رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على نزوحهم، لا تزال مئات العوائل المهجرة من منطقة الشهباء بريف حلب، عاجزين عن العودة إلى قراهم، في ظل استمرار سيطرة الفصائل المسلحة والمدعومة تركياً على أجزاء واسعة من المنطقة، وغياب سلطة الدولة السورية الجديدة بشكل فعلي وكامل عنها. وبينما يترقب كثيرون أي تغير قد يتيح لهم استعادة منازلهم وقراهم، ما تزال المخاوف الأمنية تحول دون ذلك.
وبحسب التسلسل الزمني للأحداث التي شهدتها سوريا عموماً، ومنطقة الشهباء في ريف حلب الشمالي تحديداً، فقد مرت المنطقة بتغيرات متتالية خلال الأعوام ما بين عامي 2011 -2026. وخضعت لسيطرة أطراف عدة، فبعد أن كانت تحت سيطرة النظام السوري السابق، صارت بين عامي 2011 و2012 تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية و”الجيش السوري الحر”. وبين عامي 2013 و2015، سيطر تنظيم “داعش” الإرهابي على أجزاء وبلدات من منطقة الشهباء، ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين نحو مناطق أخرى.
ومطلع عام 2016، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من السيطرة على المنطقة وذلك بعد دحر التنظيم الإرهابي، وبقيت خاضعة لنفوذها وإدارتها حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، حين أطلقت فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة من أنقرة عملية عُرفت باسم “فجر الحرية”، وانتهت بانسحاب “قسد” وبسيطرة تلك الفصائل السورية والمنضوية حالياً داخل “الجيش السوري” على مدينة تل رفعت ومناطق الشهباء، لتبقى تحت سيطرتها حتى الوقت الحالي.
وبدأت موجات النزوح من القرى الكردية في منطقة الشهباء عام 2013، عقب هجمات تعرضت لها المنطقة، قبل أن تتفاقم الأوضاع مع سيطرة تنظيم “داعش” على أجزاء واسعة منها، ثم دخول فصائل “الجيش الوطني” المدعومة من تركيا، ما أدى إلى استمرار تهجير آلاف العائلات حتى اليوم.
ورغم المتغيرات السياسية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، يؤكد مهجرون أن غياب الضمانات الأمنية واستمرار نفوذ الفصائل السورية الموالية لتركيا، إلى جانب صعوبة استعادة الممتلكات، ما تزال تمثل أبرز العوائق أمام عودتهم إلى قراهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
نزوح مستمر منذ 2013
يقول محمد عبد الله، الذي اشترط عدم ذكر اسمه الحقيقي، وهو نازح من قرية دوديان التابعة لناحية إعزاز بريف حلب قرب الحدود التركية، مقيم حالياً في مدينة عين العرب/كوباني، إنهم يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية، في ظل قلة فرص العمل، وارتفاع إيجارات المنازل، وغلاء الأسعار، ما يزيد من معاناة العائلات المهجرة عاماً بعد آخر.
ويضيف لـ”الحل نت” خلال مقابلة معه أن 32 عائلة من أبناء منطقة الشهباء، الواقعة بين عفرين وعين العرب/كوباني ضمن ريفي الباب وإعزاز، تقيم حالياً في مدينة عين العرب/كوباني، بعد رحلة نزوح طويلة بدأت عام 2013، عندما تعرضت القرى الكردية في المنطقة لهجمات قبل اجتياح تنظيم “داعش” لمدينة عين العرب/كوباني منتصف أيلول/سبتمبر 2014.




ويوضح أن تلك الهجمات أسفرت عن وقوع مجازر بحق المدنيين، كما تم أسر عدد من السكان، بينهم والده الذي أُعدم لاحقاً، مشيراً إلى أن معاناة الأهالي لم تنتهِ بخروج تنظيم “داعش”، إذ دخلت فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة من تركيا إلى المنطقة، ما حال دون عودتهم إلى قراهم.
وأمضت عائلة عبد الله ثلاثة عشر عاماً في النزوح، متنقلة بين الرقة والطبقة قبل أن تستقر في مدينة عين العرب/كوباني، مؤكداً أن غالبية أبناء المنطقة لا يستطيعون العودة إلى قراهم بسبب استمرار سيطرة الفصائل المسلحة وبغطاء من الاستخبارات التركية، في حين لا تفرض مؤسسات الدولة السورية وقوى الأمن العام سيطرتها الكاملة على تلك المناطق.
ويبيّن خلال حديثه لـ”الحل نت” أن أي شخص يعود إلى قريته يواجه خطر الاعتقال، لافتاً إلى أن مخاتير القرى أُبلغوا خلال الفترة الماضية بضرورة إبلاغ الجهات المعنية، في إشارة إلى السلطات التركية، عن أي شخص قادم من مناطق شرق الفرات، سواء كان مدنياً أو عسكرياً، وهو ما زاد من مخاوف الأهالي وأجبرهم على التردد في العودة إلى منازلهم.
ويشير إلى أنه بإمكانهم العودة إلى مدينة حلب، إلا أن العودة إلى قراهم وأراضيهم ما تزال مستحيلة في ظل غياب سلطة الأمن العام عن تلك المناطق، واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من أنقرة فيها.
“سعرنا بسعر هالعالم يلي عم ترجع ع بيوتها”
يقول أحمد حج موسى، وهو من مهجري قرية تل المضيق في منطقة الشهباء، إنه اضطر إلى مغادرة قريته عام 2017 بسبب المعارك التي شهدتها المنطقة وسيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي عليها، موضحاً أن قريتهم كانت تقع على خط المواجهات، ما أجبر عائلته على النزوح بداية إلى مدينة إعزاز، قبل أن تستقر في مدينة عين العرب/كوباني منذ أكثر من ثمانية أعوام.
ويردف خلال مقابلته مع “الحل نت” أن منزله تعرض لدمار كبير خلال سنوات الحرب، ولم يعد صالحاً للسكن، وتطلب إعادة تأهيل كاملة. وأشار إلى أن منزل والده وشقيقه تعرضا أيضاً للتدمير.
ويوضح أنه كان يملك محلاً لبيع قطع تبديل السيارات في مفرق تل ديجان، تقدر قيمته بنحو 30 ألف دولار، لكنه فقده نتيجة النزوح، مؤكداً أنه لا يزال ينتظر، كغيره من المهجرين، تحسن الأوضاع الأمنية للعودة إلى قريته واستعادة منزله وممتلكاته، قائلاً: “ننتظر أن يفرجها الله لنعود إلى مناطقنا”.
ويضيف بلغته العامية: “سعرنا بسعر هاي العالم يلي عم ترجع عبيوتها، ما بدنا شي زيادة، المهم نخلص من النزوح ونرجع لمناطقنا”.
“غياب الضمانات الحقيقية للعودة”
ومن جهته، يقول جمعة كالو، عضو “المنتدى السياسي لمهجري الشهباء” إن منطقة الشهباء تمتد جغرافياً من الحدود التركية شمالاً إلى قريتي تل عرن وتل حاصل جنوب شرقي مدينة حلب، ومن نهر الفرات شرقاً حتى منطقة عفرين غرباً، وتضم مكونات عرقية متعددة تشمل العرب، والكرد، والتركمان، والأرناؤوط، والشركس.
ويوضح أن مناطق الشهباء تضم نحو 217 قرية كردية، إلى جانب قرى وبلدات ومدن مختلطة مع بقية المكونات، مبيناً أن الكرد في المنطقة ينتمون إلى عشائر متعددة، منها الدنا، والرشوان، ودميلي، وديدان، وشرقيان، وقره كيج، وبيش آلتي، وكيتكان، وغيرها، ويشكلون امتداداً جغرافياً واجتماعياً لكرد منطقة عين العرب/كوباني وعلى الحدود مع سروج في تركيا.
ويضيف لـ”الحل نت” أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لعدد السكان أو العائلات الكردية في الشهباء، إلا أن التقديرات تشير إلى أن عدد الكرد في المنطقة يبلغ نحو 300 ألف نسمة.
ويشير إلى أن عمليات التهجير القسري للعائلات الكردية بدأت عام 2013، وما تزال مستمرة حتى اليوم، موضحاً أن قسماً كبيراً من العائلات، ولا سيما فئة الشباب، غادروا سوريا، فيما عاد عدد من النازحين بشكل فردي إلى قراهم أو إلى المدن الكبرى، وخاصة مدينة حلب، بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، رغم استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية.
وبيّن أن نحو 1500 عائلة ما تزال نازحة حتى الآن، وتتوزع بين مدن القامشلي/قامشلو والحسكة والمالكية/ديريك، إضافة إلى عدد قليل من العائلات المقيمة في مدينة عين العرب/كوباني.
ويلفت إلى أن العائلات المتبقية ما تزال متخوفة من العودة إلى منازلها بسبب تردي الوضع الأمني، واستمرار انتشار الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا في مناطق الشهباء، إلى جانب غياب ضمانات حقيقية من الحكومة السورية الجديدة.
وألح على ضرورة تمثيل الكرد سياسياً في مؤسسات الدولة بالدرجة التي تسمح بالتعبير عن حقوقهم المواطنية سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية وحقوقية وسياسية، حيث إن ذلك هو ما يضمن عدم إهدار استحقاقاتهم.
ويؤكد كالو أن معظم منازل مناطق الشهباء تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي نتيجة الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة، مشيراً إلى أن القرى التي تعرضت للاشتباكات أو القصف ما تزال شبه خالية من سكانها، كما أن المنطقة تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة للبنية التحتية، تشمل شبكات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، والطرق، والخدمات الأساسية.
ويختتم بالقول إن شبه غياب سلطة القانون، واستمرار تغليب النفوذ العسكري والفصائلي، وتقاسم القرى بين الفصائل المسلحة، كلها عوامل تعيق عودة الأهالي إلى مناطقهم، وتحد من قدرتهم على ترميم منازلهم واستئناف حياتهم بصورة طبيعية.
