لم تكن شخصية “أم بشير” الشهيرة التي قدمتها الفنانة السورية سحر فوزي في سلسلة “باب الحارة” منذ انطلاقتها عام 2006 سوى استكمالا لمسيرة فنية طويلة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، واستمرت حتى يومنا هذا. لتأتي هذه الشخصية وما حققته من شهرة ونجاح كهدية قدّمها الجمهور للفنانة التي لم تشعر حتى اليوم أنها حققت ما تصبو إليه في عالم الفن على الرغم من تجاوز أعمالها 200 عمل بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة. فهي لاتزال تبحث عن المزيد من الشخصيات التي تعتبرها رسائل ومواقف، تقدمها لجمهور تحترمه، وتتعامل معه بكل مسؤولية، وبتقدير شديد.
وإن جاء انضمام الفنانة السورية المتألقة إلى نقابة الفنانين في عام 1987 لكن عملها الفني بدأ قبل ذلك بسنوات مصحوبا بالشغف، ومدفوعا بالآمال حيث قدمت “حرب السنوات الأربع-1980” على صعيد الدراما التلفزيونية. بينما قدمت في السينما شخصية “سحر” في فيلم “حب الحياة-1981”. لتنطلق بعدها بتقديم العديد من الأعمال المتنوعة، ولتقرر التوجه نحو الجمهور بكامل عشقها وموهبتها الفنية فتختار شخصياتها بعناية، مفضِّلةً التنوع في التلفزيون بين التاريخي والمعاصر والكوميدي والبدوي، لتقدم بكل عمل شخصية جديدة مختلفة.
فهي “سلمى” في “المطاريد- 1981″، و”سمر” في “ذئب السيسبان- 1987″، و”أم نزار” في “الخيوط الخفية-1990″، و”أم سلمى” في طرائف أبو دلامة- 1993″، و”سميرة” في “يوميات مدير عام-1995″، كما أبدعت في مسلسل “القلاع-1998” بشخصية “سيريس”، وسليمة” في “الجمل-1999”.
وفي الفانتازيا قدمت شخصية “بيشا” في “البواسل- 2000″، وفي التاريخي كانت “الملكة شبيبة” في “سيف بن ذي يزن-2003″، ولم تكتف في البيئة الشامية بـ “باب الحارة” بل كانت لها مشاركات مؤثرة في العديد من المسلسلات منها “ليالي الصالحية- 2004″، و”بيت جدي-2008″، والدبور-2010”. وغيرها الكثير.
وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي طرأت على الوسط الفني السوري من جميع النواحي المادية والإنتاجية وضعف العروض وقلة عدد الأعمال، والتنافسية التي دخلت عليها حالات لا أخلاقية بقيت الفنانة السورية سحر فوزي محافِظة على مبادئ كبار الدراما، ومسؤوليتهم، وانتمائهم للإنسانية والفكر قبل البحث عن الشهرة، وواظبت على الوصول إلى أهدافها بعيدا عن التنازلات الأخلاقية مكتفية بالتنازلات المادية، أو التنازلات على حساب مساحة الشخصية مساهَمة منها في المساعدة ببقاء الدراما السورية، وحبّاً بعملها على الرغم من الظروف الشخصية أيضاً التي أثرت على حضورها في أوقات كثيرة، حيث أولت الأهمية الأولى لأمومتها، وإحساسها بأهمية بناء أسرة سليمة، لتبتعد قليلا أمام حاجة أولادها لها.
تضحيات ومواقف ثابتة
في الحديث مع الفنانة سحر فوزي لابدّ لجوانب كثيرة أن تدفع بنفسها في الحوار، وأن نحاول من خلالها البحث عن الفنانة والإنسانة، الفنانة التي بدأت في وقت كانت صعوبات العمل كبيرة، والتقنيات بدائية، لكنها حققت النجاح، والإنسانة والأم التي تمتهن ثاني أصعب مهنة في العالم، ويتملّكها اليقين بمسؤوليتها اتجاه المجتمع، واتجاه الحالة الإنسانية لأطفال عليهم أن يأخذوا حاجتهم الكافية من التربية والتعليم.

