بعد الإطاحة بالنظام السوري السابق في 8 كانون أول/ديسمبر الماضي، بدأت إسرائيل بتكثيف تحركاتها العسكرية في الأراضي السورية، حيث توغلت فيها وبنت قواعد ثابتة لها، بينما شنت مئات الغارات الجوية على مواقع عسكرية للجيش السوري السابق، بذريعة الحفاظ على أمنها.
لكن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنامين نتنياهو، في 23 شباط/فبراير الماضي، أثارت موجة تساؤلات حول ما تسعى إليه تل أبيب في الجنوب السوري، إذ قال إن “إسرائيل لن تسمح لقوات الإدارة الجديدة بالانتشار جنوب العاصمة دمشق”، مطالباً بنزع السلاح الكامل في الجنوب السوري. وأضاف: “لن نتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية في جنوب سوريا”.
وبعد تهديدات نتنياهو بيومين، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية جنوبي دمشق وأخرى في محافظتي درعا والقنيطرة، تزامنا مع توغل عسكري وصل إلى قرى ريف درعا الغريي.
وتبع ذلك تصريحات مماثلة لوزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الأمر الذي فتح الباب أمام الهواجس الإسرائيلية، إن كانت أمنية أم أنها تسعى لفرض واقع جديد في المنطقة، انطلاقا من قطاع غزة ووصولاً إلى الجنوب السوري، مروراً بجنوب لبنان.
فرض واقع جديد
تتمحور وجهة نظر نتنياهو حول اتباع إسرائيل استراتيجية إبعاد كل خطر عسكري في كل الجبهات القريبة من حدودها إلى عمق الدول أو الأماكن التي تشكّل تهديداً وترك مسافة آمنة، بحسب الصحفي بشر كناكري. إذ يبدو أن الخطة الإسرائيلية تتمحور حول نفس الاستراتيجية المتبعة في سيناء لكامل المنطقة وبعمق 80 كم وإخلائها من أي مظاهر أو تواجد عسكري يشكل تهديداً على إسرائيل.
وفق كناكري، فإن الدوافع الإسرائيلية أمنية لكنها ليست ترتيبات أمنية إجرائية تكتيكية، إنما إجراءات أمنية تغيّر المعادلة بشكلٍ كامل وترسم واقعاً جديداً فيها.
وأوضح أن إخلاء هذه المنطقة من السلاح لن يكون فقط عملاً أمنياً، بل قد يترافق مع نفوذ مجتمعي وسياسي وهو ما قد بدأت به إسرائيل أصلا قبل سقوط درعا بيد نظام الأسد عام 2018؛ من خلال برامج “حسن الجوار وبناء مجتمع مجاور صديق”.
“هذا يتم العمل عليه مجددا الآن على نطاق أضيق جغرافيا، لكن قد يشهد توسعا كبيرا في المرحلة القادمة”، أضاف كناكري لـ “الحل نت”.
وبدأت فرق إسرائيلية مؤخراً بدراسة احتياجات قرى محافظة القنيطرة، حيث تعمل على إجراء مسح سكاني وخدماتي، إضافة إلى الوقوف على بعض المطالب، إضافة إلى توفير فرص عمل في الداخل الإسرائيلي.
المحلل السياسي، نصر فروان، قال إن إسرائيل تحاول أن ترسم معادلة جديدة في جنوب سوريا، إذ إن التصعيد العسكري يهدف إلى إعادة رسم ملامحه، ليس فقط من منظور الردع الأمني، بل أيضا من خلال فرض واقع جديد.
وأضاف أنما يجري الآن في الجنوب السوري “يعيد الذاكرة إلى تصريحات مسؤولين اسرائيليين في العام 2017؛ إذ قالوا إننا نريد الجنوب السوري حديقة سلام خلفية لإسرائيل وليس لنا ثقة لا بالنظام ولا المعارضة”.
“تل أبيب ترى أن الاستقرار في جنوب سوريا يجب أن يتم عبر نزع السلاح ومنع وجود الجيش السوري أو أي تنظيمات أخرى في المنطقة، مما يجعلها منطقة عازلة وفقًا للرؤية الإسرائيلية”، بحسب حديث فروان لـ “الحل نت”.
ويتفق في ذلك المحلل السياسي، الدكتور عامر السبايلة، إذ قال إن الدوافع الإسرائيلية هي أمنية، مشيرا إلى أن “إسرائيل لا يمكن أن تتعايش مع خطر نموذج يشبه السابع من أكتوبر أو خطر فكرة استغلال الأراضي المحيطة بها جغرافياً. “
وأضاف لـ “الحل نت”، أن التغيّر هو جذري بالنسبة لإسرائيل بإعادة رسم تخطيطها بالجغرافيا، موضحا أن الغطاء الأمني لكن يتفق مع الرؤية السياسية السابقة التي عبّر عنها نتنياهو سابقاً في “موضوع الشرق الأوسط الجديد، بالتالي تغير الواقع ع الأرض”.
صمت دمشق
بعد تصريحات نتنياهو، خرجت مظاهرات في معظم المحافظات السورية، خاصة الجنوبية، بينما طالب ناشطون بردٍ من الحكومة السورية، التي التزمت الصمت، في حين أدان البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني، الذي التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية، وطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري.
ويرى الصحفي بشر كناكري، أن صمت دمشق يعود إلى أن “الإدارة الفتية في سوريا لديها عوامل ضعف” تمنعها من اتخاذ مواقف صريحة أو شجاعة لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية.
“سوريا منهارة عسكرياً ومنهارة اقتصاديا وهناك الكثير من المشكلات الأمنية ولا تنسى أنه ما زال رأس السلطة في دمشق مصنف ع قوائم الإرهاب الدولي ويعلم الساسة في دمشق أن أي تصعيد سياسي مهما كان حجمه بمواجهة اسرائيل يقلب الطاولة أمام محاولات صناعة الاستقرار التي يحاولون القيام بها على مستوى سوريا على مستوى الجنوب السوري تحديدا”، وفق كناكري.
وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال “مؤتمر الحوار الوطني”، الثلاثاء الفائت، على “وحدة الأراضي السورية ورفض أي تدخل خارجي”، مشددًا على أن “سوريا لا تقبل القسمة”، من دون الإشارة إلى التصريحات الإسرائيلية.
بحسب الباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور محمد السعدي، فإن غياب موقف رسمي سوري تجاه الضربات الاسرائيلية لا يعني بأي شكل من الأشكال القبول بها أو تبريرها، بل هو انشغال بترتيب البيت الداخلي، وهي تدرك جيداً أنها تشكل إحراجاً واضحاً أمام حاضنتها الشعبية.
وأضاف السعدي لـ “الحل نت”، أن الزيارة السريعة للرئيس أحمد الشرع إلى الأردن تفتح التكهنات لدور أردني في تهدئة الأجواء وإعطاء الفرصة للبدء بجولات تفاوض في عمان للوصول إلى هدنة أكثر استقراراً ومنها الانطلاق لمفاوضات استراتيجية لصنع السلام الدائم بين الطرفين.
سيناريوهات المرحلة
لا يبدو أن تل أبيب وتحركاتها العسكرية في جنوبي سوريا تتجه نحو التصعيد العسكري في المنطقة، لكنها في نفس الوقت لديها هواجس أمنية تتعلق بالنفوذ التركي، بعد إنهاء الوجود الإيراني في البلاد، إضافة إلى أنها لا تريد أن تستعيد دمشق عافيتها في الوقت القريب.

الباحث محمد السعدي، قال إن لا نية لإسرائيل في فتح جبهة قتال جديدة في جنوبي سوريا لأسباب متعددة، منها ما يتعلق بالإنهاك الكبير للجيش الاسرائيلي بعد حربيه في غزّة ولبنان، إضافة إلى الرأي العام الشعبي في إسرائيل، الذي لن يقتنع بأي مبرر سياسي لإرسال أبنائهم إلى جبهة قتال جديدة.
وأضاف أن إسرائيل تدرك حجم التفاف مكونات الشعب السوري، وإن كان بنسب مختلفة، حول القيادة الجديدة، والموقف العدائي لهذا الشعب نحو الدولة الجارة العدو، خاصةً بعد مجازرهم في غزّة.
من الجانب السوري تسعى الحكومة السورية جاهدة إلى إعادة إنتاج نظام سياسي منفتح ومتعاون مع الجميع وهذا ما أكّد عليه الخطاب السياسي الخارجي الجديد لسوريا، وهو ما يعطي بدوره مؤشرات ورسائل إيجابية لدول الجوار الجغرافي للبدء بمباحثات سلام دائم ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة ككل بعد عقود طويلة من الصراع، لكن هذا التدخل العسكري سيعطل ويؤخر كل قنوات الحوار الممكنة بين الطرفين، بحسب السعدي.
ونقلت وكالة “رويترز” عن أربعة مصادر مطلعة، إن إسرائيل تمارس ضغوطاً على الولايات المتحدة لإبقاء سوريا ضعيفة ولامركزية، بما في ذلك السماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها العسكرية هناك لمواجهة النفوذ التركي المتزايد في البلاد.
بحسب بشر كناكري، فإن الضغط الإسرائيلي قد يستمر حتى إيجاد تسوية شاملة في المنطقة، تكون السعودية جزءا منها، إذ “من الواضح أن الرئيس السوري أحمد الشرع، وضع باعتقادي المسار السوري كجزء من المسار العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية بخصوص السلام للانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية إن حدث ذلك.”
بالتالي قد يستمر التصعيد حتى يتم هذا الأمر وقد يكون هذا الأمر ضاغطاً على المملكة ليس فقط على سوريا، موضحا أن هناك تهديداً كبيراً للأمن القومي العربي في حال نُفّذت الخطة الإسرائيلية، وفق كناكري.
تحديات في وجه الشرع؟
في الحالة الحالية للأوضاع في سوريا، فإن الحلول السياسية غير ممكنة التحقيق، في ظل عدم سيطرة الحكومة السورية على كامل الأراضي السورية، بينما لم تنتهِ “الإدارة السورية الجديدة” من حل الفصائل العسكرية وانضوائها تحت مظلة وزارة الدفاع، ناهيك عن ملف شمال شرقي سوريا.

فيما يتعلق بالحلول السياسية، يرى الدكتور عامر السبايلة، أن إسرائيل غير معنية في سوريا كما كانت عليه في النموذج السابق. وأضاف: “واضح أننا نتحدث عن شكل جديد لسوريا. علاقات مختلفة مع عدة أطراف في سوريا”.
“أما بالنسبة للشرع ليس مهما أبدا اليوم في المعادلة السورية؛ عندما يبدأ الحديث عن مكون درزي مكون علوي مكون كردي، هو يتحول الى أحد المكونات. وثانيا أنه هو إلى الآن جغرافياً محصور في مناطق معينة، بالتالي هو الآن أمام تحدي كبير”، وفق السبايلة.
وأشار إلى أن نجاحه في إحلال نموذج توحيدي على الأقل في المناطق الجغرافية التي يسيطر عليها، يمكن أن يدفع باتجاه أن يتحول إلى جزء من الاتفاق الابراهيمي أو يبدأ الحديث عن عملية السلام معه.
ويتفق في ذلك بشر كناكري، إذ أكد على أهمية إنهاء الفصائلية وتذليل العقبات أمام الانضمام إلى وزارة الدفاع وإعطائهم الثقة، خاصة فيما يتعلق بالقوى في الجنوب السوري، إضافة إلى إيجاد صيغ للمواجهة الغير عسكرية لمواجهة مخططات إسرائيل، من خلال تمكين الشكان اقتصاديا، لمنع استغلال حالة الفقر والعوز.
أخيرا، تبقى السيناريوهات مفتوحة أمام المشهد في الجنوب السوري، في ظل عدم انتهاء تشكيل المؤسسة الأمنية والعسكرية وفرض السيطرة على كامل الأراضي السورية، وعدم وضوع توجهات الشرع وكيفية إدارة البلاد، فيما ستعمل إسرائيل على المزيد من التصعيد للضغط باتجاه مفاوضات وتقديم تنازلات، بذريعة التهديدات الأمنية، لكن لن يكون لدمشق رفاهية الاختيار، في حال لم تُسرع بإنهاء الملفات العالقة واستقرار البلاد أمنيا.

