من الوساطة إلى الاقتصاد.. ماذا يحمل بارزاني إلى دمشق؟

وصل رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، اليوم الأثنين، إلى العاصمة السورية دمشق في أول زيارة له منذ تولي الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية الحكم بعد الإطاحة بالنظام السابق، في خطوة تعكس انتقال العلاقات بين الجانبين من مرحلة الوساطات السياسية إلى بحث ملفات التعاون الاقتصادي وتنفيذ الاتفاقات الأمنية والإدارية.

وجاءت الزيارة في توقيت حساس، مع استمرار تنفيذ اتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية و”قسد” ضمن هيكلية الدولة السورية، وسط مساع استكمال هذا المسار الذي لا يزال يواجه تحديات تتعلق بآليات الدمج وإعادة الهيكلة.

ماذا بحث الشرع وبارزاني؟

قالت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع استقبل بارزاني في قصر الشعب بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون والتنسيق، ولا سيما في المجال الاقتصادي، إضافة إلى مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية وعدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك بما يدعم الأمن والاستقرار.

وعقب الزيارة أشار برزاني في منشور على حسابه في موقع “إكس” إلى أن سوريا والعراق وإقليم كردستان تجمعهم مصالح مشتركة عديدة، كما تتوافر فرص كبيرة لتوسيع التعاون الاقتصادي بما يحقق المنفعة المشتركة لهم جميعاً.

ومن جانبها نقلت “فرانس برس” عن مصدر حكومي سوري، أن الزيارة تركز بشكل أساسي على متابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير، الذي ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وأكد مصدر دبلوماسي سوري أن الملف الرئيس يتمثل في متابعة آليات تنفيذ الاتفاق، مرجحاً عقد لقاء بين بارزاني وقائد “قسد” مظلوم عبدي خلال الزيارة.

وتأتي هذه التحركات بعد أشهر من سلسلة خطوات ميدانية شملت انتقال إدارة عدد من المؤسسات الحكومية في الحسكة والقامشلي إلى دمشق، وتسلم الحكومة إدارة مطار القامشلي وعدد من الحقول النفطية، إضافة إلى تعيين إداريين وعسكريين ضمن مؤسسات الدولة السورية.

دور أربيل في الوساطة

لعبت أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، دوراً محورياً خلال المفاوضات بين دمشق و”قسد”، إذ استضافت لقاءات بين قائد “قسد” مظلوم عبدي ونيجيرفان بارزاني برعاية أميركية، في مرحلة شهدت توتراً عسكرياً بين القوات الحكومية السورية وقوات “قسد” مطلع عام 2026.

مظلوم عبدي بجانب نيجرفان برزاني يلتقيان مبعوث ترامب في سوريا والعراق توم براك في أربيل لبحث اتفاق “قسد” مع الحكومة السورية – 16 حزيران 2026 – إكس/ مظلوم عبدي.

وكان بارزاني قد رحب حينها باتفاق دمشق و”قسد”، معتبراً أنه يمثل “خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح”، معرباً عن أمله في أن يمهد لإعادة بناء سوريا موحدة، مع ضمان حقوق الكرد وسائر المكونات في الدستور الجديد.

ورغم التقدم الذي تحقق، لا تزال ملفات أساسية قيد التفاوض، أبرزها آليات دمج القوات العسكرية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والإدارية، فضلاً عن مستقبل “الإدارة الذاتية” وصلاحياتها ضمن هيكل الدولة السورية.

ما الذي تحمله الزيارة؟

يرى الباحث الكردي وليد جولي، في حديثه لـ”الحل نت”، أن الزيارة تحمل أبعاداً إقليمية ودولية ترتبط بالتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط بعد الحرب الأميركية الإيرانية، وانعكاساتها على كل من سوريا والعراق وإقليم كردستان.

ورجح جولي أن تشمل المناقشات قضايا الأمن الإقليمي، ولا سيما في ظل التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يفرضه ذلك من تنسيق أمني بين دمشق وأربيل، إضافة إلى بحث آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري.

الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني في دمشق في 3 آب/أغسطس 2026

أما على الصعيد اإقليمي، أشار جولي أن أحد أبرز ملفات الزيارة يتمثل في متابعة تنفيذ اتفاق دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، باعتبار نيجيرفان بارزاني أحد الوسطاء الذين لعبوا دوراً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلى جانب بحث العقبات التي ما تزال تعترض استكمال تنفيذ الاتفاق.

ويتوقع الباحث أن تتطرق المباحثات إلى مستقبل الحقوق الدستورية للكرد في سوريا، مشيراً إلى أن الاعتراف باللغة الكردية بموجب المرسوم رقم 13 لا يعد، من وجهة نظر غالبية القوى السياسية الكردية، كافياً لضمان حقوقهم السياسية والثقافية، وهو ما يجعل الملف الدستوري حاضراً بقوة في أجندة الزيارة.

وأشار الباحث إلى أن الزيارة قد تفتح الباب أمام اتفاقات اقتصادية مشتركة مع دمشق تشمل إعادة إعمار المناطق الشمالية الشرقية ولاسيما محافظة الحسكة والمناطق الكردية في سوريا نظراً لخبرة إقليم كردستان في إدارة مشاريع التنمية وجذب الاستثمارات.

في الختام، تبدو دمشق وأربيل أمام مرحلة تتجاوز استكمال الترتيبات الأمنية المرتبطة باتفاق دمج “قسد”، لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالحقوق الدستورية للكرد، والتنسيق الأمني الإقليمي، وفتح مسارات للتعاون الاقتصادي والاستثماري.

ومع استمرار الحديث عن إعادة هيكلة مؤسسات شمال شرقي سوريا، قد تشكل هذه الزيارة محطة جديدة في مسار الانتقال من الوساطة السياسية إلى بناء شراكة أوسع بين الجانبين، إذا ما نجحت المباحثات في تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية على الأرض.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم