“اتفاق سلام” مع إسرائيل يقال إنه أحد المطالب الستة، التي تطرحها الإدارة الأميركية على الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، عقب رفع العقوبات، إلا أنه يبدو من أعقدها على الإطلاق بسبب العقبات التي قد تواجه العلمية.
في أيار/مايو الفائت، دخلت سوريا مرحلة جديدة مع لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس المرحلة الانتقالية السورية أحمد الشرع في الرياض. لقاءٌ حمل معه آمالاً كبيرة برفع العقوبات وإعادة دمشق إلى محيطها الإقليمي والدولي.
مقومات السلام المتاحة
ولكن عقب اللقاء صرح مسؤولون أميركيون أن رفع العقوبات لن يكون مجانيا، بل مرتبط بتوقعات أو مطالب -وقد نسميها “شروطا”-، للمضي في العملية، كانت أولى هذه المطالب إبرام سلام بين سوريا وإسرائيل.

ويمكنني القول إن عملية إبرام سلام مع إسرائيل أو الانضمام لمعاهدة إبراهام تحمل بين طياتها عقبات قد لا تستطيع سوريا تجاوزها لتعقيد المشهد، حيث إن إسرائيل تحتل أراض سورية منذ عام 1967، وبعد 2024 زادت التوسع في ووضعت نقاط عسكرية هناك كان أهمها أعلى قمة في جبل الشيخ.
يدرك صنّاع القرار في دمشق أن الرهان اليوم هو على عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، والخروج من عزلتها الاقتصادية والسياسية، وذلك يتطلب خطوات جادة.
في حديث لـ “الحل نت” يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية د.عامر السبايلة، أن سوريا “معتمدة بشكل أساسي اليوم على فكرة رفع العقوبات وعلى الانفتاح الدولي”، وهذه الحاجة تشكّل دافعا رئيسيا لقبول دمشق الدخول في عملية تفاوضية مع إسرائيل، خاصة وأن الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية تربط عودة سوريا للمجتمع الدولي بتحقيق انفراجة في العلاقة مع إسرائيل.
هدف إسرائيل
لكنّ هذا السلام، من وجهة النظر الإسرائيلية، يبدو بعيداً عن مفهوم التسوية المتكافئة. إذ يرى السبايلة أن “فكرة السلام مع سوريا هي أساسها ضمان إسرائيلي لتغيير الواقع على الأرض وفرض رؤية أمنية لسوريا”. بمعنى آخر، فإن إسرائيل تريد سلاماً يسمح لها بتثبيت هيمنتها الأمنية والعسكرية داخل سوريا.
سوريا اليوم لا تملك ما تقدّمه لإسرائيل فعلياً مقابل اتفاق سلام متوازن، لأن إسرائيل تعمل منذ بداية الأزمة بحرية شبه مطلقة: تستهدف من تشاء، وتضرب مواقع وأفراد، وتعيد رسم الجغرافيا الميدانية كما تريد. وبالتالي، لا ترى في السلام مع سوريا ضرورة ملحّة، بل مجرّد تحصيل حاصل.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية د.عامر السبايلة
ويقول د.سمير التقي الباحث في معهد الشرق الأوسط، خلال مقابلة تلفزيونية، إن إسرائيل “تخطط لإعادة تجربة حماس بشكل أو بآخر”، عبر السيطرة الأمنية والاستخباراتية، وجمع المعلومات، والتحكم في العمق السوري.
من هنا، تبدو الرؤية الإسرائيلية أقرب إلى “سلام سيطرة واختراق”، منه إلى “سلام السيادة”. فهي تسعى إلى تحقيق مصالح أمنية طويلة الأمد، وليس إلى سلام يقوم على احترام متبادل للسيادة.
الجولان العقدة الأصعب
ومن وجهة نظري، فأن قضية الجولان تعدُ العقبة الأكثر تعقيدا في وجه المفاوضات المحتملة، فقد صرحت مصادر في القيادة السورية الجديدة، أمس الخميس 3 تموز/يوليو على أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يكون كاملا من الجولان، وخاصة النقاط العسكرية التي أقيمت بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

واعتبر المصدر أن هذا شرط أساسي لإبرام أي اتفاق. في المقابل، ترفض إسرائيل الانسحاب الكامل، وتصر على إبقاء سيطرتها العسكرية. فأي سلام هذا سيقوم بين سوريا وإسرائيل، على قوة السلاح وفرض الأمر الواقع؟
عدم الانسحاب الإسرائيلي من الجولان بحد ذاته عائق، لكنه ليس عائقاً للجلوس على طاولة المفاوضات.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية د.عامر السبايلة
في ذات السياق يستبعد التقي: “أن إسرائيل ستنسحب من قمة جبل الشيخ، وإن فتحت الجولان للسوريين سيكون تحت العلم الإسرائيلي”، ما يعكس تعقيد هذه القضية وغياب أرضية مشتركة.
ومن الواضح أن سوريا لا تملك حالياً القوة اللازمة لفرض شروطها، ما يجعل الحديث عن الجولان وسيلة تفاوضية أكثر من كونه موقفاً واقعياً قابلاً للتنفيذ.
ضعف السيادة السورية
في جانب آخر، يبدو ضعف السيادة السورية عقبة رئيسية في مسار التفاوض. فالجماعات الجهادية مازالت موجودة في سوريا، وتشكل تهديدا مزدوجا؛ داخليا على أمن سوريا، وخارجياً على دول الجوار وفي مقدمتها إسرائيل، وهذا أحد أكبر العواقب الذي قد يهدد عملية السلام.
يرى السبايلة أن الحكومة السورية تعتقد أن قضية الجماعات الجهادية أحد أهم أوراقها» في المفاوضات، بمعنى أن دمشق قد تستخدم هذه الورقة للتفاوض مع المجتمع الدولي كطرف شريك في مكافحة الإرهاب.
المخاوف من الجهاديين تتعلق بالأمن الداخلي السوري قبل أي دولة أخرى”، ودمشق لن تكون قادرة على التحكم بهذه الجماعات بالكامل.
الباحث في معهد الشرق الأوسط د.سمير التقي
وهذا ما قد يزيد المشهد تعقيدا، كيف لدمشق أن تستخدم هذه الجماعات كورقة تفاوضية، في الوقت الذي ليس لها قدرة على السيطرة عليها بالكامل، وهذا ما سيضعف موقفها أمام إسرائيل، والمجتمع الدولي وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
سلام الضعفاء أم سلام العقلاء؟
اليوم يبدو أن هذا السلام خيار لا مفر منه بالنسبة لدمشق، ويقول السبايلة: “هو سلام تضطر إليه الإدارة السورية الحالية لتحسين علاقتها مع المجتمع الدولي ورفع العقوبات”. ما يعني أن سوريا ستدخل أي مفاوضات قادمة من موقع ضعف واضح، مفتقرة إلى أوراق قوة حقيقية، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تقديم تنازلات كبيرة لصالح إسرائيل.
وما لا أستطيع شخصياً تجاهله هو أن السوريين سئموا الشعارات، ويبحثون عن حلول، ولو مؤقتة. حتى لو اعتبر البعض هذه المفاوضات “شكلية”، فإنها قد تفتح نافذة كانت مغلقة.
لذا أرى أن سوريا اليوم هي بحاجة ملحة للسلام، لشقين اثنين أولهما الحالة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية المتهالكة في سوريا، والشق الثاني هو حاجة سوريا الجديدة اليوم، إلى الشرعية الدولية، التي لا يمكن أن تتحقق دون كسر العزلة السياسية.
وهذا بالتأكيد لا يعني التنازل عن حقوق السوريين، في ظل وجود قوة على حدودهم، ولكن المفاوضات حتى ولو كانت شكلية ستفتح لسوريا أبواب الجلوس على طاولة الحوار، وهو ما لم يكن متاحا طوال السنوات الماضية.
وهنا يكمن الفارق بين سلام العقلاء وسلام الضعفاء: الأول يُبنى على وعي بالتوقيت والفرص والحدود الممكنة للتفاوض، والثاني يُفرض كأمر واقع بلا شروط.
اتفاق سلام هش
وفقا لسمير التقي، فإن أي اتفاق سلام مستقبلي “لن يكون سلاماً نهائياً، بل حلا مؤقتا لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وقد يتحول لوضع مشابه لتجربة حماس”، بمعنى أنه سلام هشّ مهدّد بالانهيار في أي وقت.
في نهاية القول، يبقى سيناريو السلام بين سوريا وإسرائيل، في الظروف الراهنة، أقرب إلى اتفاق الضرورة منه إلى التسوية الشاملة، فغياب أوراق الضغط السورية، والتباين الكبير في الرؤى حول السيادة والأمن والهيمنة ومن سيفرض السلام على الأخر، والعقبات التي تمثلها قضية الجولان والجماعات الجهادية، كلها عوامل ترجّح أن يكون أي اتفاق قادم قد يكون هشاً وغير مستدام.

وما لم تعمل القيادة السورية الجديدة، على وضع استراتيجية أولويات للسوريين بعد 14 عاما من الحرب، وما لم تعيد بناء مؤسستها الأمنية والعسكرية على أسس وطنية جامعة، بمنهجية علمية، بعيداً عن الأيدولوجية، وتكون شاملة لكل السوريين، حينما قد تستطيع سوريا إبرام سلام وهي تمتلك مفاتيح قوة.
ومن هنا نجد أن سوريا تواجه جملة من العقبات، أولها هي الجولان التي مازالت تحت سيطرة إسرائيل، أم العقبة الثانية فتتمثل في ضعف القيادة الجديدة، وثالثا غياب موازين القوى بين الطرفين, وأخيرا الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية التي قد تستغلها لفرض سيطرتها على المناطق القريبة منها.
وإلى ذلك الحين يبقى السؤال المطروح، كيف سيكون شكل اتفاق السلام بين سوريا وإسرائيل، وما هي ضمانات استمراره، وما دور مجلس الشعب في هذا القرار المصيري للشعب السوري؟ وهل القيادة الجديدة لديها من المقومات السياسية والشعبية على الصعيد الداخلي لطرحه؟ وأخيراً ومن سيضمن إسرائيل ألا تتمدد أكثر؟
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

