شيئاً فشيئاً، تضيق المساحة أمام الفصائل المسلحة في العراق، مع تصاعد الدعوات الداخلية والضغوط الخارجية لحصر السلاح بيد الدولة. ورغم أن هذا الملف عاد إلى واجهة المشهد بقوة إبان الأشهر الأخيرة، فإنه ليس وليد اللحظة؛ بل يمتد إلى ما بعد هزيمة تنظيم “داعش” أواخر عام 2017، حين بدأت الحكومات العراقية المتعاقبة تتحدث عن إنهاء المظاهر المسلحة وفرض سلطة الدولة على جميع التشكيلات العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، تعاقبت المبادرات والتعهدات، بدءاً من دعوات مرجعية النجف المتمثلة بالمرجع الأعلى لدى الشيعة في العراق والعالم آية الله علي السيستاني، صاحب فتوى الجهاد الكفائي لمواجهة “داعش” عام 2014، مروراً بخطط 3 حكومات عراقية متعاقبة، وصولاً إلى الحكومة الحالية برئاسة علي الزيدي التي وضعت سقفاً زمنياً حاسماً لتنفيذ هذا الملف ضمن تفاهمات مشددة مع الولايات المتحدة، وهو تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2026.
في المقابل، تزايدت الضغوط الأميركية والإقليمية، وترافقت مع عمليات عسكرية واستخباراتية استهدفت جماعات مسلحة داخل العراق خلال مشاركتها في الحرب الأخيرة مع إيران، ما جعل ملف السلاح خارج إطار الدولة أكثر تعقيداً وحساسية من أي وقت مضى.
وبين الإرادة السياسية، وموازين القوى الداخلية، والتفاهمات الإقليمية والدولية، يقف العراق اليوم أمام اختبار وجودي جديد يتعلق بقدرته على فرض احتكار الدولة للسلاح، وإنهاء أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2003.
الأسئلة الحرجة وحقائق كواليس بغداد وطهران
في عمق هذا المشهد الساخن والمصيري، كشفت 3 مصادر عراقية لموقع “الحرة” الأميركي، تفاصيل استثنائية حول لقاءين منفصلين جرا بأروقة القرار في بغداد أواخر حزيران/ يونيو الماضي، عقدهما رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني؛ حيث ساد اللقاءين توتر واضح ومواجهة غير مسبوقة بسبب ملف الفصائل الموالية لإيران وسلاحها خارج إطار الدولة.
وتكشف تفاصيل هذين اللقاءين، التي تم التحقق منها عبر مصدرين عراقيين مقربين من رئيس الحكومة ومصدر سياسي من داخل “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم، عن تصعيد حاد وجريء في موقف بغداد تجاه النفوذ العسكري الإيراني داخل العراق؛ حيث طرح الزيدي خلال لقائه مع عراقجي، الذي زار بغداد في 28 حزيران/ يونيو المنصرم، قضية الفصائل بصورة مباشرة، متحدثاً عن آثار استمرار السلاح المنفلت على سيادة العراق وعلاقاته الخارجية وهيبة حكومته.
وقال مصدر مقرب من الزيدي، ومصدر آخر من داخل “الإطار التنسيقي”، إن الزيدي فاجأ عراقجي بوجه حازم وطرح عليه أسئلة حرجة ومباشرة قائلاً: “هل تقبلون أن أتحكم بملفكم الأمني أو العسكري؟ وهل تقبلون التدخل في شؤونكم؟ وهل تسمحون لي بتأسيس فصائل مسلحة داخل إيران؟”، ليجيب عراقجي: “بالطبع لا”، فباغته الزيدي بالرد: “فلماذا تسمحون لأنفسكم بتقوية الفصائل المسلحة على حساب الدولة العراقية؟”.

وقال مستشار في مكتب الزيدي لموقع “الحرة”، إن هذه الأسئلة جاءت في سياق تأكيد رئيس الحكومة “مبدأ السيادة العراقية ورفض أي تدخل خارجي في الملفات الأمنية والعسكرية الخاصة بالعراق”، مشدداً على أن انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية ينعكس سلباً على علاقات العراق مع المجتمع الدولي، ويؤثر في علاقاته السياسية والدبلوماسية مع دول العالم، فضلاً عن تأثيره على قدرة الدولة في إدارة الملف الأمني وتأمين الاستثمارات.
وقالت المصادر، إن عراقجي لم يبدِ تأييداً مباشراً لما طرحه الزيدي، لكنه تجنب الدخول في مواجهة معه وحاول الحفاظ على الطابع الدبلوماسي للقاء، مكتفياً بالقول: “سأنقل حديثكم إلى القيادة في طهران”. تلا ذلك بيومين وصول قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني إلى بغداد في زيارة غير معلنة، حيث التقاه الزيدي داخل القصر الحكومي.
وارتفعت لهجة رئيس الوزراء خلال الاجتماع مؤكداً القاآني، أن إيران ينبغي أن تدعم الدولة ومؤسساتها الرسمية لا الفصائل على حساب الدولة، معلناً في لقاء داخلي آخر: “العراق لم يعد بحاجة إلى مستشارين من ‘الحرس الثوري’ الإيراني. يجب أن ينتهي دورهم مثلما سينتهي دور ‘التحالف الدولي’ في العراق”.
اختبار بغداد بملفين حاسمين.. وزيارة واشنطن هي المفصل
بالتوازي مع هذه التوترات الدبلوماسية، يذهب الأكاديمي والباحث السياسي هيثم الهيتي في حديثه لـ “الحل نت”، إلى أن ما يجري في المنطقة يرتبط مباشرة بالقصف الأميركي لإيران، والذي يستهدف أهدافاً استراتيجية تمثل نقاط اتصال بين إيران والصين وروسيا، ما يعني أن الصراع تجاوز الإطار الإقليمي وأصبح جزءاً من مواجهة عالمية كبرى بين الولايات المتحدة والصين.
وانطلاقاً من ذلك، يعتقد الهيتي أن واشنطن لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه ساحة نفوذ إيراني تقليدي فقط، بل تعتبر هذا النفوذ امتداداً للمشروع الصيني في المنطقة؛ ولهذا جاءت فرصة تكليف رئيس الحكومة علي الزيدي، بالتزامن مع الرفض الأميركي المباشر لعودة نوري المالكي، لإعادة تموضع النظام السياسي العراقي بما ينسجم مع الرؤية الأميركية الاستراتيجية.
الهيتي يشير، إلى أن نجاح الحكومة العراقية يتوقف على حسم ملفين رئيسيين هما: القضاء على الفساد، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة؛ إذ إن الإجراءات الحالية لا تزال غير كافية، كما أن تحويل هذه المجموعات إلى منظمات اجتماعية أو شبه سياسية لن يكون حلاً نهائياً من وجهة النظر الأميركية.
وبيّن الهيتي، أن واشنطن تعتبر أن الفساد ينعكس مباشرة على استقرار الدولار الأميركي، فيما تشكل الفصائل عائقاً أمام الاستثمارات والشركات الأميركية النفطية، ولذلك يمثل هذان الملفان جوهر السياسة الأميركية المقبلة تجاه العراق، مؤكداً أن “زيارة الزيدي المرتقبة إلى الولايات المتحدة في منتصف تموز/ يوليو الجاري، ستكون محطة حاسمة”، إذ سيحاول الحصول على قبول أميركي لخطوات حكومته، فإذا نجح في تقديم إجراءات مقنعة وعملية تتعلق بتفكيك الفصائل ومكافحة الفساد فمن الممكن تجنيب العراق أي مواجهة مباشرة.
أما إذا فشلت الحكومة في تنفيذ هذه الملفات، فإن الولايات المتحدة ستتبنى -وفق الهيتي- موقفاً أكثر تشدداً تجاه العراق، وقد تتدخل سياسياً، وربما عسكرياً، بما قد يقلب المعادلة السياسية في البلاد ويؤدي إلى نهاية مؤلمة، متوقعاً أن يتبلور هذا الموقف الأميركي بشكل أوضح بعد زيارة الزيدي، وبالتزامن مع نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي.
التوقيتات الإلزامية وخطة حظر السلاح خلف الكواليس
يتزامن الموعد المحدد لتسليم سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، بدقة مع انتهاء مهمة “التحالف الدولي” لمحاربة تنظيم “داعش” في العراق، وهو التاريخ الذي أعلنه المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي رسمياً في مؤتمر صحفي، قائلاً إن “جميع الجماعات المسلحة أُبلغت بتاريخ محدد يمثل وضع حد لهذا الملف وهو الـ 30 من أيلول/ سبتمبر المقبل الذي ينتهي كذلك فيه وجود ‘التحالف الدولي’، وبعد هذا التاريخ سيكون كل السلاح خارج إطار الدولة خاضعاً للمعالجة القانونية”، مبيناً في برنامج “ساعة بغداد” عبر شاشة “الحرة”، أن الظروف تغيرت والحاجة لوجود السلاح خارج سيطرة الدولة انتهت اليوم بزوال أسبابها.
هذا التزامن يربط القرار إلى حد كبير بمتطلبات العلاقة مع الجانب الأميركي، خاصة أن إدارة ترامب اشترطت خطوات ملموسة وجداول زمنية إلزامية في هذا الملف لاستئناف مساعداتها ومستحقاتها المالية للعراق ولضمان استقبال الزيدي في “البيت الأبيض”، بحسب ما صرح به المحلل السياسي عبدالله الذبان لـ “الحل نت”، مشيراً إلى أن “ذلك لا يعني بالضرورة غياب الإرادة الحكومية الذاتية للحل إلا أنه يجعل من الصعب الجزم بأي الدافعين أقوى: الدافع السيادي الداخلي أم الضغوط الخارجية الشرسة”، لا سيما وأنها مرتبطة بزيارة المبعوث الأميركي توماس باراك الأخيرة إلى بغداد، وطرحه لملف الفصائل على طاولة بغداد وأربيل.
وفي خضم هذه التطورات، برزت مؤشرات تؤكد وجود حراك سياسي وأمني لترتيب مستقبل هيئة “الحشد الشعبي” التي تضم معظم الفصائل المقربة من إيران تزامناً مع نقاشات فنية بين مسؤولين عراقيين حول آليات صهر السلاح، وهي الخطة التي وضعت خطوطها العريضة زيارة مدير المخابرات الأميركية الأسبق والجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس بصفته خبيراً مستقلاً يقدم خدمات استشارية لـ “البيت الأبيض”، والذي مكث في بغداد 5 أيام التقى خلالها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي.

وقدم بارايوس ورقة تنفيذية متكاملة لحل “الحشد” على مراحل تبدأ بنزع السلاح الثقيل وعزل القيادات الولائية وتعيين ضباط محترفين يشرفون على البنية التحتية، تمهيداً لدمج العناصر وتصفيتهم داخل وزارة مستحدثة تحت اسم “وزارة الأمن الاتحادي” تضم “جهاز مكافحة الإرهاب” والشرطة الاتحادية والحدود لفصل السلاح عن السيطرة الحزبية، بجانب تشكيل “مجلس الأمن الوطني” برئاسة الفريق الركن جبار نعيمة الدبي الخريج من الولايات المتحدة الأميركية لبناء نموذج عسكري نظامي صارم.
وأكد بترايوس في منشور له على منصة “لينكد إن” عقب مغادرته بغداد في 17 أيار/ مايو الماضي، أن المسؤولين العراقيين الذين التقاهم أكدوا أهمية احتكار الدولة لاستخدام القوة عبر مؤسساتها الأمنية الرسمية، مشيراً إلى أنه غادر العراق “متفائلاً بما سمعه”، مع بقائه “واقعياً بشأن طبيعة العلاقة مع إيران”.
“لا سلام بوجود الميليشيات”.. شروط الشراكة الأميركية
في أحدث تجليات الضغط الدبلوماسي المباشر، نقل القائم بالأعمال الأميركي في السفارة الأميركية ببغداد جوشوا هاريس، ملف “حصر السلاح” إلى قلب العاصمة الاقتصادية للعراق، ملوحاً بشروط الشراكة بين واشنطن وبغداد من محافظة البصرة خلال لقائه بالمحافظ أسعد العيداني وشخصيات تجارية، أمس الجمعة.
وأكد هاريس في مقابلة مع “راديو المربد”، أن مشاركة أطراف تصنفها واشنطن ضمن “الجهات الإرهابية” في الحكومة العراقية، بأي شكل من الأشكال، لا تنسجم مطلقاً مع طبيعة الشراكة التي تسعى واشنطن لبنائها مع بغداد، مشدداً على ضرورة التنفيذ الكامل والشامل والسريع لـ ”النزع الكامل للسلاح” من المجاميع المسلحة التي لا تخضع لسلطة الدولة.
وأوضح هاريس بلهجة حاسمة أنه: “ببساطة لا يمكن تحقيق السلام في هذا العراق والمنطقة طالما أن الميليشيات الإرهابية التي تعمل بشكل غير قانوني تستخدم الأرض العراقية لشن حملات من العنف ضد العراقيين وضد الأميركيين وضد أصدقائنا وشركائنا في المنطقة” ورسم القائم بالأعمال معادلة واضحة تربط بين نفوذ الشركات الاستثمارية الأميركية في مجالات الطاقة، والاتصالات، والصحة، والبنى التحتية وبين الاستقرار الأمني؛ معتبراً أن تحقيق الأمن عبر حصر السلاح بيد الدولة وأن يكون قرار الحرب والسلم بيدها حصراً، هو العنصر الأساسي الذي يمكن من توسيع العلاقات الاقتصادية وفتح آفاق الدبلوماسية، بما في ذلك بحث إمكانية إعادة فتح القنصلية الأميركية في البصرة مستقبلاً.

وعلى الجانب الآخر، وفي ذروة الاستقطاب الجيوسياسي الذي يعصف بالمنطقة، جاءت الردود سريعة ومتصلبة من جبهة الرفض؛ إذ استغلت الفصائل الولائية مراسم تشييع جثمان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في النجف وكربلاء لإعلان تمسكها المطلق بالسلاح. وأصدرت “المقاومة الإسلامية في العراق” بياناً أعلنت فيه أن سلاحها “ليس خياراً للمساومة، بل يمثل عقيدة وعهداً”، متعهدة بتطوير قدراتها العسكرية والأمنية كماً ونوعاً ورفع مستوى الجاهزية، مؤكدة أن هذه القدرات لن تقف عند حدود ما وصلت إليه.
وفي سياق متصل، خرج الأمين العام لـ “كتائب حزب الله” أبو حسين الحميداوي، ليعلن بشكل علني وصريح أن تأسيس الفصيل جاء “بقرار من المرشد الراحل علي خامنئي”، مجدداً ما وصفها “البيعة لقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران”، ومؤكداً التزام الكتائب بخط المقاومة.
ووجه الحميداوي تحذيراً شديد اللهجة للحكومة والقوى السياسية في بغداد مما وصفه “الانجراف وراء المشاريع الاستكبارية”، داعياً إياهم إلى الانصياع لما وصفه بـ ”إرادة الشعب”، ومتوعداً بأن العراقيين “سيقولون كلمتهم” إذا ما انحرفت البوصلة السياسية نحو خطة التفكيك والنزع؛ وهو ما يضع حكومة الزيدي أمام مواجهة معلنة ومباشرة مع الفصيل الذي يرفض الأكثر تشدداً ورفضاً لتسليم السلاح.
العراق.. انقسام الفصائل المسلحة ومواقف الاستجابة والرفض
على الخارطة الميدانية، كشف وزير الصحة والقيادي في “الإطار التنسيقي” عبد الحسن الموسوي في تصريح متلفز سابق، عن انقسام واضح وعميق داخل معسكر الفصائل؛ حيث تتجه 4 فصائل من أصل 7 إلى تسليم سلاحها تدريجياً وهي: “عصائب أهل الحق”، و”منظمة بدر”، و”كتائب ثأر الله”، و”كتائب الإمام علي”، مقابل رفض قاطع وصارم من 3 فصائل، وهي “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله”، و”كتائب سيد الشهداء”.
وفي 30 حزيران/ يونيو الفائت، أعلن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، إنجاز الخطة المخصصة لتسلم سلاح “سرايا السلام” الفصيل التابع لـ “التيار الوطني الشيعي” بزعامة مقتدى الصدر والتحاقها بالدولة، فيما تتجه حركة “عصائب أهل الحق” التابعة لقيس الخزعلي إلى تسليم سلاحها الثقيل ومقراتها أيضاً للدولة والتوجه للعمل السياسي بعد قفزتها الانتخابية إلى 27 مقعداً.
ويعلق المحلل السياسي عبدالله الذبان لـ “الحل نت”، بأن المؤشرات تُظهر تفاوتاً كبيراً في استجابة الفصائل لقرار حصر السلاح؛ فبينما بادرت أطراف مثل “سرايا السلام” و”العصائب” و”كتائب الإمام علي” بالتجاوب، لا تزال الفصائل الأقرب لإيران مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” ومعها ”كتائب سيد الشهداء” ترفض الدخول في هذا المسار وتربط خطوة تسليم السلاح بالخروج الكامل للقوات الأميركية، موضحاً أن هذا التباين يصعّب التنبؤ بمدى صرامة التنفيذ قبل انتهاء المهلة ويطرح تساؤلاً حول ما إذا كان القرار سيُطبق بمعيار موحد على الجميع دون استثناء، خاصة وأنه حتى اللحظة لم تتضح التفاصيل الإدارية الدقيقة للكيفية العملية لتسليم السلاح أو مصير عناصر هذه الفصائل بعد حلها، كما لا يزال الخلاف قائماً حول طبيعة الخطوة وهل ستمثل تسليماً كاملاً وشاملاً للسلاح أم مجرد إعادة تنظيم لقرار استخدامه وضبطه تحت مظلة الدولة.
في ذات الإطار، يؤكد زعيم “ائتلاف دولة القانون” ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في حوار متلفز، أن ملف السلاح وصل في عهد رئيس الوزراء الحالي إلى مرحلة متقدمة من التوافق السياسي والمجتمعي, إذ بات الجميع يتحدث عن ضرورة أن يكون السلاح بيد الدولة فقط، لأن وجود سلاحين داخل الدولة يهدد كيانها ويجعلها تُدار بسلاح غير شرعي.
المالكي يرى أن معالجة الملف يجب أن تتم بالحوار والتفاهم، وطرح مقترحاً بحفظ أسلحة الفصائل في أماكن مخصصة تشرف عليها الدولة لإنهاء قضية السلاح المنفلت.
وأوضح المالكي، أن السلاح الذي تمتلكه الفصائل كان له دور مهم في مرحلة مواجهة تنظيم “داعش”، عندما لم تكن الدولة تمتلك ما يكفي من السلاح أو المقاتلين، لكن تلك المرحلة انتهت بعد تشكيل “الحشد الشعبي”، الذي ينبغي أن يكون مؤسسة رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، مع تطوير قدراته وتسليحه وتنظيمه وإدارته، ليكون الجهة الأمنية الأنسب لاحتضان هذا الملف، لافتاً إلى أن الحاجة للسلاح خارج إطار الدولة لم تعد قائمة كما كانت خلال الحرب على “داعش”.
ولفت المالكي، إلى أن معظم القوى السياسية، داخل “الإطار التنسيقي” وخارجه، تتفق اليوم على ضرورة توحيد السلاح تحت هيمنة الدولة، وأن الكثير من الفصائل المسلحة تميل إلى تسليم أسلحتها، مؤكداً أن معالجة الملف يجب أن تتم بالحوار والتفاهم للوصول إلى صيغة تحفظ حقوقهم وتنهي قضية السلاح، ومن بين المقترحات حفظ الأسلحة في أماكن مخصصة تابعة للدولة يمكن اللجوء إليها عند الحاجة.
وبحسب المالكي، فإن الفصائل أبدت مواقف إيجابية، لكنها طرحت إشكالاً رئيسياً يتمثل في وجود القوات الأميركية داخل العراق، إذ ترى أن انسحابها يجب أن يسبق تسليم السلاح، وهذا الطرح أدى إلى تأجيل الملف حتى موعد انتهاء الوجود الأميركي في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، معرباً عن اعتقاده بأن الأمور تسير نحو حل بهذا الاتجاه.
المسار القضائي والضربات المباشرة: سيناريوهات ما بعد المهلة
على الصعيدين الدولي والإقليمي، يرى عبدالله الذبان لـ “الحل نت” تطابقاً واضحاً في المواقف؛ إذ تبدو دول الخليج داعمة بقوة لحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود الفصائل باعتبارها الطرف الأكثر تضرراً من أنشطتها ولا سيما خلال فترات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، أما الموقف الأميركي فيبدو صارماً ولا رجعة فيه ومدفوعاً بتهديدات بفرض عقوبات اقتصادية قاسية.
وبناء على هذه المعطيات الراهنة، يحدد الذبان 3 سيناريوهات محتملة لما بعد 30 أيلول: الأول، هو التسليم الجزئي من قبل الفصائل الأقل تشدداً (مثل العصائب وبدر وكتائب الإمام علي) مع بقاء أطراف أخرى على مواقفها الرافضة، والثاني هو إعادة التموضع السياسي والإداري عبر دمج بعض الفصائل شكلياً داخل مؤسسات الدولة دون تفكيك حقيقي لبنيتها العسكرية واللوجستية.
السيناريو الثالث بحسب الذبان ، هو استمرار رفض الفصائل المقربة من إيران التخلي عن سلاحها وربط ذلك بالظروف الأمنية الإقليمية وخطوط الإمداد وطبيعة التسوية مع طهران. وفي جميع الأحوال فإن الحكم على جدية الحكومة سيبقى مرهوناً بشمولية التطبيق على الجميع ووجود آلية قانونية وزمنية واضحة لمحاسبة المتأخرين.
من جانبه، يرى المحلل السياسي عقيل عباس في حديث مع “الحل نت”، أن الحكومة العراقية لن تتجه إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل المسلحة، مستبعداً أن يقدم “الإطار التنسيقي” على خوض نزاع مسلح داخلي معها، مرجحاً أن تقتصر الضغوط الحكومية على المسارات السياسية والإدارية ومحاولات الترغيب للوصول إلى حلول وسطية.
ويضيف عباس، أنه في حال عدم تحقيق تقدم جدي في هذا الملف بعد مهلة 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، فإن السيناريو الأقرب يتمثل باللجوء إلى السلطة القضائية، عبر تحريك دعاوى قضائية وتحقيقات مالية أو إصدار أوامر قبض بحق بعض الأطراف والشخصيات، بما يجعل الدولة بعيدة عن الظهور كطرف في مواجهة عسكرية مباشرة، ويضع الفصائل في مواجهة حرجة أمام القانون والسلطة القضائية العراقية.
واشنطن ستجد صعوبة في الاستمرار بدعم العراق اقتصادياً أو مالياً إذا لم تُظهر حكومة الزيدي جدية صارمة في التعامل مع ملف الفصائل المسلحة، موضحاً أن المطلوب أميركياً ليس بالضرورة تحقيق تفكيك سحري كامل وفوري لهذه الفصائل، وإنما تقديم خارطة طريق واضحة وإثبات وجود إرادة سياسية وإجراءات عملية تسير باتجاه حصر السلاح، لكن الولايات المتحدة قد تتفهم تعثر التنفيذ الميداني في بعض الجوانب إذا لمست وجود جهود حقيقية، لكنها لن تتقبل المعالجات الشكلية أو الترقيعية السياسية.
المحلل السياسي عقيل عباس لـ”الحل نت”
وبحسب عباس، فإن الفصائل التي شاركت إلى جانب إيران في الحرب الأخيرة تمثل أولوية قصوى في الضغوط الأميركية، لافتاً إلى أنه إذا لم تتمكن الدولة العراقية من إيجاد معالجات حاسمة لتنفيذ مهلة 30 أيلول/ سبتمبر، فقد تتعرض تلك الفصائل الرافضة لضربات أميركية جوية واستخباراتية مباشرة على مقراتها. كما يلفت إلى وجود ضغوط خليجية متزايدة لإنهاء هذا الملف، على خلفية استهداف بعض الفصائل لدول الخليج سابقاً، متوقعاً أن تمر العلاقات العراقية الأميركية بمرحلة أكثر تعقيداً إذا لم يتحقق تقدم ملموس في هذا المسار.
وهكذا، يعود العراق مع اقتراب الموعد الحاسم إلى السؤال ذاته الذي طُرح منذ هزيمة “داعش” وتتويج حكومة الزيدي الجديدة بدعم أميركي مشروط: هل تنجح الدولة هذه المرة في احتكار السلاح وإنهاء تعدد مراكز القوة وصهر الفصائل، أم يبقى 30 أيلول/ سبتمبر مجرد موعد جديد يُضاف إلى سلسلة المواعيد المؤجلة في تاريخ البلاد؟ الإجابة تتحدد بعد انتهاء المهلة.
- فوضى السلاح في سوريا.. قتيلان ومصابان في ريف دمشق ودير الزور
- يوم كامل بلا سيارات.. هل تتحرر دمشق القديمة من التلوث والازدحام؟
- طهران تعترف بخوض حرب اقتصادية.. وواشنطن تتوعد إيران بـ”الأكثر إيلاماً”
- عملية الشرع بـ”فيزا”.. هل كانت الأولى في سوريا؟
- أزمة الكهرباء تهدد 30 منشأة صناعية في حماة.. وخط بديل على نفقة أصحابها