تقول سحر فوزي في حديثها مع “الحل نت”: “العائلة تعني لي الكثير، والأم العاملة بشكل عام تقدم تضحيات في أي مجال على حساب عملها وبيتها ونفسها، وبالنسبة لي قدمت تضحيات كثيرة، ودفعني شعوري تجاه أولادي إلى الغياب عن الساحة الفنية لسنوات بسبب أمومتي. ففي مرحلة معينة كان أولادي بحاجتي، وكانت لهم الأولوية على حساب العمل”.
تربية الطفل ليست بالمسألة السهلة، فأنت تبنين إنساناً سيكون له كياناً مستقلاً بالمجتمع في المستقبل، ولا يمكن أن أقدم تنازلا على الصعيد العائلي خاصة ببناء شخصية الأطفال، غير أنني لا أعتبر أنني فعلتُ شيئا مستحيلاً لأنني مثل كلّ أمّ، تجد نفسها بمشاعرها في صف أبنائها دائماً.
الفنانة السورية سحر فوزي
وعلى الرغم من هذا الغياب الذي اختارته سحر فوزي لكنها عادت مجددا لتبدع من خلال شخصياتها التي تقدمها دون أن تُغيّر في مبادئها التي بدأت عليها، حاملة أمانة ما تقدمه للجمهور في عنقها، فبقيت خطوطها الحمراء في الأمور المهنية ذاتها، ولم ترضخ لضرورة التواجد بعدد معين من المسلسلات، فهي ترفض بشكل قاطع أن تقدم شيئاً مجانياً من الناحية الفكرية والإنسانية، وترفض العمل بمشروع يهدف فقط إلى الربح والتجارة.
تقول سحر فوزي: “الفنان يقدم رسالة، وعمله هو مسؤولية لأنه يقدم شيئا للمجتمع عليه أن يكون وفيّاً أمام المشاهد العربي عامة، والسوري خاصة، ومنذ بداياتي أشعر بالمسؤولية في توجهي للمتلقي، ويكبر هذا الشعور مع كل مشروع جديد أقدمه للجمهور. أفكر باستمرار في استقبال الشباب والمراهقين لأعمالنا، لذلك أعمل باحترام، وأنتقي بحرص شديد، وأبتعد عن كل ما هو خادش للحياء، وأدرس مع المعنيين الرؤية البصرية، وآلية تقديم المَشاهد بشكل مهذب ومسؤول، كما تشكّل مقولة العمل والشخصية، ورسالتهما أسّ الاختيار وأساسه بالنسبة لي”.
إذاً.. تبحث الفنانة سحر فوزي عن أثر الشخصية، وخطها الدرامي، وألا تمرّ مرور الكرام بغض النظر عن مساحتها، فهي لا تطلب بطولة مطلقة، إنما بطولة احترافية في المضمون، والتنفيذ، والرسالة، وبخبرتها، وشغفها تبحث عن الجديد الذي يغريها، لتنفذه وكأنها تخوض التجربة لأول مرة بكل هواجس النجاح والتفاني للمبدع.
رسالة سحر فوزي
المطّلع على مسيرة الفنانة السورية سحر فوزي، وحضورها الإعلامي، وأحاديثها بعيدا عن الكاميرا يدرك ماهية تفكيرها، فهي لا تجد الفن الحقيقي فقط في الحضور أمام الكاميرا، بل يتعداه إلى الحضور الإنساني مع المجتمع، لذلك نراها حاضرة في الكثير من الفعاليات، والمساهمات الإنسانية، تنطق مع الناس أوجاعهم، وتحتفي مع خطى بلدها في كل نجاح، وتشارك الجماهير مشاعرهم المختلفة. فهي ترى أن دور الفنان لا يقتصر على مجال واحد بل يمتد إلى مختلف الصّعد، نظراً لتأثيره الكبير على الجمهور. ومن هنا يجب أن يكون دوره مدروساً بعناية، ومشاركته فعالة.

تكشف الفنانة السورية لـ”الحل نت”: “شاركت بفعالية معرض دمشق الدولي مؤخراً انطلاقا من سعادتي أولا لما يشكله من حالة اقتصادية مهمة لسوريا بعد الوقت العصيب الذي مرت به، وأحب أن أشارك في أية فعالية تعني البلد، وتهم السوريين، على الفنان أن يكون صاحب مسؤولية اجتماعية يساعد من خلالها الناس، ويقدم لبلده الكثير، لذلك أحرص على التواجد في مختلف الفعاليات الاجتماعية والإنسانية، وبمختلف الظروف.
حتى في الدراما أحبّ أن أقدم شيئا يمسّ الواقع، ومشكلات الناس بغض النظر عن طبيعة العمل إن كان كوميديا أو اجتماعيا أو غير ذلك. ما يهمني هو ملامسة حياة الناس اليومية، والتفاعل معهم، وأن أكون صوتهم وشعورهم.
الفنانة السورية سحر فوزي
وتلجأ فوزي في سبيل هذه الرسالة دائماً إلى الأمل، والسعي، والتفاؤل على الرغم من أن الفن لم يعوّضها جزءا صغيرا من تعبها وجهدها وسنيّ العمر التي قضتها تعمل وتنشط فنياً بحسب تعبيرها، لكن قطاف ثمرة التعب لا بدّ مقبل بحسب شعورها، وكل ما عليها ألا تبتئس لما آلت إليه الأمور في الوقت الراهن.
الدراما السورية
لا يخفى على أحد ما تعرضت له الدراما السورية، والعاملين بها خلال سنوات الحرب حتى اليوم من مصاعب، ومطبات أثرت كثيرا على الحركة الإنتاجية، كما أثرت على العرض، ودفعت الكثيرين لهجرتها سنوات طوال، غير أن الفنانة سحر فوزي والتي شاركت في أعمال عربية مشتركة أثبتت من خلالها تفوّق الممثل السوري، وكان لها حضورا بارزا في العديد من الدول العربية منها لبنان والإمارات، إذ قدمت شخصية “أم باسل” في مسلسل “سمرا-2016″، و”غيداء” في مذكرات عشيقة سابقة- 2017″، وشاركت في “لا حكم عليه-2021″ و”للموت-2023” وغيرها.

لكن سحر فوزي لم تهجر الدراما السورية، وبقيت حاضرة خلال سنوات الحرب على الرغم من الظروف الصعبة مادياً، ومهنياً، واجتماعيا إضافة إلى جانب الشعور بالأمان بظل الحرب، وفي هذا كلمة شكرٍ أحبت أن تقولها لدراما بلدها التي قدمت لها الكثير بعدم التخلّي عنها، والبحث عن المصلحة العامة وإيثارها على مصلحتها الشخصية، فتنازلت وقتها بحالة وطنية عن شروط الأجر، والشخصيات، وطبيعة العمل وتقنيات التصوير.
وعن هذه الدراما وعمل الممثل السوري تؤكد سحر فوزي في حديثها مع “الحل نت” أن ما قدمه الفنان السوري، والعاملون بشكل عام في حقل الدراما كان ببالغ الصعوبة، خاصة مع هجرة الكثيرين، وانخفاض عدد شركات الإنتاج، وغياب الضخ المالي، وغياب سوق العرض. الأمر الذي أدى على أعمال خجولة، تم بناؤها بحبّ العاملين وشغفهم، وإصرارهم على الحضور والبقاء والمنافسة، واستطاعوا على ضعف الضخ المالي تحقيق نجاحات كبيرة بالعديد من الأعمال.
وأضافت: “أتوقع عودة درامانا إلى مكانتها وأهميتها ونجاحاتها التي عرفها المشاهد العربي، ونتأمل أن تعود إلى مجدها مع عصبها الرئيسي وهو الإنتاج الذي يستقطب كوادر جيدة ومتميزة ونصوصاً مهمة. فما يعيد الألق للدراما السورية اليوم هو وجود وعودة كل نجوم سوريا المبدعين، وعودة الغائبين المتميزين من فنيين وكتّابا ومنتجين، والحرص على تقديم أعمال تلامس الواقع، والحياة، وتضع نصب أعينها المشاهد أولا وأخيرا”.
وتشيد سحر فوزي بكل ما تقدمه الدراما السورية التاريخية والشامية والمعاصرة والكوميدية، وهنا هي لا تفكر في خياراتها بطبيعة العمل وزمنه وبيئته، إنما بالنص الذي يجذبها أولا وأخيراً، لكنها تفضل حالياً أن يتم الاهتمام بالدراما المعاصرة أكثر، وهي التي يحتاجها الجمهور اليوم، لتعكس واقعه الاجتماعي والسياسي والإنساني والاقتصادي والعاطفي.
ويبدو أن هذا البحث والاهتمام والحرص من الفنانة السورية لم يدفعها حتى الآن للإعلان عن مشاركة لها في موسم رمضان المقبل، بانتظار ما ستؤول إليه خياراتها بالأيام المقبلة لتعلن عن حضورها على الشاشة أو غيابها.
ولدى بحثنا عن سبب غيابها عن الدراما المعرّبة وإن كان لها موقفاً محددا منها تجيب: “أحب الدراما المعربة، وأتابعها باستمرار، وأحب الحالة الجماهيرية التي تتميز بها، لكن بصراحة لم يقدم لي أي عرض حتى اليوم، وبالطبع أمتلك رغبة كبيرة بالمشاركة بها، والتواصل مع جمهورها من خلال نص جيد، وشخصية جيدة”.
أمنيات وأحلام
كما كل مواطن سوري تتمنى الفنانة سحر فوزي أن تنجح سوريا بتجاوز كل المآسي التي مرت بها، وأن ينعم السوريون بالسلام والأمان، والنجاح الاقتصادي والاستثماري، وأن تعود عجلة الدراما السورية بقوتها وتفوقها، وزخم أعمالها،
أما على الصعيد الشخصي فيحظى أولادها بأعظم أمانيها، إذ تتمنى نجاحهم وتفوقهم، وتحقيق أحلامهم. تقول: “أولادي هم ضمن جيل الحرب الذي عانى كثيراً، وتعبوا في سبيل تحقيق أحلامهم، وسعوا إلى النجاح برغم كل ما اعترضهم من صعوبات”.

ولا تعتبر فوزي أنها وصلت إلى قمة أحلامها على الصعيد الفني أو الإنساني. مؤكدة أن الفنان لا يمكن أن يشعر بوصوله إلى قمة ما يريد، فهو لا يتوقف عند عمر معين، ولا حاجز أو إنجاز، مهما لعب شخصيات، ومهما قدم من أعمال دائماً يطمح إلى الأفضل، والأجمل، والمتميز، والخاص به والذي يظهر بتفاعل الجمهور مع الممثل مما يجعله يشعر بالتكريم.
وتختتم سحر فوزي لقائها بـ”الحل نت”: “أي تكريم أو جائزة بالنسبة لي قريبة إلى قلبي، ولا فارق عندي بين كلمة طيبة، أو تكريم في مهرجان أو حفل ما، أنا أنظر إلى التكريم أنه تقدير، وكلمة طيبة من الجمهور هي تقدير، ومحبته هي الهدف الأول من عملنا، فكلمة الشكر نتيجتها واحدة، تخلق في قلبي السعادة والامتنان والتحفيز لتقديم المزيد، وأحاول أن أستفيد من كل شيء لدعم وتطوير مهاراتي وخدمة عملي، حتى في أوقات فراغي أواظب على حضور الأفلام السينمائية، والأعمال التلفزيونية، ومتابعة تجارب الآخرين، وأعكف على القراءة لأعيش المتعة وأحصل على الفائدة في آن معا”.
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- من بينهم متهم بتبني هجوم باريس.. العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى “داعش”
