حين تشتعل الحروب من حولنا كيف يعيش السوري ما لا يشارك فيه؟

لا تصل الحروب إلى الناس دائماً على شكل دمار مباشر. أحياناً، تصلهم بشكلٍ أبطأ وأقل وضوحاً لكنها لا تقل تأثيراً. في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتكرر الصراعات وتتداخل، لا يبقى الحدث محصوراً في مكانه. ينتقل، يتسرّب، ويعيد تشكيل حياة من يراقبه من الخارج.

بالنسبة للسوريين، هذا النوع من التلقي ليس بالجديد. فمنذ سنوات وهم يعيشون داخل تجربة حرب طويلة، لكنهم في الوقت نفسه يتابعون حروباً أخرى تدور حولهم، دون أن تكون منفصلة تماماً عن واقعهم. ومنذ بدء التصعيد بين إيران وإسرائيل، تكرر ذاك المشهد؛ حرب لا تحدث في الداخل السوري بشكل مباشر، لكنها ليست بعيدة بما يكفي لتُعامل كحدث خارجي كامل. والسؤال هنا لا يتعلق بمواقف سياسية أو اصطفافات، بل بطريقة العيش نفسها؛ كيف يستقبل مجتمع أنهكته الحرب صراعاً جديداً في محيطه؟ وكيف ينعكس ذلك على نظرته إلى نفسه، وإلى يومه، وإلى ما يمكن أن يأتي لاحقاً؟

هذا المقال هو بمثابة محاولة لقراءة هذا الأثر من ثلاث زوايا مترابطة؛ الوعي، المعيشة، وفكرة المستقبل. ليس كعناوين منفصلة بل كطبقات تتداخل في تجربة واحدة. لذا وقبل الدخول في التفاصيل، قد يكون من المفيد التوقف قليلاً عند طبيعة هذا الأثر نفسه. فالحروب لا تُختبر فقط من خلال المشاركة المباشرة فيها، بل أيضاً من خلال القرب منها، مناخها، واستمرارها في المحيط.

وفي حالة مثل الحالة السورية، يصبح هذا القرب مركباً؛ تجربة سابقة لم تُغلق بالكامل، وسياق إقليمي لا يزال مضطرباً. لذلك، لا يظهر تأثير أيّ تصعيد جديد كصدمة منفصلة، بل كامتداد يتداخل مع ما هو قائم أصلاً. من هنا، تبدو محاولة فهم هذا التأثير أقرب إلى قراءة تراكم بطيء، لا حدثاً واحداً يمكن وضعه بمكان بمفرده أو تفسيره بشكل نهائي.

وعي لا يستعيد دهشته بسهولة

في كثير من الأحيان، لا يظهر هذا التفاعل بشكل واضح في النقاشات العلنية، بل في ملاحظات عابرة أو جمل قصيرة تُقال دون تفكير طويل. شخص يعلّق على خبر قصف في مدينة بعيدة بالقول إنّ الصورة مألوفة، أو آخر يتجاوز الخبر بسرعة وكأنه لا يريد التوقف عنده. هذه الاستجابات البسيطة لا تعني غياب التأثر، بل تعكس طريقة مختلفة في التعامل معه، حيث يصبح التذكّر أسرع من رد الفعل، ويصبح الصمت أحياناً شكلاً من أشكال الاستيعاب.

لم تعد الحرب، بالنسبة لكثير من السوريين، حدثاً قادراً على إحداث الصدمة الأولى. ليس لأنهم فقدوا الإحساس بل لأنهم مرّوا بتجربة طويلة أعادت تشكيل هذا الإحساس. ما كان يوماً استثنائياً أصبح جزءاً من المشهد العام، حتى لو بقي ثقيلاً في الداخل. وعند متابعة أخبار التصعيد، لا يبدو التفاعل سطحياً أو شيء عابر. فثمة دائماً استدعاء غير مباشر لذاكرة قريبة. الصور لا تُرى وحدها، بل تُقارن بما يشبهها، والأخبار لا تُقرأ بمعزل عن تجارب سابقة.

مشهد عام من العاصمة دمشق- “عدسة الحل نت”

هذا التداخل لا يحدث بالضرورة بشكل واعٍ، لكنه يغيّر طريقة الفهم. فما يجري في مكان آخر يُقرأ من خلال ما جرى هنا. ومع الوقت، ينتج عن هذا التراكم شكل خاص من التلقي. ليس اندفاعاً عاطفياً كاملاً، ولا بروداً حقيقياً بل حالة وسطية فيها قدر من الحذر. كأن الفرد تعلّم من خلال تجربته، أن لا يمنح نفسه بالكامل لأيّ سردية، وأن يترك مسافة بينه وبين ما يُقال.

هذه المسافة لا تعني غياب الموقف، لكنها تعكس تراجع الثقة. في صراعات تتعدد فيها الروايات، ويقدّم كل طرف نفسه ضمن إطار أخلاقي واضح، يصبح من الصعب التعامل مع أي رواية باعتبارها مكتملة. التجربة السابقة تجعل الشك جزءاً من عملية الفهم، لا عائقاً لها. لكن لهذا الشك ثمن.

مع تكرار الحروب، لا تتراكم المعرفة فقط، بل يتراكم أيضاً نوع من التعب. ليس من الحدث نفسه، بل من محاولة متابعته وفهمه. ومع الوقت، قد يتحول هذا التعب إلى شكل من الانسحاب الجزئي، حيث يختار الفرد أن يخفف انخراطه، لا لأنه غير معني، بل لأنه لم يعد يحتمل الاستنزاف المستمر.

أي تصعيد في المنطقة، خصوصاً بين أطراف مؤثرة في سوق الطاقة، ينعكس سريعاً على الأسعار، من ارتفاع الوقود الذي يرفع تكاليف النقل ثم السلع، وصولاً إلى مجمل تفاصيل الحياة. في اقتصاد مستقر يمكن امتصاص جزء من هذه الصدمات، أما في حالة مثل سوريا التي تعاني هشاشة عميقة، فيتضاعف أثرها.

وبالتالي خلال هذا السياق، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بالحرب ذاتها، وأكثر ارتباطاً بالإنسان الذي يتابعها؛ كيف يمكن الحفاظ على حساسية حقيقية تجاه ما يحدث، في بيئة أصبح فيها العنف متكرراً إلى هذا الحد؟

المعيشة كخط تماس غير مرئي

ما يزيد من حدّة هذا التأثير هو طبيعة الاقتصاد السوري نفسه، الذي أصبح أكثر اعتماداً على الاستيراد، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات. في مثل هذه الظروف، لا تبقى التقلبات العالمية بعيدة، بل تدخل مباشرة في بنية الأسعار المحلية، بحيث يصبح أي اضطراب خارجي عاملاً داخلياً شبه دائم. فإذا كان أثر الحرب على الوعي يتشكل ببطء، فإن أثرها على المعيشة يكون أكثر مباشرة، حتى لو لم يُنسب دائماً إلى سببه الحقيقي. في حالة سوريا، هذا الأثر لا يحتاج إلى تفسير معقد، لأنه يُعاش يومياً.

أي تصعيد في المنطقة، خصوصاً بين أطراف مؤثرة في سوق الطاقة، ينعكس سريعاً على الأسعار. هذا الارتباط قد يبدو نظرياً لكنه في الواقع شديد البساطة؛ ارتفاع في كلفة الوقود يتبعه ارتفاع في كلفة النقل، ثم في أسعار السلع، ثم في مجمل تفاصيل الحياة.

في اقتصاد مستقر، يمكن امتصاص جزء من هذه الصدمات. أما في حالة تعاني أصلاً من هشاشة عميقة، فإنّ الأثر يكون مضاعفاً. الزيادة الصغيرة في الخارج تتحول إلى عبء كبير في الداخل، دون وجود آليات حقيقية للتخفيف. لكن ما يميز هذا التأثير ليس حجمه فقط، بل طبيعته المتكررة. فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع واحد يمكن التكيّف معه، بل في سلسلة من الارتفاعات المرتبطة بأحداث لا يمكن التنبؤ بها. هذا ما يجعل الحياة اليومية نفسها غير مستقرة.

ومع الوقت، يتحول التعامل مع هذا الواقع إلى جزء من الروتين. قرارات الشراء، الاستهلاك، وحتى التخطيط لأيام قليلة، تصبح محكومة بحذر دائم. ليس هناك يقين كافٍ لبناء تقديرات ثابتة، وكل شيء يبقى مفتوحاً على احتمال التغير.

هذا الوضع لا ينتج فقط ضغطاً اقتصادياً، بل شعوراً أوسع بفقدان السيطرة. حين ترتبط معيشة الإنسان بعوامل خارجية بالكامل، يتراجع إحساسه بقدرته على التأثير في مسار حياته. حتى الجهد الفردي يفقد جزءاً من معناه، إذا كان معرضاً للتأثر بعوامل لا يمكن التحكم بها. لذا وفي هذه الحالة، لا تعود الحرب حدثاً بعيداً إنّما تصبح جزءاً من الحياة اليومية، حتى لو لم تظهر بشكل مباشر. وهذا ما يجعل أثرها أكثر تعقيداً لأنه لا يُرى بوضوح، لكنه حاضر باستمرار.

المستقبل كفكرة يصعب الإمساك بها

ربما يكون الأثر الأكثر عمقاً للحروب هو ذاك الذي يطال العلاقة مع المستقبل. ليس المستقبل كخطة بعيدة، بل كإحساس يومي بأنّ هناك اتجاهاً يمكن السير نحوه بثقة. وفي السياق السوري، هذا الإحساس بالتحديد قد تعرّض لتآكل تدريجي. ومع كل تصعيد جديد في المنطقة، يتعزز الشعور بأنّ الاستقرار نفسه هش، وأنّ أي محاولة لبناء تصور طويل الأمد قد تكون معرضة للانقطاع.

سوق البزورية في دمشق 17 كانون أول/ديسمبر - "الحل نت"
سوق البزورية في دمشق 17 كانون الأول/ديسمبر – “عدسة الحل نت”

وهذا لا يعني غياب الرغبة في التخطيط، بل على العكس تماماً. فكثيرون يحاولون، لكنهم يصطدمون بواقع لا يقدّم ضمانات كافية. والنتيجة ليست التخلي الكامل عن التفكير بالمستقبل، بل بالتعامل معه بحذر شديد، كاحتمالٍ أكثر منه مساراً واضحاً.

الشباب السوريون يواجهون هذا التحدي بشكلٍ مباشر. القرارات التي يفترض أن تُبنى على رؤية طويلة الأمد، تصبح اليوم معلّقة أو مؤجلة. التعليم، العمل، الاستقرار، كلها خيارات تتأثر بواقع غير مستقر، إقليمياً ومحلياً. وفي هذا السياق تحديداً، لا تبدو الهجرة خيار اقتصادي أو اجتماعي، بل تتحول إلى فكرة دائمة الحضور. حتى لمن لا يستطيع تحقيقها، تبقى موجودة كإمكانية يجب التفكير بها. وكأنّ الانتماء نفسه لم يعد ثابتاً، بل قابلاً لإعادة النظر. 

لكن الأثر الأعمق يتجاوز الخيارات الفردية، ليصل إلى فكرة المستقبل الجماعي. المجتمعات تحتاج إلى تصور مشترك لما يمكن أن تكون عليه. حين تغيب هذه الصورة، أو تصبح غير مقنعة، يتراجع الإحساس بالاتجاه. وفي هذه الحالة، لا يعود الزمن مرتبط بهدفٍ واضح، بل يتحول إلى سلسلة من اللحظات التي تُعاش دون رابط قوي بينها. يصبح الحاضر هو المساحة الأساسية، ليس لأنه الخيار الأفضل، بل لأنه الأكثر واقعية.

وبالتالي السؤال هنا لا يتعلق بالظروف، ولكن بقدرة الإنسان على الاستمرار في بناء معنى لحياته، في بيئة لا تقدّم استقراراً كافياً. كيف يمكن الحفاظ على فكرة المستقبل، إذا كان الواقع يعيد تقويضها باستمرار؟

إنّ الحروب لا تترك أثرها فقط في الأماكن التي تدور فيها، بل تمتد إلى ما هو أبعد، لتصل إلى مجتمعات تتابعها من الخارج، لكنها لا تعيش بمعزل عنها. في الحالة السورية، هذا الامتداد واضح، لأنه يلتقي مع تجربة سابقة لم تنتهِ بشكل كامل. فالصراع الإقليمي الذي وقع قبل أكثر من 40 يوماً يعتبر لكثير من السوريين حلقة جديدة في سياق طويل من التوترات التي أثّرت، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، على حياتهم. هذا الأثر لا يظهر فقط في السياسة أو الاقتصاد، بل في الوعي، وفي تفاصيل المعيشة اليومية، وفي الطريقة التي يُنظر بها إلى المستقبل.

ربما لا يملك الأفراد دوراً في هذه الحروب، لكنهم وللأسف يعيشون نتائجها. وهذا ما يجعل السؤال المطروح أوسع من حدود هذا الصراع تحديداً: كيف يمكن لمجتمع أن يعيد بناء توازنه، وهو يعيش في بيئة لا تستقر؟ وفي الختام هنا؛ لا يبقى فقط ما تغيّر على الأرض، بل ما تغيّر في الداخل أيضاً. في طريقة التفكير، في حدود التوقع، وفي القدرة على الاستمرار رغم كل شيء.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم