علي الزيدي ومعضلة كبح الفصائل: تحديات رئيس الحكومة العراقية أمام نفوذ طهران

تولى رئيس الحكومة العراقية الجديدة، علي الزيدي، منصبه في بغداد في 14 أيار/ مايو الجاري، في خضم مشهد سياسي معقد وتوترات إقليمية متصاعدة.

ويأتي هذا التعيين عقب دخول الفصائل المسلحة المقربة من طهران على خط المواجهات الإقليمية بشكل مكثف، لا سيما في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ ما يضع الزيدي -الذي يفتقر إلى خلفية سياسية عميقة ويحظى بدعم واشنطن- أمام اختبار حقيقي حول مدى قدرته على لجم هذه الفصائل ونزع سلاحها.

ضغوط واشنطن وشروط استئناف الدعم

تبدي الولايات المتحدة صرامة واضحة في مطالبة الحكومة العراقية الجديدة باتخاذ “إجراءات ملموسة” لفصل مؤسسات الدولة عن الفصائل الموالية لإيران. وفي هذا السياق، رهن مسؤول رفيع في الخارجية الأميركية استئناف الدعم المالي والأمني الكامل لبغداد بإقصاء هذه الجماعات من مفاصل الدولة، وقطع رواتبها وتمويلها من الموازنة العامة.

وجاء هذا التحذير الحازم بعد أن تعرضت المنشآت الأميركية في العراق لأكثر من 600 هجوم منذ تفجر الصراع العسكري مع إيران في أواخر شباط/ فبراير الماضي.

ورغم الإشارات الإيجابية التي بعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهنئاً الزيدي بمنصبه -خاصة بعد الفيتو الأميركي الصريح الذي رُفض بموجبه ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي- إلا أن واشنطن تضغط بقوة لتفكيك ما تصفه بـ “الحدود الضبابية” بين الفصائل والدولة.

وتمتلك واشنطن أوراق ضغط قوية؛ إذ تواصل تعليق الشحنات النقدية من عائدات النفط العراقي المودعة في البنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، إلى جانب تجميد المساعدات الأمنية، لحين استجابة بغداد لشروطها.

تغلغل الفصائل وتحديات السيطرة

في المقابل، تشكل الفصائل المسلحة المدعومة من طهران -والتي تنامت قوتها منذ عام 2003 وترسخ نفوذها بعد حرب “داعش” عام 2014- جزءاً بنيوياً من المعادلة السياسية والأمنية في العراق.

هذه الجماعات، المنضوية تحت مظلة “محور المقاومة” والمستندة إلى روابط آيديولوجية وثيقة مع إيران، باتت تمتلك ترسانة عسكرية متطورة تشمل صواريخ وطائرات مسيّرة ومراكز تصنيع محلي تُدار بدعم من “الحرس الثوري” الإيراني.

وعلى الرغم من الاستقرار النسبي الذي شهدته فترة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، إلا أن القوة العملياتية لهذه الفصائل برزت بوضوح عبر مئات الهجمات الصاروخية مؤخراً.

ورغم تعهد الزيدي عقب أدائه اليمين الدستورية بحصر السلاح بيد الدولة، فإن تطبيق هذا الوعد يصطدم بنفوذ الفصائل الواسع داخل مؤسسات الحكم، فضلاً عن المخاوف الاقتصادية المتعلقة باستغلال النظام المصرفي العراقي لتهريب العملة وتمرير المعاملات المالية بعيداً عن الرقابة الدولية.

المعادلة الإيرانية والتوازن الحرج

إلى جانب الضغوط الأميركية، يتعين على حكومة الزيدي إدارة علاقاتها الشائكة مع الجارة إيران؛ ففي منتصف أيار/ مايو الجاري، عقدت اللجنة الأمنية العليا المشتركة بين البلدين اجتماعاً في بغداد لبحث ضبط الحدود وكبح التحركات المسلحة، حيث جدد مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، موقف بلاده الرافض لاستخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي أعمال عدائية ضد دول الجوار.

وتأتي هذه التفاهمات في وقت تتطلع فيه طهران من بغداد إلى تشديد الخناق على أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية المتواجدة في إقليم كردستان؛ ما يضع حكومة الزيدي في موقف مزدوج وحرج: فهي مطالبة من جهة بالاستجابة للشروط الأميركية لتحجيم الفصائل الحليفة لإيران، ومن جهة أخرى بالالتزام بالاتفاقيات الأمنية مع طهران لضبط حدودها ومعارضيها.

وفي المحصلة، فإن نجاح الزيدي في العبور بالعراق نحو الاستقرار سيتوقف بالدرجة الأولى على صياغة استراتيجية ذكية توازن بين شروط واشنطن، ومصالح العراق الوطنية، والتوازنات الإقليمية المفروضة عليه.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم