بدأ وفد من شركة الطاقة النووية الروسية “روساتوم”، الثلاثاء الماضي، زيارةً تستمر أربعة أيام إلى بوركينا فاسو لمناقشة بناء محطة طاقة يمكن أن تزيد من إنتاج الكهرباء في الدولة الواقعة في غرب إفريقيا.
وقد أقامت حكومتا البلدين علاقات وثيقة منذ أن استولى نظام عسكري برئاسة الكابتن إبراهيم تراوري على السلطة في انقلاب أيلول/سبتمبر 2022. ففي تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي وقّعا اتفاقية لبناء محطة للطاقة النووية. وقال وزير الطاقة البوركينابي ياكوبا زابري جوبا، إن “وفد روساتوم جاء لمناقشة الجوانب الفنية لوضع جميع المتطلبات الأساسية اللازمة لتنفيذ وبدء بناء هذه المحطة”. وقال كبير مهندسي شركة “روساتوم” ألكسندر رينيف “سنبذل كل ما في وسعنا لتنفيذ تركيب محطة الطاقة النووية في أسرع وقت ممكن”، لكنه لم يحدد موعدا.
رينيف الذي تستمر زيارته حتى اليوم الجمعة، قال إن اختيار موقع المنشأة “سيأخذ في الاعتبار القضايا الأمنية” في بلد مزّقته أعمال العنف الجهادية، حيث يحصل 22.5 بالمئة فقط من سكان بوركينا فاسو – 67 بالمئة في المناطق الحضرية و 5.3 بالمئة فقط في المناطق الريفية يحصلون على الكهرباء، وفقا لأرقام البنك الإفريقي للتنمية.
تستورد الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة معظم احتياجاتها من الكهرباء من ساحل العاج وغانا المجاورتين، بينما تنتج بعض الكهرباء محليا، وخاصة من خلال الطاقة الكهرومائية أو الطاقة الشمسية. ولا يوجد في القارة الإفريقية حاليا سوى محطة كهرباء واحدة تعمل بالطاقة النووية في جنوب إفريقيا بالقرب من كيب تاون.
التواجد الروسي في إفريقيا
وفي 5 حزيران/يونيو، وعلى هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF-2024)، تم توقيع ثلاث مذكرات تفاهم بين شركة “روساتوم” ووزارة الطاقة والمعادن والمحاجر في بوركينا فاسو.

وتم التوقيع على الوثائق من قبل المدير العام لشركة “روساتوم”، أليكسي ليخاتشوف، ووزير الطاقة والمعادن والمحاجر في بوركينا فاسو، ياكوبا زابري جوبا. وتغطي المذكرات التدريب والتعليم في مجال الطاقة النووية، وتقييم وتطوير البنية الأساسية النووية، وتعزيز الرأي العام الإيجابي بشأن الطاقة النووية.
وتحدد الوثائق الإطار للتعاون في هذه المجالات لدعم تطوير برنامج وطني للاستخدام السلمي للطاقة النووية، لكن ما أُغفل إعلامياً هو ارتباط ذلك بمناقشة وزير الدفاع في بوركينا فاسو، كاسوم كوليبالي، “المبادرة الإفريقية” لمكافحة الإرهاب في البلاد والمساعدة التي تقدمها روسيا في هذا المجال.
حيث ربطت روسيا نجاح مشاريعها المدنية بالأمن والاستقرار السياسي، واشترطت لمواجهة التهديدات المستمرة من الجماعات الإرهابية والصراعات الداخلية، أن يصبح ضمان سلامة مرافق البنية التحتية، مثل محطات الطاقة النووية، أولوية قصوى.
الحوار السياسي بين روسيا وبوركينا فاسو، يحظى بدعم رئيسي على مستوى وزارتي الخارجية. وفي فبراير/شباط 2017 وفي أيلول/سبتمبر 2022، وعلى هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التقى لافروف بالرئيس الانتقالي لبوركينا فاسو بول هنري سانداوغو داميبا، وفي أيلول/سبتمبر 2023، التقى بوزيرة الخارجية والتعاون الإقليمي والبوركينابي في الخارج أوليفيا روامبا. كما زار الممثل الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط وإفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، واغادوغو عدة مرات واستضاف وفودًا بوركينية في موسكو.
الباحث السياسي عمار جلو، في حديثه لـ”الحل نت” يرى أن روسيا لا تهتم بـ بوركينا فاسو وحسب، وإنما بوركينا فاسو هي واحدة من الدول الإفريقية، فروسيا تهتم بدول الساحل الإفريقية مع الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا أو ككل إفريقيا أيضاً.
يرجع هذا الاهتمام مع بداية صعود بوتين وتوليه السلطة، حيث لدي الرئيس الروسي عقيدة وهي عودة روسيا إلى ساحة المجتمع الدولي وهذا بدوره يتطلب التشارك وبناء شراكات مع أكبر عدد من الدول المناهضة للمشروع الغربي.
وأضاف جلو، أن التوسع الروسي في إفريقيا وبوركينا فاسو جزء منه، وذلك يحقق لروسيا الكثير من الأهداف منها: التواجد في الساحة الدولية من خلال اكتساب عدد أكبر من الأصوات فيما يسمي الجنوب العالمي ومن إفريقيا، وامتلاك مساحات جيوسياسية وخصوصاً الدول التي على السواحل المواجهة للساحل الأميركي، والحصول أيضاً على الموارد الخام الهائلة ومنها الذهب واليورانيوم وغيره من المواد الهامة لروسيا. هذا بالإضافة إلى تسويق المنتجات الروسية.
الانقلابات العسكرية في إفريقيا برأي جلو، أدى إلى خروج عدد من الجنرالات لسلطة الحكم كما حدث بوركينا فاسو هو نموذج متوافق مع النموذج الروسي.
التوغل الروسي في بوركينا فاسو
منذ عام 2013، تعمل شركة “نوردجولد” الروسية على تطوير رواسب الذهب في بوركينا فاسو، باستثمارات إجمالية تتجاوز 1.5 مليار دولار. ويجري تعدين الذهب في مناجم بيسا وتباركو وبولي.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2022، منحت سلطات بوركينا فاسو الشركة ترخيصًا لتطوير رواسب الذهب في منطقة إيميوغو في الجزء الأوسط من البلاد (تحتل بوركينا فاسو المرتبة الخامسة في إفريقيا من حيث إنتاج الذهب).

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقعت شركة “روساتوم” ووزارة الطاقة والمناجم والمحاجر في بوركينا فاسو مذكرة تفاهم بشأن التعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وفي آذار/مارس 2024، تم توقيع خارطة طريق لإنشاء مثل هذا التعاون. وصرح رئيس الوزارة البوركينية، سيمون بيير بوسيم، أن بلاده تأمل في بناء محطة للطاقة النووية بحلول عام 2030.
كما تطور التعاون العسكري التقني بين موسكو وواغادوغو بنشاط حيث وقعت الدولتان اتفاقيات بشأن التعاون العسكري التقني (2006) والتعاون العسكري (2018). وفي آب/أغسطس وكانون الأول/ديسمبر 2023، زار نائب وزير الدفاع في الاتحاد الروسي، العقيد الجنرال يونس بك يفكوروف، بوركينا فاسو، حيث ناقش تكثيف التعاون في المجال العسكري مع قيادة البلاد.
أيضا في كانون الثاني/يناير 2024، في مقابلة مع وسائل الإعلام البوركينية، صرح الرئيس الانتقالي إبراهيم تراوري أن 80 بالمئة من الأسلحة الموجودة تحت تصرف القوات المسلحة البوركينية كانت من إنتاج سوفييتي.
يؤكد هذا التصريح على طول عمر التعاون العسكري التقني بين البلدين. وهنا يؤكد جلو على قدرة روسيا على تحقيق مشروعاتها في إفريقيا قائلا: “روسيا في الغالب تستطيع تحقيق مشروعاتها لأن هذه المشروعات تتم تحت رعاية مجموعة فاغنر وفيلق إفريقيا التابع لروسيا؛ ولهذا ستعمل روسيا على دعم وجودها في إفريقيا لتقوية وضعها على الخريطة الدولية وبالتالي تعبئة الفراغ الناجم عن الخروج الفرنسي والأميركي من المنطقة”.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

