تشهد الساحة العراقية تطورات متسارعة فيما يخص ملف الفصائل المسلحة المقربة من إيران و”الحشد الشعبي”، حيث بدأت تظهر ملامح تغيير جذري في وضعها، إذ تحولت عملية حصر السلاح بيد الدولة من مجرد شعار سياسي إلى خطة عملية تنفذها حكومة علي الزيدي الجديدة بضغط ودعم أميركي مباشر؛ لإنهاء نفوذ الفصائل الولائية على الملف الأمني، وتفكيك قوتها داخل مؤسسات الدولة.
خلف الكواليس شهدت العاصمة العراقية بغداد لقاءات مكثفة بين مسؤولين عراقيين وأميركيين لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع أمني، يهدف إلى إلغاء هيئة “الحشد الشعبي” وتشكيلات الفصائل بصورة نهائية، وتذويب عناصرها وتصفيتهم داخل وزارة مستحدثة تحت اسم “وزارة الأمن الاتحادي”.
خطة عزل الفصائل المقربة من إيران وتجريدها من ميزانية “الحشد”
مصادر خاصة من داخل “الإطار التنسيقي” قالت لـ “الحل نت”، شريطة عدم الكشف عن هويتها، إن رئيس الحكومة علي الزيدي بدأ مشاورات حاسمة مع قادة “الإطار” حول ملف “الحشد” والفصائل. مبيّنة أن الجانب الأميركي طلب من الزيدي صراحة نزع سلاح الفصائل، إلا أن الزيدي وقادة “الإطار” يفضلون حتى الآن الذهاب نحو حل تفاوضي في إطار تسوية شاملة تلغي هيئة “الحشد” تماماً وتنهي وجود الفصائل.
هذا التوجه ينطلق من قرار حاسم لدى واشنطن وحكومة الزيدي لإنهاء الشكل الحالي لهيئة “الحشد الشعبي”؛ بعد أن تحولت طوال الفترة الماضية إلى مصدر تمويل وحصانة للفصائل المقربة من إيران، والتي استغلت هذه الأموال والنفوذ لتنفيذ هجمات عسكرية تخدم مصالح طهران وتسببت في إحراج الدولة العراقية وسلبها قرارها السيادي.
تتحول عملية حصر السلاح بيد الدولة من شعار سياسي إلى خطة عملية تقودها حكومة الزيدي بضغط أميركي لإنهاء النفوذ الإيراني
وبحسب المعطيات، تتعامل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعقلية تجارية براغماتية، ترى أن واشنطن التي صرفت المليارات وحركت 140 ألف جندي لإسقاط نظام صدام حسين عام 2003 هي الأحق بإدارة البلد وتأمين مصالح شركاتها النفطية الاستثمارية، ولن تسمح ببقاء هذه التهديدات، بل ولن تسمح باستمرار تحكم طهران بالملف العراقي.
حتى الآن، تؤكد التطورات الميدانية والسياسية، أن الخطة الجديدة نجحت في إبعاد الفصائل المسلحة عن تسلم أي حقيبة وزارية في حكومة الزيدي ضمن الوجبة الأولى التي جرى التصويت عليها في 14 أيار/ مايو الحالي، كشرط للدعم الأميركي.
انقسام الفصائل وورقة بترايوس
في هذا السياق، كشف وزير الصحة والقيادي في “الإطار التنسيقي” عبد الحسن الموسوي في تصريح متلفز، عن انقسام واضح داخل معسكر الفصائل؛ حيث تتجه 5 فصائل من أصل 7 إلى تسليم سلاحها تدريجياً بعد عيد الأضحى وهي: “عصائب أهل الحق”، و”منظمة بدر”، و”كتائب سيد الشهداء”، و”كتائب ثأر الله”، و”كتائب الإمام علي”، مقابل رفض قاطع من فصيلين هما “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله”.
وبحسب مصادر “الحل نت”، فإن واشنطن تقوم بخطة تفكيك هادئة لعزل وتصفية الفصائل الموالية لإيران؛ حيث يتم ترك الفصائل الرافضة لحصر السلاح وحيدة تحت مقصلة العقوبات والملاحقة الاستخباراتية، بينما يتم دمج بقية عناصر “الحشد الشعبي” والقوى الموافقة على تسليم السلاح داخل الجهاز الحكومي الجديد المفصول تماماً عن السيطرة الحزبية أو السياسية.

وكدليل على هذا التحرك، جاءت زيارة مدير المخابرات الأميركية الأسبق والجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد قبيل أيام وجيزة من تمرير حكومة الزيدي، والتي مكث فيها 5 أيام التقى خلالها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس الجمهورية نزار آميدي، ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، لتضع النقاط على الحروف، إذ قدم “ورقة تنفيذية” وخطة متكاملة لحل “الحشد” على مراحل تبدأ وفق تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط” بنزع السلاح الثقيل وعزل القيادات وتعيين ضباط محترفين يشرفون على البنية التحتية لهيئة “الحشد”.
ورداً على هذه الخطة، حرضت طهران حلفائها في بغداد لكبح مشروع بترايوس، حيث خرج المسؤول الأمني لـ “كتائب حزب الله”، أبو مجاهد العساف، بتصريحات هاجم فيها بترايوس ووصف قراراته السابقة بـ “الغبية” التي حولت القواعد الأميركية إلى “ميدان لصيد البط”، متوعداً بأن عودته إلى العراق ستمنح الفصائل فرصة لتحقيق ما وصفها بمزيد من الإنجازات.
تفاصيل “الأمن الاتحادي” وسيناريو صهر السلاح لإنهاء النفوذ الإيراني
تستهدف هذه الهيكلة الجديدة التي يقودها بترايوس، تحويل “الحشد الشعبي” من هيئة مستقلة تملك ميزانية مليارية وقراراً منفصلاً، إلى تشكيل تابع لوزارة مستحدثة تسمر (وزارة الأمن الاتحادي)، وهو ما يعني قطع خطوط التمويل المالي والبشري عن الفصائل المسلحة، ومنع قادتها السياسيين من التحكم بقرارات الألوية العسكرية وتحويل المقاتلين إلى مراتب وضباط نظاميين.

وبحسب تقرير لإذاعة “مونت كارلو” ومعلومات “الحل نت”، فإن وزارة الأمن الاتحادي الجديدة ستدمج أجهزة أمنية رئيسية وصهرها في قالب واحد؛ وهي قوات “الحشد الشعبي” بعد تصفيتها وغربلتها أمنياً وعزل قياداتها الولائية، و”جهاز مكافحة الإرهاب”، وقوات الشرطة الاتحادية، وجهاز شرطة الحدود.
وبالتوازي مع هذه الهيكلة، كشفت مصادر مطلعة، عن توجه لتشكيل “مجلس الأمن الوطني” الذي سيضم كافة الوزارات والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وسيكون برئاسة الفريق الركن جبار نعيمة الدبي، الذي عينه رئيس الحكومة علي الزيدي سكرتيراً خاصاً عسكرياً للقائد العام للقوات المسلحة حصراً، وهو خريج الولايات المتحدة الأميركية ومن نفس دفعة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مما يعكس رغبة الزيدي في بناء نموذج عسكري نظامي صارم.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تضع حكومة الزيدي في مواجهة التحدي الأكبر قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، إلا أن الموقف تلقى دفعة قوية ومفاجئة بعد إعلان زعيم “التيار الوطني الشيعي” مقتدى الصدر انفكاك “سرايا السلام” عن تياره بشكل تام والتحاقها بالدولة تحت إمرة القائد العام، وهو القرار الذي تلقفه الزيدي مباشرة بتثمينه لموقف الصدر، وإصدار دعوة رسمية عاجلة لجميع الفصائل المسلحة بالالتحاق بالدولة، مؤكداً أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باحتكار السلاح وإنفاذ القانون.
رسائل الردع الأميركية وعزلة السلاح خارج الدولة
واقعياً، باتت الفصائل الموالية لطهران والرافضة للتسوية، لا سيما “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” مكشوفة الظهر تماماً؛ فبينما تقود بغداد بدعم أميركي عملية تجفيف واسعة لمنابع نفوذ السلاح المنفلت، تبدو إيران عاجزة عن التدخل لحماية حلفائها، ويبدو أنها تركتها تواجه مصيرها لوحدها.
يتزامن هذا التفكيك الإداري الذي يتم تحضيره، مع ملاحقة استخباراتية وقانونية شرسة فعلتها واشنطن؛ حيث يمثل اعتقال القيادي البارز في “كتائب حزب الله” محمد باقر السعدي في تركيا ونقله إلى مانهاتن بنيويورك وبدء محاكمته بتهم التخطيط لـ 20 عملية في الغرب، رسالة ردع شديدة الوضوح لبقية قادة الفصائل المدرجين على قوائم الاستهداف والمكافآت المالية البالغة 10 ملايين دولار، وأبرزهم، أبو حسين الحميداوي، وأكرم الكعبي، وحيدر الغراوي.
وفي النهاية، تسير جميع المؤشرات نحو خروج الملف الأمني العراقي من يد النفوذ الإيراني بالكامل لصالح مشروع بترايوس، بينما تدرك الفصائل المقربة من إيران أن قطار تصفية “الحشد” وإلغاء فصائله قد انطلق بالفعل بدعم أميركي، وأن إصرارها على التمسك بسلاحها وولائها لطهران سيضعها في مواجهة حتمية مع معادلة الردع الجديدة وحكومة بغداد.

