة استهدفت نقطة تفتيش تابعة لقوات الباسيج في طهران. (رويترز)

النظام نحو الانهيار

ورغم مظاهر التصدع في السلطة، فإن قوات الأمن الإيرانية لا تزال تسيطر على الشوارع وتمنع أي معارضة عبر التهديد بإطلاق النار. ويقول كثير من الإيرانيين إن الانتفاض الآن سيكون بمثابة انتحار، ويخشون أن تترك إسرائيل والولايات المتحدة النظام قائماً لكنه أكثر غضباً.

ويعتقد جهاز الأمن الإسرائيلي أن الاقتصاد الإيراني المتدهور والغضب الشعبي وضعا النظام على مسار لا رجعة فيه نحو الانهيار، سواء حدث ذلك أثناء الحرب أو لاحقاً. لكن في النهاية، ترى إسرائيل والولايات المتحدة أن هذه المهمة تقع على عاتق الشعب الإيراني نفسه.

وقال نديمي:
“إنهم يشاهدون نظاماً متآكلاً أمام أعينهم. لكن الأمر سيتطلب المزيد من الهجمات لقلب الطاولة”.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم