فرضت حركة العراقيين نحو إيران نفسها كواحدة من أعلى معدلات السفر الإقليمي خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت تدفقاً غير مسبوق للمواطنين العراقيين مدفوعاً بجملة من العوامل التي جعلت من المدن الإيرانية وجهة رئيسية للتعليم والسياحة والعلاج؛ إذ استقطبت الجامعات هناك نحو 75 ألف طالب عراقي مستفيدين من القرب الجغرافي والاتفاقيات الأكاديمية لسد النقص في المقاعد الدراسية المحلية، إلى جانب حركة سياحية وعلاجية نشطة شجع عليها انخفاض التكاليف والإعفاء من تأشيرة “الفيزا” وفق اتفاق مشترك بين بغداد وطهران.
إلا أن هذا الإقبال الواسع اصطدم مؤخراً بواقع ميداني مغاير للتفاهمات الدبلوماسية المعلنة؛ إذ تصاعدت وتيرة الانتهاكات والمضايقات ضد العراقيين لتتجاوز حدود التمييز الإداري والاستغلال المالي، وتصل إلى مستويات أمنية بالغة الخطورة، تمثلت في عمليات استدراج وخطف منظمة لمساومة العوائل على فدى مالية ضخمة، فضلاً عن اعتداءات جسدية عنيفة أسفرت في بعض الحوادث عن فقدان أرواح.
آخر الحوادث التي أثارت ردود فعل كبيرة، هي حادثة الاعتداء على الطلبة العراقيين في جامعة سمنان، عندما حاول أشخاص محليون “مخمورين” اقتحام سكن الطلبة في مدينة سمنان، ليتصدى لهم الطلاب منعاً للتجاوز، وهو ما تطور لاحقاً إلى اشتباكات واعتداءات من قبل عشرات الإيرانيين بحق الطلبة العراقيين، واستدعى تدخلاً أمنياً واحتواء الموقف من قبل السفارة العراقية والجهات الرسمية والقضائية في إيران.
وفي تعليق على هذه الاعتداءات، يوضح المحلل السياسي فلاح المشعل، أن خلفيات الأزمة ترتبط بظروف معيشية واجتماعية معقدة، مبيناً أن “الطلبة العراقيين يمتلكون إمكانيات مادية أفضل بحكم فرق العملة وقدرة ذويهم على توفير نفقات الدراسة والسكن والمصاريف الشخصية، وهو ما يثير حساسيات وغيرة لدى بعض الطلبة والشباب المحليين في ظل عدم قدرة السلطات على توفير الامتيازات ذاتها لهم وسط الضغوط المعيشية”.
ويشير المشعل في حديثه لـ “الحل نت”، إلى أن “طبيعة الجامعات المختلطة والحساسيات الاجتماعية قد تحول أي موقف فردي أو شجار بسيط إلى مشكلة أوسع نطاقاً”.
بين الشحن الرقمي والفوارق الطبقية.. اتساع رقعة الاستهداف الميداني
في الأسبوع الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، شهدت جامعة “بوعلي سينا” في محافظة همدان تجمعاً احتجاجياً شارك فيه أكثر من 200 طالب إيراني رفعوا شعارات تطالب بطرد عدد من الطلبة العراقيين إثر تداول مقاطع فيديو تروّج لمضايقات بحق طالبات داخل الحرم الجامعي، حيث أظهرت التظاهرات حشوداً تردّد شعارات مثل “نحن همدانيون، لا نقبل الذل” و”الطالب الإيراني يموت ولا يُهان”.
وبحسب وكالة “فارس نيوز”، أعلن محافظ همدان مجيد دروشي متابعة القضية حينها وتبين أن تلك المزاعم لا أساس لها، لكن المشهد المتوتر سرعان ما انتقل إلى اعتداءات ضد السواح العراقيين في طهران ومشهد وغيرها، وكان آخرها ما حدث من اعتداءات جسدية بحق 7 سواح في محافظة گیلان شمالي إيران، إضافة إلى حادثة سمنان.
وفي هذا السياق، ينبه الكاتب والصحفي منتظر ناصر في منشور على منصة “فيسبوك”، إلى أن اعتداء سمنان “لم يكن محض صدفة، بل نتيجة طويلة لخطابات الكراهية والتعبئة عبر المنصات الإيرانية دون تحرك رسمي عراقي لمواجهتها”.
وأوضح ناصر، أن رصده الممتد منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025 يظهر تصاعد التجييش عبر تداول مقاطع فيديو تروّج لادعاءات مختلفة، إضافة إلى المقارنة بين السيارات العراقية الفارهة وحالة الفقر، وصولاً إلى حوادث الاعتداء بالضرب على 7 سائحين عراقيين في محافظة گيلان أمام أنظار الشرطة الإيرانية دون تحرك منها، محذراً من أن القادم سيكون أسوأ في ظل غياب الرصد الدبلوماسي المبكر.
وعن تفاصيل أحداث سمنان الميدانية، يتحدث ممثل الطلبة العراقيين في جامعة سمنان المحامي علي الزهيري (وهو الذي يدرس قسم القانون العام في الجامعة) لـ “الحل نت”، إذ يكشف عن تعرض الطلبة العراقيين لاعتداءات واسعة وممنهجة داخل مساكنهم وخارجها.
ويقول الزهيري، إن “بداية الحوادث تعود إلى دخول شابين إيرانيين مخمورين إلى أقسام سكن الطلبة وتهجمهما عليهم، ورغم أن الطلبة العراقيين حاولوا احتواء الحادث وإبعاد الشابين عن الأقسام بكل أدب وقبلوا اعتذار والدة أحد المعتدين، إلا أنهما تفاجأوا بعودتهما لاحقاً برفقة مجموعة من الأشخاص والمخمورين الحاملين للعصي والحجارة، واقتحام قسمي (نيكان) و(إيران زمين) بعد تحطيم الزجاج والاعتداء على الطلبة بالأيدي”.
ويردف الزهيري، أن “المهاجمين روجوا ادعاءات كاذبة تتهم الطلبة بالتحرش بامرأة إيرانية لصرف الانتباه عن اعتداء الشخصين المخمورين”، بالتزامن مع إطلاق وسم تحريضي بعنوان “سمنان عنده غيرة” وتواصل التجمعات والاعتداءات حتى الصباح.
وأكد الزهيري، أن “الاعتداءات لم تقف عند السكن الجامعي، بل تمت ملاحقة طلبة عراقيين آخرين يسكنون في منازل ومشتملات خاصة خارج الحرم الجامعي في سمنان ومحاولة الاعتداء عليهم دون أن تكون لهم أي صلة بالحادث”، لافتاً إلى أن الطلبة اضطروا لحماية أنفسهم بجهودهم الذاتية داخل الأبنية، ومحذراً من أن الوضع كان يمكن أن يتطور إلى ما هو أخطر لولا حصر أنفسهم بالداخل في ظل عجز القوات الأمنية عن السيطرة الكاملة على التجمعات.
ترسبات السياسة وعقدة القومية.. أبعاد الاحتقان الإيراني ضد العراقيين
في تحليل للأسباب الكامنة وراء هذه الاعتداءات وتصاعد التحريض ضد العراقيين في إيران، يوضح الصحفي العراقي المهتم بالشأن الإيراني علي الكرملي، في حديث خاص لـ “الحل نت”، أن المشهد يتجاوز مجرد احتكاكات فردية أو فوارق طبقية، بل يعكس احتقاناً سياسياً واجتماعياً حاداً داخل الشارع الإيراني تجاه العراقيين.
ويبيّن الكرملي، أن جانباً كبيراً من الشارع الإيراني بات ينظر إلى العراقيين بنوع من الحقد والكراهية المتزايدة، على خلفية مشاركة عناصر من الفصائل المسلحة العراقية و”الحشد الشعبي” في قمع الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في كانون الثاني/ يناير مطلع هذا العام، وذلك بطلب وتنسيق من النظام الإيراني، مما ولد شعوراً بالضغينة والغبن لدى الشارع الإيراني المحتج.
ويضيف الكرملي، أن “هناك شعوراً عارماً لدى المواطنين الإيرانيين بأن أموالهم ومقدرات بلادهم تُصرف من قبل النظام على الفصائل المسلحة العراقية، في الوقت الذي يعانون فيه هم من فقر مدقع وظروف معيشية وجوع خانق، معتبرين أن الشعب الإيراني هو الأحق بهذه الأموال، ويزيد من حدة هذا الحنق، هو رؤيتهم لتلك الفصائل وهي تخذلهم في الحرب الراهنة مع واشنطن، مما جعل الشارع ينظر إليها وإلى حلفائها كعبء كامل”.
الكرملي يلفت أيضاً، إلى وجود بعد عنصري يغذي هذه الاعتداءات في بعض الأحيان، مؤكداً أن بعضاَ من الشارع الإيراني ينظر بامتياز قومي ونظرة استعلاء قائمة على الاعتزاز بالحضارة الفارسية القديمة، واضعاً القوميات الأخرى من عرب وكرد وغيرهم في مرتبة أدنى شأناً.
ومن هذا المنطلق المتصلب، يرفض هؤلاء تقبل رؤية العراقيين العرب وهم يطوفون مدنهم بمظاهر البذخ والسيارات الفارهة والقوة الشرائية العالية، فتتحول هذه النظرة العنصرية المترافقة مع العقد الطبقية إلى ردود فعل غاضبة واعتداءات يستهدفون بها السواح والطلبة العراقيين لتفريغ تلك المشاعر السلبية.
ويرى الكرملي، أن “بعض هذه الاعتداءات والتحركات الضدية تُمارَس كنوع من التنفيس والاحتجاج غير المباشر ضد النظام الإيراني نفسه؛ حيث يخشى المواطنون التظاهر المباشر أو مواجهة السلطات خشية القمع أو القتل، فيفرغون شحنات الغضب في الحلقات الأضعف المتمثلة بالعراقيين”.
ويوضح الكرملي، أن عدم تدخل الشرطة الجدي لحماية العراقيين يعود إلى خشية النظام الإيراني وأجهزته من قمع هؤلاء المواطنين الغاضبين في هذا التوقيت الحرِج؛ فالبلاد تعيش حالة حرب مع واشنطن وتشهد احتقاناً متواصلاً، وأي تدخل أمني عنيف قد يؤدي إلى تأليب الشارع وزيادة احتقانه، مما قد يفجر احتجاجات جديدة يصعب السيطرة عليها في هذا التوقيت، وهو ما يجعل الأمن يفضل التراخي وعدم التصادم مع الشارع.
خيارات التهدئة وضبط جودة التعليم
لا تقتصر الانتهاكات على البيئة الأكاديمية، إذ سُجلت خلال السنوات الأخيرة حالات عدة لتعرض عراقيين متوجهين لإيران لأغراض العلاج أو السياحة الدينية لعمليات خطف وابتزاز انتهى بعضها بدفع فدية مالية أو بتدخل أمني، فيما أسفرت حوادث أخرى عن مقتل الضحايا.
ومن بين الحالات البارزة، قضية الشاب حسن خليل (تولد 1997)، الذي اختطف في محافظة سيستان وبلوشستان وظهر في مقاطع مصورة مقيداً وعليه آثار تعذيب مع تهديد خاطفيه بقتله والمطالبة بفدية قدرها 40 ألف دولار. كما تداولت مواقع التواصل مشاهد لثلاثة عراقيين مختطفين يتعرضون للضرب والتعذيب في منطقة جبلية، فضلاً عن مقتل الشيخ نعمة هادي العيساوي من محافظة كربلاذ في مشهد عام 2017 بعد تعرضه للسرقة وحرق جثته.
وفي جانب التهدئة والمواقف الرسمية بشأن حادثة سمنان، أورد القائم بأعمال الملحق الثقافي العراقي في طهران حيدر نصار تفاصيل معالجة الحوادث، مؤكداً أن السفارة واللجنة الأمنية تابعت الأحداث مع الجهات الأمنية ورئاسة الجامعة حتى عودة الأوضاع للسيطرة.
ومن الجانب الإيراني، أشادت رئاسة جامعة سمنان بـ “أخلاق وسلوك الطلبة العراقيين”، مؤكدة أن الحادثة نجمت عن تصرفات شخصين في حالة سكر، فيما أعلن رئيس دائرة القضاء في سمنان محمد صادق أكبري، التعرف على عدد من المتورطين وصدور أوامر قضائية باستدعائهم.
بالمقابل، أعلنت وزارة الخارجية العراقية إيفاد لجنة إلى سمنان لمتابعة سلامة الطلبة، فيما وجهت السفارة بإيقاف الامتحانات الحضورية وتحويلها إلى إلكترونية مع توجيه الطلبة بالعودة مؤقتاً إلى العراق، حيث تزامن ذلك مع مناشدات مصورة للطلبة العراقيين طالبت بتكثيف الدوريات الأمنية لحمايتهم من حوادث الاعتداء والسرقة بالإكراه في الطرقات.
وعلى المستوى البرلماني العراقي، دفع تضخم الأعداد إلى تحرك نيابي لمراجعة معايير الاعتراف بالجامعات؛ إذ صرح عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية عامر الفائز، بأن وجود نحو 5600 طالب عراقي للدراسات العليا في جامعة واحدة كجامعة سمنان يثير تساؤلات جدية حول طاقتها الاستيعابية وكفاءة الملاكات والمختبرات، مؤكداً توجه اللجنة لمخاطبة وزارة التعليم العالي.
وأخيراً، يختتم المحلل السياسي فلاح المشعل حديثه لـ “الحل نت”، بالتحذير من أن “سهولة الحصول على الشهادة في إيران وانخفاض التكاليف باتا يطرحان تساؤلات ملحة بشأن مستوى التحصيل العلمي”، مؤكداً أن المعالجة الشاملة لحماية العراقيين ومنع تكرار هذه الأزمات تقتضي وضع ضوابط تربوية ونفسية صارمة، وتكثيف الرقابة والتنسيق التنظيمي بين وزارتي التعليم العالي في كلا البلدين لتأمين بيئة آمنة وحفظ كرامة الوافدين”.
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- عملياً.. ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج
- القبض على متزعم خلية متورطة بقتل 3 عناصر من الأمن السوري.. ما التفاصيل؟
- استعادة مواقع في الوازعية وسط تصاعد معارك غرب تعز

