الحياة في العاصمة الجهادية.. الأوضاع من أعمق الجوانب

 

داعش تضع أحلامها موضع التنفيذ في مدينةٍ سوريةٍ

بين هوبارد, 23 تموز 2014 , موقع الـ نيويورك تايمز.

 

الإسلامية

 ترجمة موقع الحل السوري

سوريا، الرّقة— لم يكن لدى رجل الأعمال سوى خيارين يائسين بعد أن تعرّض مصنعه في مدينة حلب في الشمال السوري للقصف، فإما أن يبقى في البيت مواجهاً خطر الموت خلال الغارة الجوية القادمة، أو أن يفرّ مثل مئات الآلاف الآخرين إلى مخيم للاجئين في تركيا.

لكنه بدلاً من ذلك، أخذ ما بقي معه من مال واتجه شرقاً إلى الجارة “الرّقّة” العاصمة الفعلية لأسرع قوة جهادية تزايداً في العالم، حيث وجد مستوىً من النظام والأمن المتغيبين عن مناطق أخرى من سوريا.

قال رجل الأعمال الذي لم يصرّح سوى عن اسمه الأول، قدري: ” القتال في سوريا مستمر، لذا يجب أن نعيش حياتنا”، كما أشرف على عشرات العمال في مصنعه الجديد لملابس الأطفال في الرّقّة.

انتشر المتطرفون بشكل متزايد عبر العراق منذ فترة طويلة، واستولوا على مساحة واسعة من الأرض، تعرف تلك الجماعة باسم دولة الإسلام في العراق والشام أو داعش، كما سيطرت هذه الجماعة على معظم محافظة الرّقّة والتي يقطنها حوالي مليون نسمة، وأسسوا مقرات لهم فيها باعتبارها عاصمة دولتهم، وبدأت المجموعة التي تدعو الآن نفسها وببساطة الدولة الإسلامية بفرض رؤيتها للدولة التي تمزج بين التفسير الأصولي للإسلام والتطبيق العملي لأحكامه، ذلك من خلال الإدارة الإستراتيجية والقوة العنيفة.

لقيت هذه الجماعة وفي الوقت المناسب الاعتبار من قبل المواطنين المنهكين من الحرب، مثل قدري، الذي سيقبل بأية سلطة يمكنها إعادة مظهر الحياة إلى طبيعته. وبالمقارنة، فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار أو المتمردين في حلب مازالت مدمرة بسبب نقص المواد الغذائية وانتشار الجريمة، ولكن هناك جانب مظلم في الحكم الإسلامي من خلال الإعدامات الميدانية، والقواعد الاجتماعية الصارمة التي جعلت الكثير من هؤلاء السكان المتسامحين قلقين إزاء المستقبل.

تحافظ شرطة المرور في مدينة الرّقّة على الانتظام عند نقاط التقاء الشوارع، حيث الجنايات نادرة الوقوع، كما تصدر إيصالات بضرائب المخالفات المرورية. لكن التماثيل، مثل تلك الأسود البارزة في حديقة الرّشيد قد دمّرت لأنهم اعتبروها كفراً.

لكن هناك أماكن عامة قد سوّرت بسياج معدني ثقيل مغطّى بأعلام داعش السوداء، مثل ساحة الأماسي، التي شُنق فيها شباب وشابات “مخطئون”، وقد فقد أيضاً أشخاص متهمون بالسرقة أيديهم في عملية بتر معلنة للعامة.

إليك هذه، والتي ليست بنكتة، يقول أحد المعلمين المتقاعدين من مدينة الرّقّة: “ما أراه في الرّقّة يثبت أن الدولة الإسلامية لديها رؤية واضحة لتأسيس دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة”.

طريقة حكم داعش في الرّقّة تقدم رؤية واضحة لما تحاول القيام به، وهو التحرك لدعم سيطرتها على الأراضي الممتدة بين الحدود السورية العراقية.

قضى موظف لدى النيويورك تايمز مؤخراً ستة أيام في الرّقّة وأجرى مقابلات مع عشرات السكان، لن يتم التعريف بهوية الموظف أو الذين تمت مقابلتهم، حفاظاً من انتقام ومطاردة المتطرفين لهم وقتلهم، لاعتبارهم معارضة مشروعة ضدهم.

لأولئك الذين يدخلون الرّقّة، توضح داعش وبشكل مباشر من هو الحاكم والمسئول هناك.

زوار الرّقّة من المدخل الجنوبي للمدينة، كانوا يُحيّون من قِبَل تمثال فسيفسائي شاهق للرئيس بشار الأسد، والخليفة هارون الرشيد الذي حكم العالم الإسلامي من الرّقّة في القرن التاسع.

أما الآن فهناك لوحة شاهقة سوداء تؤدي الولاء لداعش ولمن تدعوهم شهداء ماتوا أثناء القتال من أجل قضيتها.

يضم مجلس مدينة الرّقّة لجنة الخدمات الإسلامية، ويحتوي المكتب السابق لوزارة المالية على المحكمة الشرعية والشرطة الجنائية. أما شرطة المرور فمقرها المدرسة الشرعية الثانوية الأولى. وبنك الائتمان في الرقة أصبح الآن مركزاً للضرائب، حيث يجمع الموظفون 20$ كل شهرين من أصحاب المحلات للماء والكهرباء والأمن. قال الكثيرون أنهم تلقوا إيصالات رسمية ممهورة بختم داعش، وأن تلك الرسوم كانت أقل مما كانوا يدفعونها رشاوى لحكومة الأسد.

“أشعر أنني أتعامل مع دولة محترمة، وليس مجرمين “هذا ما قاله صائغ في دكانه الصغير في مدينة الرقة بينما كانت لديه امرأة تتسوق لشراء قطع ذهب بنقود أُرسِلت من قبل زوجها في الخارج.

تعتبر الرّقّة حالة اختبار لداعش التي فرضت نفسها بوصفها السلطة الرئيسية في هذه المدينة الواقعة على نهر الفرات منذ مطلع هذا العام. وقد أثبتت المجموعة بالفعل براعتها العسكرية، هازمة ً الجيوش الشعبية الأخرى في سوريا كما الميليشيات العراقية. لكنهم قضوا معظم وقتهم على هذه الأرض التي تعتبر محوراً زراعياً، لتحويل عقيدتهم إلى حقيقة واقعية، ذلك المشروع الذي يبدو من غير المرجح أن ينتهي قريباً نظراً لعدم وجود قوة عسكرية قادرة على الإطاحة به.

قال أحد عمال الإغاثة الذين سافروا إلى الرّقّة: “إن صفوف داعش مليئة بالشباب المندفعين، الكثير منهم أجانب واهتمامهم موجه أكثر نحو العنف منه نحو الحكم”. وقد قامت داعش بالدفع للعمال الماهرين، أو تهديدهم للبقاء في عملهم وإبقاء الأمور مستمرة ، “فيما يشرف عليهم موالون لداعش لضمان الامتثال للقواعد الإسلامية.”

وأضاف: “لا يمكنهم التخلي عن كل الموظفين وجلب أناس جدد لتسيير أمور المستشفى، لذلك يقومون بتغيير المدير ويعينون مكانه شخص يقوم بفرض القواعد والأنظمة الخاصة بهم.” هذا ما حدثنا به عامل الإغاثة شريطة ألا يتم الكشف عن هويته حتى لا يعرّض عمله للخطر.

بعد الاستيلاء الأكبر على كنيسة الشهداء للأرمن الكاثوليك، أُغلقت كنائس الرقة الثلاث والتي كانت ملجأً لناشطين من الأقلية المسيحية، حيث قامت داعش بإزالة صليب الكنيسة من واجهتها وتعليق أعلامهم السوداء، وحوّلوها إلى مركز إسلامي لعرض فيديوهات عمليات الانتحار والمعارك لتجنيد المقاتلين الجدد.

القلة المسيحية الذين بقوا في الرّقّة يدفعون ضريبة الأقلية، وهي بضعة دولارات كل شهر. ويتوجب عليهم الطاعة أيضاً عندما يقوم ضباط الشرطة الدينية لدى داعش بدوريات للتأكد من إغلاق المحال التجارية خلال أوقات الصلاة الإسلامية.

لقد قامت الشرطة الدينية بمنع تدخين السجائر والأراكيل في الأماكن العامة، الإجراء الذي أخمد الحياة الاجتماعية في المدينة، ما أجبر المقاهي على الإغلاق. كما يقومون بالتأكد من أن النساء يغطين شعرهن ووجوههن في الأماكن العامة.

قال أستاذ جامعي من الرّقّة أن مسلحي داعش أوقفوا مؤخراً حافلة كانت متوجهة إلى دمشق عندما وجدوا امرأة في الداخل مغطاة بشكل غير كافي، حيث قاموا بتأخير الحافلة أكثر من ساعة ونصف حتى عادت المرأة لمنزلها وغيرت لباسها، بحسب قوله.

استطاعت داعش بشكل عملي أكثر الحفاظ على وجود الغذاء في المخازن وتشغيل محطات الوقود والمخاب، لكنها واجهت مشاكل كثيرة فيما يخص مياه الشرب والكهرباء المنقطعين لأكثر من 20 ساعة خلال اليوم.

ربما كان أبو بكر البغدادي مدركاً أن المتطرفين الشباب المنجذبون أكثر للعنف الطائفي يفتقرون للمهارات المهنية عندما طلب في خطابه الصوتي الأخير من المهندسين والأطباء السفر إلى أماكن مثل الرقة للمساعدة في بناء دولته الإسلامية المعلنة حديثاً حيث قال: “هجرتهم هي التزام لكي يتمكنوا من تلبية حاجة المسلمين الماسة لهم”.

تتضح علامات التعبئة الدولية فعلياً في الرقة، حيث غالباً ما يكون المسلحون عند نقاط التفتيش سعوديين أو مصريين أو تونسيين أو ليبيين. فـ أمير الكهرباء في الرقة هو سوداني، تُدار أحد المستشفيات من قبل أردني والذي يقوم بتسليم التقارير لمديره المصري، وفقاً للسوريين الذين يعملون بإمرتهم.

وقد ذهب هذا الأردني إلى الموصل بعد تقدم داعش داخل العراق الشهر الماضي، ذلك للمساعدة في تنظيم مستشفىً هناك قبل عودته إلى الرّقّة.

وقد أخبرنا أحد الموظفين لديه أن الأردني قال وعيناه تلمعان بلهفة: ” إن خلافة الدولة الإسلامية بدأت في الرقة، وسوف تنتشر في أرجاء المنطقة بأكملهاً”.