الحضور التركي يتعمق في الاقتصاد السوري.. 10 مليارات تجارة ومعبر جديد يلوح في الأفق

التبادل التجاري مع تركيا

تتجه العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا إلى مرحلة جديدة من التوسع، مدفوعة برغبة مشتركة في رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع لوجستية وبنى تحتية تعزز حركة التجارة الإقليمية.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه مؤشرات اعتماد السوق السورية على الواردات التركية، سواء في السلع الاستهلاكية أو المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، وسط تراجع القدرة الإنتاجية المحلية واتساع الفجوة التجارية بين البلدين، الأمر الذي يمنح أنقرة موقعاً أكثر تأثيراً في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.

قفزة تجارية تعزز الحضور التركي

في هذا السياق، أعلن وزير التجارة التركي عمر بولات أن حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا بلغ نحو 3.75 مليارات دولار خلال العام الماضي، مؤكداً أن حكومتي البلدين تعملان على رفعه إلى 10 مليارات دولار عبر تعزيز الاستثمارات والإنتاج المشترك وتسهيل حركة التجارة عبر الحدود.

وجاءت تصريحات بولات خلال اجتماع “المناطق الحرة التجارية والصناعية في سوريا وبيئة الاستثمار” الذي استضافته العاصمة أنقرة بحضور رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية قتيبة بدوي وعدد من المسؤولين ورجال الأعمال.

اجتماع “المناطق الحرة التجارية والصناعية في سوريا وبيئة الاستثمار” الذي استضافته العاصمة أنقرة

ويمثل هذا الرقم قفزة نوعية تجاوزت نسبتها 40 بالمئة، ولم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تحولات سياسية وتجارية عميقة أعقبت التغييرات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، فقد سجلت الصادرات التركية إلى السوق السورية وحدها ارتفاعاً لافتاً بلغ نحو 69.6 بالمئة خلال عام 2025، لتتجاوز قيمتها مليارين و568 مليون دولار، مقارنة بمليار و514 مليون دولار في العام الذي سبقه.

ويعد هذا الهدف امتداداً لمسار تصاعدي في العلاقات التجارية بين البلدين منذ إعادة تنشيط المعابر الحدودية، إذ أصبحت تركيا الشريك التجاري الأبرز لسوريا، بينما تشهد الأسواق السورية حضوراً متزايداً للمنتجات التركية التي تشمل المواد الغذائية، والمنسوجات، والأجهزة المنزلية، ومواد البناء، فضلاً عن مدخلات الإنتاج التي تعتمد عليها قطاعات صناعية سورية عديدة.

خطة مرحلية للوصول إلى 10 مليارات

يرى خبراء اقتصاديون أن استمرار هذا الاتجاه قد يعمق ارتباط الاقتصاد السوري بالسوق التركية، في ظل محدودية الإنتاج المحلي، وضعف تدفقات الاستثمارات من دول أخرى، واستمرار التحديات التي تواجه عملية إعادة الإعمار.

كما يعكس هذا النمو المتسارع تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث لم تعد التجارة مقتصرة على التبادل الحدودي التقليدي، بل باتت تستقطب مراكز إنتاج من مختلف أنحاء تركيا، وفق ما أوضحه جلال قاضو أوغلو، رئيس قسم شؤون التجارة مع سوريا باتحاد المصدرين التركي.

في هذا السياق، أعرب بولات عن طموح بلاده الكبير لرفع هذا الرقم إلى عشرة مليارات دولار، مؤكداً أن العمل جارٍ بالتنسيق مع الجانب السوري لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، موضحاً أن هناك خططاً مرحلية لتحقيق هذه الغاية، تبدأ برفع التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار في المدى القريب، تمهيداً للوصول إلى العشرة مليارات.

وأشار إلى أن البلدين عازمان على زيادة الإنتاج والاستثمارات المشتركة، إلى جانب تعزيز وتوسعة وتحديث المعابر الجمركية البرية وخطوط النقل البحري، بما يدعم نمو حركة التجارة بينهما.

معبر جديد يربط الأسواق الإقليمية

في خطوة من شأنها أن تعزز هذه الديناميكية التجارية، أعلن بولات أن معبر نصيبين – قامشلو الحدودي سيفتتح أبوابه أمام حركة المسافرين وعبور الترانزيت قبل نهاية العام الجاري.

وأكد أن العمل يجري بوتيرة متسارعة لتذليل كافة العقبات الفنية واللوجستية التي تحول دون تشغيل هذا المعبر الحيوي بكامل طاقته، لما له من أهمية استراتيجية في تسهيل حركة البضائع والأفراد بين البلدين، مشيراً إلى أن استئناف حركة الترانزيت بين تركيا وسوريا منذ نيسان الماضي أسهم في تنشيط التجارة مع لبنان والأردن والعراق ودول الخليج.

اجتماع “المناطق الحرة التجارية والصناعية في سوريا وبيئة الاستثمار” الذي استضافته العاصمة أنقرة

إلى جانب تطوير المعابر، شدد الوزير التركي على أهمية توسيع شبكات النقل البري، وإنشاء ممرات جديدة، إلى جانب خطوط لنقل النفط والغاز الطبيعي تمتد من تركيا عبر سوريا إلى الأردن والعراق ودول الخليج.

واعتبر أن هذه المشاريع البنية التحتية الطموحة باتت أكثر إلحاحاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، ولا سيما التوترات الأخيرة في مضيق هرمز التي أعادت رسم خريطة طرق التجارة العالمية.

دمشق تراهن على الشراكة والاستثمار

من جانبه، أكد رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، قتيبة بدوي، أن بلاده دخلت مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وتتطلع إلى تجاوز مرحلة الدعم والتضامن مع تركيا، والانتقال إلى مرحلة الشراكة الكاملة في الإنتاج والتنمية والاستثمار.

وأشار بدوي إلى أن مشروعي منطقة إدلب للتجارة الحرة والميناء الجاف في المحافظة يشكلان مركزاً متكاملاً للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، داعياً المستثمرين والشركات التركية إلى المشاركة في هذه المشاريع التي تقدم حزمة حوافز تشمل إعفاءات ضريبية ومالية وجمركية، إلى جانب حرية التخزين وإعادة التصدير، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على زيادة حجم التجارة، بل يشمل أيضاً إنشاء منظومة متكاملة لسلاسل الإنتاج والإمداد بين تركيا وسوريا.

تأتي هذه التحركات في سياق أوسع من التعاون الإقليمي، إذ كان وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا قد وقّعوا، في العاصمة الأردنية عمّان خلال نيسان الماضي، مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى تطوير قطاعات النقل والربط اللوجستي، وتنشيط الموانئ، وتوسيع الأسواق، وفتح آفاق جديدة أمام حركة الشحن بين الدول الثلاث.

وتتضمن المذكرة إنشاء إطار مؤسسي وفني للتعاون في النقل البري والبحري والسككي، وتشكيل لجان وفرق عمل مشتركة، وتطوير خطط قطاعية موحدة، بهدف تحويل الحدود إلى جسور للتنمية والتكامل الاقتصادي، وإعادة إحياء مشاريع استراتيجية كبرى.

فرص النمو ومخاوف التبعية

رغم ما تحمله هذه المشاريع من فرص لتحفيز النشاط الاقتصادي وزيادة تدفق السلع والاستثمارات، فإنها تثير في المقابل تساؤلات بشأن تنامي اعتماد الاقتصاد السوري على السوق التركية.

فمع استمرار اتساع الفجوة التجارية لصالح أنقرة، وتزايد اعتماد الأسواق السورية على الواردات التركية لتلبية احتياجاتها الأساسية، يحذر اقتصاديون من أن يتحول هذا الارتباط إلى حالة من التبعية التجارية إذا لم يترافق مع سياسات تدعم الإنتاج المحلي، وتزيد من القدرة التنافسية للصناعة السورية، وتضمن تحقيق شراكة اقتصادية أكثر توازناً بدلاً من الاكتفاء بتوسيع الواردات وزيادة العجز التجاري.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم