الحسكة بلا مصارف ولا عملة جديدة.. ماذا بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة؟

العملة الجديدة

تدخل محافظة الحسكة الأيام الأخيرة قبل انتهاء مهلة استبدال الفئات النقدية القديمة من الليرة السورية وسط مشهد مالي شديد الالتباس، إذ تقول السلطات النقدية إن أكثر من 63 بالمئة من عملية الاستبدال على مستوى البلاد قد أُنجزت، وإن التمديد الأخير حتى 31 تموز/يوليو 2026 هو الفرصة النهائية لمن لم يستبدل أوراقه بعد.

لكن هذه الصورة الرسمية لا تبدو متطابقة مع واقع الحسكة والقامشلي، حيث لا تزال المحافظة تعيش خارج الإيقاع المصرفي الطبيعي الذي شهدته مدن سورية أخرى منذ انطلاق عملية تبديل العملة في الأول من كانون الثاني/يناير 2026، عبر المصارف وشركات الصرافة والحوالات المرخصة.

عزلة مصرفية تعمّق الأزمة

المشكلة في الحسكة ليست تقنية فحسب، بل سياسية وإدارية أيضاً، فشمال شرق سوريا ما زال يعيش ترتيبات انتقالية معقدة، إذ تشير “رويترز” إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم أميركياً في المنطقة ترك ملفات جوهرية بلا حسم، بينها دمج قوات سوريا الديمقراطية وتوزيع الصلاحيات الأمنية ومستقبل الوجود المؤسسي للدولة في مدينتي القامشلي والحسكة.

ففي الوقت الذي تشهد فيه معظم المحافظات السورية حركة نشطة لاستبدال العملة، بقيت الحسكة، والقامشلي، وأريافهما، خارج دائرة هذه العملية، نتيجة واقع إداري وأمني استثنائي، وسط استمرار إغلاق المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها المصارف العامة، منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024

أعلن المصرف المركزي أن أكثر من 63 بالمئة من عملية الاستبدال على مستوى البلاد قد أُنجزت- إنترنت

هذا الانقسام في إدارة المحافظة، لم يقتصر أثره على الخدمات العامة فحسب، بل امتد ليشكل عقبة كأداء أمام تطبيق قرارات نقدية مصيرية، جعلت الحسكة عملياً معزولة عن المنظومة المصرفية الوطنية، بينما لا تزال الفئات النقدية القديمة هي الأكثر تداولاً في أسواقها المحلية، في تناقض صارخ مع ما هو حاصل في بقية سوريا.

يُجسد المواطن أحمد الجلاد، من مدينة الحسكة، مشاعر هذا القلق الجماعي، إذ يقول: “نتابع الأخبار يوميًا لمعرفة ما إذا كانت المصارف ستفتح أبوابها أم لا، لأن أغلب ما نملكه من أموال ما زال من الفئات القديمة، ولا نعرف كيف ستكون الإجراءات إذا انتهت المهلة دون توفير مراكز استبدال فعالة داخل المحافظة”، وفق ما نقل عنه “عنب بلدي”.

 ويشاركه الرأي محمود العلي، من القامشلي، الذي يرى أن المشكلة أعمق من مجرد استبدال، فهي تتعلق بغياب القطاع المصرفي بالكامل عن الحياة الاقتصادية، مما يجعل السكان يعتمدون على التداول النقدي المباشر أو شركات الحوالات، في غياب تام للخدمات الأساسية المتوفرة في المحافظات الأخرى.

رفض للتعامل ومخاوف من سوق موازية

هذه المعاناة اليومية تجلت بوضوح في ظاهرة مقلقة، تمثلت في رفض بعض المحال التجارية والأطباء ومعتمدي الخبز والغاز قبول الفئات القديمة من فئتي 500 و1000 ليرة، رغم استمرار تداولها رسمياً، ولا يستند هذا الرفض، إلى أي قرار رسمي، ما يخلق حالة من الغموض والإرباك في المعاملات اليومية،  ويضع المواطنين في مواقف محرجة، خاصة مع استمرار تسليم هذه الفئات كجزء من الرواتب.

وفي السياق يحذر الخبير الاقتصادي مهند العبد الله، من أن استمرار هذا التأخير يهدد بخلق تشوهات نقدية بين المحافظات، وظهور أسواق موازية تتعامل بالفئات القديمة بشروط مختلفة، ما يرفع من مستوى المخاطر المالية ويضعف قدرة المواطنين على إدارة مدخراتهم.

في محاولة لمعالجة هذا الواقع الاستثنائي، أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد، صفوت رسلان، في 31 أيار/ مايو الماضي، قراراً بتمديد مهلة الاستبدال حتى 30 تموز/ تموز المقبل، واصفاً إياه بـ”الفرصة الأخيرة”.

وشمل القرار جميع الفئات القديمة (50، 100، 200، 500، 1000، 2000، 5000 ليرة)، كما ألغى المادة التي كانت تحصر الاستبدال بالمصارف، ما أتاح المجال لمؤسسات مالية أوسع للمشاركة.

وأشار رسلان إلى أن نسبة الإنجاز على مستوى سوريا تجاوزت 63 بالمئة، لكن هذا الرقم لا يعكس واقع الحسكة، حيث لا تزال العقبات قائمة، رغم أن حاكم المركزي السابق، عبد القادر الحصرية، كان قد أشار في أيار الماضي إلى خطط لافتتاح مراكز جديدة في الحسكة والرقة.

حلول اضطرارية

مع غياب القنوات الرسمية، لجأ بعض سكان الحسكة إلى حلول فردية محفوفة بالمخاطر، كإرسال أموالهم عبر أقارب أو معارف إلى محافظات أخرى مثل دمشق أو حلب لاستبدالها، وهو ما ينطوي على تكاليف إضافية ومخاطر كبيرة.

ويشير خالد المحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، إلى أن العديد من العائلات فضلت الاحتفاظ بأموالها وانتظار افتتاح مراكز رسمية، عوضاً عن تحمل عناء السفر أو المخاطرة، في المقابل، تعبر هناء السالم عن خشيتها من استغلال السماسرة والوسطاء لهذه الفجوة، مطالبين بخصم نسب مالية مرتفعة لقاء خدماتهم غير الرسمية.

أعلن المصرف المركزي أن أكثر من 63 بالمئة من عملية الاستبدال على مستوى البلاد قد أُنجزت- إنترنت

غير أن ثمة بصيص أمل قد يلوح في الأفق، إذ كشف مصدر حكومي في الحسكة، وفق عنب بلدي، عن استقبال مدير فرع مصرف سوريا المركزي في الحسكة، نوري الشمدين، في 15 حزيران الجاري، وفداً مشتركاً من إدارة المصرف المركزي في دمشق ومكتب النقد التابع للإدارة الذاتية.

ويهدف اللقاء، الذي حضره أمين عام المحافظة، إلى التحضير لاستئناف تقديم الخدمات المصرفية في الأيام المقبلة، مع مناقشة استمرار سريان الفئات الحالية حتى نهاية تموز، وإتاحة الفرصة للمواطنين لاستبدالها عبر المصرف لمدة تصل إلى خمس سنوات، في حال استئناف العمل.

يبقى السؤال الأكبر معلقاً، ماذا لو انتهت المهلة المحددة في 30 تموز، ولم تستعد المؤسسات المصرفية في الحسكة نشاطها بالشكل الكافي؟، والإجابة، وفقاً لتحليل الخبير العبد الله، تكمن في أن استمرار التأخير لا يهدد فقط بفقدان المواطنين لقيمة مدخراتهم، بل يخلق تشوهاً هيكلياً في السوق النقدية السورية، ويعمق الفجوة بين المحافظات، ويفتح الباب أمام مخاطر مالية ونقدية جسيمة، في وقت تكون فيه سوريا بأمس الحاجة إلى استقرار نقدي يدعم مسيرة تعافيها الاقتصادي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم