لماذا تصر طهران على تسمية التفاوض مع واشنطن بـ”تبادل رسائل”؟

تكرر طهران نفيها وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، في وقت تتحدث فيه الولايات المتحدة عن تقدم في الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب وتهيئة الظروف لاستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الأحد، إن “لا توجد محادثات مع أميركا بل مجرد تبادل للرسائل عبر وسطاء”، مؤكداً أن استئناف المفاوضات مشروط بوقف ما وصفه بـ”انتهاكات” واشنطن لمذكرة التفاهم وتعويض إيران عن الأضرار التي تقول إنها لحقت بها.

وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية استمرار استخدام القنوات الدبلوماسية إلى جانب الضغوط الاقتصادية والعسكرية، مع إبداء مسؤولين أميركيين تفاؤلاً بإمكان التوصل إلى ترتيبات تسمح بإعادة حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.

هذا التباين في توصيف الاتصالات يعكس حسابات سياسية مختلفة لدى الطرفين بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الاتصالات تمثل عودة إلى التفاوض المباشر أم مجرد قناة لتمرير الرسائل والاختبار المتبادل للمواقف.

لماذا ترفض طهران وصفها بالمفاوضات؟

تتمسك إيران بفكرة “تبادل الرسائل” لعدة اعتبارات، في مقدمتها تجنب تقديم الاتصالات مع واشنطن باعتبارها مفاوضات كاملة قبل تهيئة الشروط التي تراها طهران ضرورية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف – انترنت

ويرى المحلل السياسي الأردني كمال الزغول، في حديثه مع “الحل نت”، أن إيران “لا تبدو مستعجلة للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة”، بل تبدو وكأنها ترى في عامل الوقت إحدى أهم أوراقها التفاوضية.

وبحسب الزغول، فإن الإصرار على تسمية ما يجري “تبادل الرسائل” وليس “مفاوضات” ليس مسألة لغوية، إذ تريد طهران إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة من دون منح واشنطن “الانتصار السياسي” المتمثل في القول إن سياسة الضغط أجبرت طهران على العودة إلى طاولة التفاوض.

وبالنسبة إلى النظام الإيراني، فإن الاعتراف بوجود مفاوضات مباشرة في ظل استمرار الضغوط الأميركية قد يعطي انطباعاً بأن طهران اضطرت إلى العودة إلى الحوار تحت الضغط، وهو ما يحمل كلفة سياسية داخلية.

الاعتبارات الداخلية.. من يتفاوض باسم إيران؟

تزداد حساسية الاعتراف بالتفاوض المباشر في ظل تعقيدات صنع القرار الإيراني، حيث لا تقتصر إدارة الملفات الخارجية والأمنية على الحكومة وحدها، بل تتداخل فيها مؤسسات ومراكز قوة متعددة.

مارة يسيرون أمام لوحة ضخمة تحمل تصميما لمضيق هرمز في طهران في صورة التقطت في الرابع من مايو أيار 2026 – رويترز

ولهذا، فإن أي إعلان رسمي عن مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة يمكن أن يتحول إلى قضية داخلية بحد ذاته، خصوصاً إذا تزامن مع استمرار الحصار والضغوط الأميركية.

وتستخدم طهران في هذا السياق مجموعة من الشروط لاستئناف التفاوض، من بينها وقف العمليات الأميركية، والتعويض عن الخسائر التي لحقت بها، ورفع العقوبات والحصار، إلى جانب قضايا مرتبطة بالأصول الإيرانية المجمدة والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

ويعتقد المحلل السياسي كمال الزغول أن إيران تريد من خلال هذه الصيغة “إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة” من دون تقديم نفسها داخلياً على أنها الطرف الذي تراجع أمام الضغوط الأميركية.

ويشير إلى أن هذا السلوك يعكس محاولة إيرانية للاستفادة من عامل الوقت، قائلاً إن طهران “اكتشفت أن عامل الوقت قد يكون أقوى أوراقها التفاوضية”.

الوقت.. الورقة التي تراهن عليها طهران؟

يبرز عامل الزمن في الحسابات الإيرانية، حيث يرى الزغول أن إطالة الأزمة قد تمنح طهران مساحة أكبر للمناورة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب محاطًا بنائبه جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيجسيث- انترنت

وبحسب تقديره، فإن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يراكم كلفاً سياسية واقتصادية على الإدارة الأميركية، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط على الأسواق.

ويقول الزغول إن “الساعة السياسية الأميركية” أصبحت جزءاً من الحساب الإيراني، موضحاً أن كل أسبوع إضافي من الأزمة قد يمثل ورقة تفاوضية جديدة لطهران، بينما تواجه واشنطن معادلة صعبة بين مواصلة الضغط على إيران وبين احتمال تحول هذا الضغط نفسه إلى عبء سياسي واقتصادي.

لكن هذا الرهان يظل محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى إيران أيضاً، إذ إن إطالة المواجهة قد تعني استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها، فضلاً عن مخاطر التصعيد غير المحسوب.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم