بين توفر الدواء وتراجع القدرة على شرائه.. كيف تبدو السوق الدوائية في الساحل السوري؟

لا ترتبط الصورة العامة للسوق الدوائية في الساحل السوري وتحديداً في محافظة طرطوس بوجود المادة داخل الصيدليات أو غيابها عنها فحسب، إذ أصبحت قدرة المريض على دفع ثمن الوصفة الطبية “الروشتة” عاملاً أساسياً يحدد كمية ما يمكنه الحصول عليه. ورغم أن غالبية الأصناف الوطنية تبدو متوفرة بصورة مستقرة نسبياً، يضطر بعض المرضى إلى شراء جزء من العبوة، بينما يلجأ آخرون إلى الاستدانة أو الاستغناء عن المستحضرات التي لا تعد ضرورية بصورة عاجلة.

وتكشف شهادات حصل عليها “الحل نت” من مالك شركة “زين فارما” للصناعات الدوائية، وصيدلانية تعمل في حي شعبي، وأحد المواطنين من مستهلكي الدواء، عن سوق لا تعاني انقطاعاً شاملاً في الأصناف، لكنها تواجه تحديات متداخلة تبدأ من استيراد أنواع معينة إلى الإنتاج والشحن ولا تنتهي عند تكاليف تشغيل الصيدليات وفوضى في الأسعار وسط غياب الرقابة الفعلية والكاملة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين بصورة تجعل توفر الدواء مختلفاً عن القدرة الفعّلية على الوصول إليه.

فوضى أسعار الأدوية المستوردة

على مستوى الصيدليات، قدّرت صيدلانية تعمل في أحد الأحياء الشعبية بمدينة طرطوس أنها تستطيع تأمين الوصفة الطبية كاملة بنحو 70 بالمئة من الحالات التي تراجع صيدليتها، موضحة أن النقص يتركز بصورة أكبر في بعض الأدوية الأجنبية المستوردة والأصناف الحديثة.

أما الأدوية الوطنية القديمة والمتداولة منذ سنوات، فتبدو، وفق الصيدلانية التي صرحت لـ”الحل نت” وفضلت عدم الكشف عن اسمها، أكثر وفرة، نظراً إلى أن عدداً كبيراً من المعامل المحلية ينتجها بصورة مستمرة.

ولفتت الصيدلانية إلى أن نسبة الأصناف التي تعاني نقصاً أو ضعفاً في البدائل لا تتجاوز عشرة بالمئة من الأدوية التي تتعامل معها، إلا أن هذا الرقم يبقى مرتبطاً بتجربتها داخل صيدلية واحدة، ولا يمكن تعميمه على كامل السوق الدوائية في المحافظة.

وبذلك لا تظهر مشكلة الدواء دائماً في صورة انقطاع كامل، إذ قد يكون الصنف موجوداً، لكن ارتفاع سعره أو صعوبة شراء العبوة كاملة يحدان من قدرة المريض على الاستفادة من هذا التوفر.

وتتغير أسعار الأدوية الأجنبية بصورة أكبر من أسعار المنتجات الوطنية، بحسب الصيدلانية، بسبب ارتباط تكلفتها بالدولار الأميركي، في حين يجري بيعها داخل السوق المحلية بالليرة السورية.

وتشير بعض التقديرات إلى وجود تفاوت كبير في أسعار الأدوية المستوردة بين الصيدليات والمناطق، إذ قد يصل سعر الدواء نفسه إلى الضعف أحياناً من مكان إلى آخر. ويعكس هذا التفاوت حالة من الفوضى في تسعير الأدوية، في ظل غياب آلية رقابة واضحة وفعّالة لضبط السوق، الأمر الذي يترك المواطنين عرضة للاستغلال، وسط أعباء معيشية صعبة.

أدوية تركية تنافس المنتج المحلي

وفي المقابل، تبدو أسعار الأدوية الوطنية أكثر استقراراً نسبياً، ولا سيما الأصناف المرتبطة بالأمراض المزمنة، بينما تتركز التغيرات الأكبر في أسعار المتممات الغذائية وبعض المنتجات الثانوية.

لكن استقرار سعر المنتج المحلي لا يعني بالضرورة سهولة شرائه، إذ إن ضعف الدخل جعل حتى الأصناف الأقل سعراً عبئاً على عدد متزايد من الأسر، وهو ما دفع بعض المرضى إلى تقليل الكمية بدلاً من التخلي عن الدواء بالكامل.

كما أشارت الصيدلانية من مدينة طرطوس لـ”الحل نت” إلى دخول أصناف تركية ومنافستها للمنتج الوطني، لافتة إلى أن فارق السعر قد يصل في بعض الحالات إلى ما بين 150 و200 بالمئة مقارنة بالمنتج السوري.

شراء الدواء بـ”الظرف/الشريط”

يظهر أثر تراجع القدرة الشرائية بصورة أوضح عند محاولة المريض شراء الوصفة، إذ لم يعد بعض المراجعين قادرين على الحصول على العبوة كاملة، ما يدفع الصيدلية إلى بيع الدواء بالظرف/الشريط الواحد أو بعدد محدود من الحبوب.

وتقول الصيدلانية إنها تحاول تسهيل حصول المرضى على العلاج بقدر الإمكان، إلا أن بيع العبوات بصورة مجزأة ينعكس سلباً على رأس مال الصيدلية، لأن جزءاً من العبوة قد يبقى مدة طويلة قبل تصريفه، ما يؤخر القدرة على شراء دفعات جديدة.

ولا يقتصر الأمر على تجزئة العبوات، إذ تحدثت الصيدلانية عن ازدياد حالات شراء الدواء بالدين “الاستدانة”، ولا سيما في الأحياء الشعبية، إضافة إلى لجوء بعض المرضى إلى تقسيط قيمة مستحضرات مرتفعة السعر.

شركة “زين فارما” للأدوية في طرطوس، سوريا. “عدسة الحل نت”

وفي الوقت الذي يحاول فيه المرضى الحفاظ على شراء الأدوية الأساسية، شهدت المستحضرات التجميلية والمنتجات التي يمكن تأجيلها حالة من الكساد، بعدما تخلت عنها شريحة واسعة من المستهلكين أو خفضت إنفاقها عليها إلى الحد الأدنى.

وقالت الصيدلانية إن بعض المرضى باتوا يشترون جزءاً من عبوات الأدوية الضرورية، بينما استغنى كثيرون بصورة شبه كاملة عن المنتجات التجميلية، وهو ما يعكس انتقال الإنفاق الدوائي من الاختيار بين الأصناف إلى المفاضلة بين الضروري وما يمكن تأجيله.

الأدوية المزمنة في مقدمة الأولويات

تتقاطع شهادة الصيدلانية مع تجربة فادي القاضي، وهو أحد مستهلكي الدواء في طرطوس، الذي صرّح “للحل نت” قائلاً بأنه لا يستطيع الاستغناء من تلقاء نفسه عن صنف ورد في الوصفة الطبية أو استبداله بآخر، لكنه قد يلجأ إلى شراء جزء من الكمية المطلوبة عندما تكون الكلفة مرتفعة.

وأوضح القاضي أنه قد يشتري ظرفين من دواء تحتوي علبته على أربعة أظرف، وبذلك يحافظ على الصنف الذي وصفه الطبيب من دون أن يتحمل ثمن العبوة كاملة دفعة واحدة.

ورغم أنه لم يضطر شخصياً إلى شراء الدواء بالدين “الاستدانة” أو بالتقسيط، فإنه شاهد، خلال وجوده داخل الصيدليات، مرضى يحصلون على أدويتهم بالاستدانة أو يشترونها بالظرف الواحد.

أما في ما يتعلق بالمفاضلة بين الدواء الوطني والمستورد، فأكد القاضي ثقته بعدد من المنتجات السورية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التزام المريض بما يصفه الطبيب وعدم تبديل الصنف من تلقاء نفسه.

واستشهد بإقبال مستهلكين على أدوية محلية معروفة، وتفضيلهم إياه على بعض البدائل الأجنبية، معتبراً أن عدداً من الشركات المحلية راكم ثقة لدى المرضى نتيجة الاستخدام الطويل لمنتجاتها.

ومع ذلك، تبقى أدوية الأمراض المزمنة، مثل أدوية القلب والسكري، في مقدمة الأولويات التي لا يمكن التخلي عنها، حتى عندما ترتفع الأسعار، بينما قد تتجه الأسر في حالات الأمراض قصيرة المدى إلى تقليل شراء المستحضرات التي ترى أنها أقل ضرورة.

وبحسب القاضي، فإن الخيار الذي يلجأ إليه عند ارتفاع كلفة الوصفة لا يتمثل في تبديل الصنف، بل في تخفيض الكمية بما يسمح له بشراء الدواء وبدء العلاج، ولو بصورة جزئية.

الكهرباء تحدد توفر بعض الأصناف

لا تقتصر التحديات على سعر الدواء وقدرة المريض على شرائه، إذ تؤثر الكهرباء أيضاً في قدرة الصيدليات على توفير الأصناف التي تحتاج إلى شروط حفظ خاصة.

وبالعودة إلى الصيدلانية من طرطوس، فإنها توضح لـ”الحل نت” أن غالبية الأدوية تحفظ ضمن درجات حرارة لا تتجاوز 25 درجة مئوية، بينما تحتاج أصناف أخرى إلى الحفظ داخل البرادات عند درجات حرارة تقارب ثماني درجات.

وقد استطاعت تركيب منظومة طاقة شمسية للحفاظ على التبريد، إلا أنها أشارت إلى أن كثيراً من الصيادلة لا يملكون القدرة المالية على تأمين مصدر بديل للكهرباء.

ومع الانقطاع المتكرر للتيار، يصبح من الصعب على هذه الصيدليات تخزين الأصناف التي تتطلب تبريداً مستمراً، خشية تعرضها للتلف أو خروجها من شروط الحفظ المناسبة، ما يعني أن وجود الدواء داخل السوق لا يضمن بالضرورة توفره في جميع الصيدليات.

أعباء تشغيلية وتأخر مستحقات التأمين

إلى جانب كلفة الكهرباء والتجهيزات، تواجه الصيدليات نفقات تشغيلية تشمل الضرائب والإيجارات، فضلاً عن تجميد جزء من رأس المال نتيجة تأخر شركات التأمين في تسديد المستحقات.

وصول الحوالات المالية المستحقة من شركات التأمين قد يتأخر في بعض الحالات مدة تصل إلى تسعة أشهر، ما يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للمبالغ التي تحصل عليها الصيدلية، ولا سيما مع انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية مقابل النقد الأجنبي خلال فترة الانتظار.

صيدلانية من طرطوس لـ”الحل نت”

كما ربطت بين فقدان بعض الموظفين وظائفهم بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، وتراجع قدرتهم على شراء الدواء، موضحة أن هؤلاء لم يخسروا مصدر دخلهم فقط، بل فقدوا أيضاً التغطية التأمينية التي كانت تسدد جزءاً كبيراً من ثمن الوصفات.

وهكذا لا تتحدد قدرة المريض على الحصول على العلاج بسعر العبوة وحده، بل تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها مستوى الدخل والتغطية التأمينية وكلفة تشغيل الصيدلية وطريقة الدفع المتاحة.

توفر نسبي ووصول أكثر صعوبة

يعمل معمل “زين فارما” للصناعات الدوائية بطاقة تتراوح بين 40 و50 بالمئة من قدرته الإنتاجية الكلية، وفق ما قاله مالك الشركة ومديرها العام، الدكتور أحمد أحمد.

وأوضح أحمد “للحل نت” أن هذه النسبة تتيح للشركة، بحسب تقديره، تلبية حاجة السوق المحلية من الأصناف التي تنتجها من دون انقطاع، على الرغم من وجود تحديات ترتبط بطول دورة شحن مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليف نقلها.

وعلى الرغم من أن تجربة معمل واحد لا تكفي لتقديم صورة شاملة عن قطاع الصناعات الدوائية في طرطوس، فإنها تكشف أن استمرارية الإنتاج لا تعتمد على جاهزية خطوط التصنيع وحدها، بل تتأثر أيضاً بسرعة وصول المواد والمستلزمات الضرورية للعمل.

تظهر الشهادات التي حصلت عليها “الحل نت” أن غالبية الأدوية الوطنية لا تزال متوفرة في الساحل السوري وبشكل خاص في محافظة طرطوس، بينما يتركز النقص بصورة أكبر في الأصناف المستوردة أو الحديثة، إلا أن هذا التوفر النسبي لا يعني أن جميع المرضى قادرون على الحصول على حاجتهم كاملة.

ففي ضوء كل ذلك، يبقى المريض الحلقة التي تختبر فعلياً معنى توفر الدواء، إذ يضطر بعض المواطنين إلى شراء العبوة مجزأة، أو تأجيل الأصناف الأقل أولوية، أو الحصول على العلاج بالاستدانة أو يصبح عرضة لاستغلال بعض الصيدليات أو مستوردي الأدوية الأجنبية.

وفي ظل عدم وجود خيار للاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة، يتحول تقليل الكمية إلى حل مؤقت يسمح للمريض ببدء العلاج، لكنه لا يضمن قدرته على استكماله.

وبذلك تبدو السوق الدوائية في الساحل السوري مستقرة نسبياً من حيث وجود نسبة كبيرة في الأصناف، لكنها أكثر هشاشة عند قياسها بقدرة المواطنين على شرائها والاستمرار في تحمل تكلفتها.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم