طهران تحت النار والحصار.. هل حان وقت التراجع أمام واشنطن؟

تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على جبهات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية، مع عودة المواجهات مع الولايات المتحدة وتراجع قدرتها على تصدير النفط عبر مضيق هرمز. وتضع القيود المفروضة على حركة ناقلات النفط طهران أمام أزمة سيولة وعائدات متزايدة، في وقت يتعرض فيه الاقتصاد لضغوط حادة وانخفاض قيمة العملة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخيارات المتاحة أمام طهران أصبحت أكثر كلفة، فيما يبقى الاتفاق السياسي أحد المسارات المطروحة لتخفيف الضغط.

التصعيد العسكري يرفع كلفة المواجهة

عادت المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة بقوة خلال الأيام الأخيرة، مع ضربات أميركية استهدفت قدرات مرتبطة بالحرس الثوري، بينها الدفاعات الجوية والرادارات والمنشآت البحرية وقدرات زرع الألغام والاتصالات. وردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مواقع للقوات الأميركية في الأردن والبحرين والعراق.

وتشير تفاصيل أوردتها صحيفة “الشرق الأوسط” إلى اتساع نطاق الضربات ليشمل مناطق عدة في إيران، بينها بندر عباس وقشم وجاسك وميناب وسيريك وتشابهار وكنارك وعسلوية ولاوان وجيرفت والأحواز. وأفادت المعلومات بمقتل سبعة من عناصر الحرس الثوري، بينهم أربعة من الوحدة الصاروخية وثلاثة من الباسيج، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى في الأحواز وسيريك.

من فيديو يظهر شاحنة إيرانية محملة بطائرات مسيرة تعرضت لنيران أميركية فجر الأربعاء. (سنتكوم)

كما دخلت المواجهة البحرية مرحلة أكثر حساسية مع استهداف ناقلتين تابعتين للحكومة الإيرانية، بالتزامن مع اعتراض القوات الأميركية صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة نحو سفن تجارية. بينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وقف فوري لإطلاق النار.

ورغم استمرار المواجهات، شهد المضيق حركة ناقلات كبيرة؛ إذ مر نحو 17 مليون برميل من النفط عبر هرمز يوم الاثنين، وهو أعلى مستوى منذ بدء الصراع الأخير، ما يعكس استمرار أهمية الممر بالنسبة للأسواق العالمية.

النفط.. نقطة الاختناق الرئيسية

يبدو قطاع النفط أكثر القطاعات تعرضاً للضغط. فبحسب بيانات نقلتها رويترز عن شركات تتبع الشحن، أمضت إيران نحو سبعة أسابيع من دون تصدير كميات ذات أهمية من النفط الخام عبر مضيق هرمز إلى الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. وبلغت شحنات الخام والمكثفات خلال آب/أغسطس نحو 220 إلى 255 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 740 ألف برميل يومياً في يوليو وحوالي مليوني برميل يومياً في أذار/مارس.

مضيق هرمز، 2 سبتمبر/أيلول 2026. (رويترز)

وأدت القيود على حركة الناقلات إلى تراكم كميات كبيرة من النفط الإيراني في البحر. وارتفعت الكميات المخزنة في ناقلات تقع غرب خط الحصار إلى 41.7 مليون برميل في 26 آب/أغسطس، مقارنة بـ35.5 مليون برميل في نهاية يوليو، بينما انخفض إجمالي النفط الإيراني الموجود على متن الناقلات من نحو 135 مليون برميل إلى 107 ملايين برميل.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة الإيرانية أصبحت مرتبطة بالقدرة على نقل النفط وتسويقه وتحصيل عائداته، وهي حلقات أساسية لتمويل الاقتصاد والحفاظ على تدفق العملة الأجنبية.

روسيا والصين

تحاول طهران الاستفادة من علاقاتها مع موسكو وبكين لتخفيف آثار الضغوط. وخلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، ظهر التقارب السياسي بين إيران وروسيا والصين بصورة واضحة، فيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن موسكو تعمل على توفير المساعدات الضرورية لإيران وإمدادها بالسلع الأساسية.

وتكتسب الصين أهمية خاصة بالنسبة لطهران بسبب اعتمادها على النفط الإيراني، فيما ترتبط بكين أيضاً بمصالح واسعة في أمن الطاقة وحركة التجارة عبر الخليج. ومع ذلك، يبقى حجم الدعم الخارجي محدوداً أمام خسارة جزء كبير من عائدات النفط والاضطراب الذي أصاب حركة الشحن.

تواجه الحكومة الإيرانية في الوقت نفسه أزمة داخلية حادة. وقال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن البلاد تمتلك احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، وإن البنك مستعد لضخ ما يصل إلى ملياري دولار في السوق بهدف تهدئة الاضطرابات. ويأتي ذلك بعدما تجاوز سعر الدولار حاجز مليوني ريال، بينما بلغت معدلات التضخم السنوية 66% في يوليو.

وتحاول السلطات منع تحول الضغوط المالية إلى أزمة أوسع، لكن استمرار تراجع العملة وارتفاع الأسعار يرفع كلفة المواجهة الخارجية على الاقتصاد الإيراني ويزيد الحاجة إلى تدفقات نقدية مستقرة.

وفي الجانب السياسي، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران مستعدة للعودة فوراً إلى المسار التفاوضي إذا التزمت واشنطن بتعهداتها في الاتفاق المؤقت الذي جرى التوصل إليه في يونيو. وكان الاتفاق قد تضمن وقف العمليات العسكرية، وفتح مسار تفاوضي أوسع، وضمان حرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، إلى جانب ترتيبات اقتصادية ونووية متعددة.

في المقابل، قالت واشنطن في آب/أغسطس إن مفاوضات جديدة مع طهران لم تكن جارية، مع استمرار التركيز على الضغط الاقتصادي لإجبار إيران على العودة إلى التفاوض.

هرمز وسوق الطاقة

تحولت أزمة مضيق هرمز إلى عامل مؤثر في أسواق الطاقة العالمية. فقد اضطرت بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات إلى استخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج المضيق لتجاوز القيود على الملاحة، فيما يراقب المستثمرون أي تغير في حركة الناقلات.

ومع استمرار حالة عدم اليقين، تراجعت أسعار النفط في 3 سبتمبر/أيلول؛ إذ انخفض خام برنت إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 90.6 دولار. ويشير ذلك إلى أن الأسواق ما زالت توازن بين مخاطر تعطل الإمدادات وإشارات التهدئة المحتملة.

بالنسبة إلى طهران، أصبحت المعادلة أكثر صعوبة: استمرار المواجهة يعني ضغوطاً أكبر على صادرات النفط والعملة والاقتصاد، بينما يمكن للمفاوضات أن توفر مساراً لتخفيف هذه الضغوط. ويبقى السؤال الأساسي حول قدرة إيران على تحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للمواجهة، وحجم التنازلات التي سترغمها واشنطن على تقديمها مقابل إعادة فتح المسار الدبلوماسي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم