نشرت صحيفة ليبراسيون الفرنسية تقريراً عما آل إليه حال المسيحيين الأرثوذكس الذين فرّوا من الموصل واضطهاد تنظيم داعش، والذين باتت بيروت اليوم ملجأً لهم.
فبعد أن بات موضوع العودة إلى #العراق مستبعداً تماماً، فإن الكثير من السريان العراقيين لا يرون لهم أي مستقبل في العاصمة اللبنانية. وتراهم اليوم مصلوبين على أمل الحصول على تأشيرة دخول لإحدى الأراضي الأخرى الموعودين بها. حيث التقت ليبراسيون مع أكثر من مئة من الرجال الذين خطّ الشيب رؤوسهم، مع زوجاتهم اللواتي يغطين رؤوسهن بقليلٍ من الدانتيل في قداس يوم الأحد، وهم يواصلون الصلوات وينشدون بالآرامية مع الوقوف عند كل إشارة من القس.
ويشير التقرير إلى أن هؤلاء اللاجئين “ينتمون إلى إحدى أقدم الكنائس في الشرق (القرن السادس). وهم اليوم الأقلية الأصغر في الشرق المسيحي. ومعظم هؤلاء السريان الأرثوذكس ينحدرون من العراق وعلى وجه الخصوص من بغداد والموصل. وقد وصلوا منذ شهور أو حتى منذ سنوات إلى لبنان حيث كان قد أسس أسلافهم مقرهم منذ قرنٍ من الزمن. حيث تجد في بهو كنيستهم، الواقعة في قرية بوشريح شرقي بيروت، لوحات تذكارية بالسريانية والعربية تذكّر بمرور مئة عام على المجزرة الكبيرة: 1915 – 2015، على غرار الأرمن، كان السريان كما الآشوريين والكلدان، ضحايا المجازر التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية بحق الأقليات الدينية”، وفق ما جاء في التقرير.
وبعد هروبهم من #تركيا، لجأ الناجون منهم إلى سوريا ولبنان. وبعد قرنٍ من الزمان تقريباً، كان نصيب السريان العراقيين -وهم أول من تم تبشيرهم بالإنجيل من قبل القدّيس توما في بداية العصر المسيحي- أن يفرّوا بدورهم من أرض أجدادهم تحت تهديد جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي نهاية القدّاس، احتشد العشرات في الطابق الأول من الكنيسة في غرفة البطريركية (والتي تستخدم عادةً لحفلات الزفاف والتعميد والتعازي)، والجميع يريد أن يروي قصّة حياته ومأساته في هذا المنفى. وفي قصصهم التي تتقاطع، تختلط الأماكن والتواريخ والحقائق في خيوطٍ لا تُمحى، “تماماً مثل أولئك المسؤولين عن مصائبهم والذين لا ينحصرون بالجهاديين فقط”، وفق التقرير.
وتروي أم لثلاثة أطفال كيف جاءت الميليشيات بأسلحتها منذ أربع سنوات إلى شوارع بغداد ولم يستطع أحد الوقوف في وجهها فقاموا بتهديد السريان ووصل بهم الأمر إلى التهديد بأخذ أطفالهم. “لقد فعلوا كلّ شيء كي يُجبروا السريان على الرحيل”، تضيف تلك الأم، لتلتفت إليها امرأة هربت من الموصل وتقول لها: “في بغداد؟ أنتِ لم تري شيئاً إذاً! أنت لم تعرفي داعش حتى”.
وتشير ليبراسيون هنا إلى أن مسيحيي مدينة الموصل (ثاني أكبر مدن العراق والتي غزاها تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران 2014)، هم الأكثر تعرضاً للتخويف والإرهاب بدون أدنى شك. فقد بقي منهم ما بين ألفين أوثلاثة آلاف فقط في الموصل التي كانت تحتضن أكثر من خمسين ألف سرياني حتى نهاية القرن العشرين. لقد كان السريان العراقيين أول المطرودين من قبل الجهاديين. ويؤكد توما (خياط سابق في الموصل)، أن سكان المدينة أنفسهم “ساعدوا داعش في ذلك”. ويضيف: “لقد عمل الأهالي كمرشدين لدى التنظيم، وإلا فكيف للمقاتلين الأجانب لدى داعش أن يعرفوا منازل المسيحيين ومتاجرهم في أحياء المدينة المختلطة؟ فبعد الاستيلاء على الموصل، قام الجهاديون بتعليم منازل ومتاجر المسيحيين بحرف النون، وذلك دلالة على كلمة نصراني أي مسيحي”، بحسب وصفه. وبذلك ينتقد توما تعاون أهالي الموصل السنّة مع مقاتلي داعش الذين تم استقبالهم من قبل البعض كـ”محررين” بعد الاضطهاد الذي مورس على السنّة لعدّة سنوات من قبل الحكومة الشيعية في بغداد.
وتقول سمية (التي فرّت من الموصل أيضاً)، بأن اضطهاد السريان بدأ قبل ظهور داعش. فمنذ سقوط نظام صدام حسين، بات السريان عرضة لتهديد الميليشيات المختلفة. وتضيف: “لقد كانوا يطلبون منا الرحيل. فكنا نذهب عدّة أسابيع إلى القرى المجاورة ثم نعود بعد ذلك إلى بيوتنا ومتاجرنا. وعندما كان يتم اختطاف أحد منا، كنا نخاف ونغيب لبعض الوقت. لكن عندما تم اختطاف اثنين من المسيحيين وقتلهم، فرّ المئات حينها من الموصل دون رجعة”. ثم تعود وتقول: “لكن لا شيء يُقارن فيما حدث بعد ذلك! عندما جاء تنظيم داعش، كان الهروب كبيراً ودائماً. لقد استقرينا في بداية الأمر في كردستان وفي المناطق الأخرى المجاورة للموصل. لكن ومع الوقت، لم تعد مواردنا كافية، فالأجارات ارتفعت مع زيادة الطلب. والكنيسة حاولت مساعدتنا لكن لم يكن لديها ما يكفي لمساعدة جميع أولئك الذين تركوا منازلهم وأعمالهم ومدارسهم”. وبذلك أصبح لبنان، بطائفته المسيحية المهمّة، بشكلٍ طبيعي أرض المنفى لمسيحيي العراق. وإن كان الاستقبال ترحيبياً، إلا أنه “لم يكن كافياً!”. حيث تقول سمية: “لقد سمعنا الحديث عن المساعدات، لكننا لم نرى الشيء الكثير”. وتضيف: “لم نصل بعد إلى حد الشحادة لكن بالكاد نصل إلى حد الكفاف. فأولادنا يعملون كعمال وعتالين. ونحن ننتظر أن تمنحنا دولة ما تأشيرة للرحيل من هنا. إنها مأساة، هذا موتٌ بطيء”، بحسب تعبيرها.
ويؤكد التقرير بأن مسيرة ووضع وانتظار سمية هو ذاته بالنسبة لجميع العراقيين السريان الآخرين واللاجئين اليوم بالقرب من بيروت. فليس هناك ولا حتى شخص واحد منهم لديه النية أو الرغبة في الاستقرار الدائم في لبنان والذي يُعتبر بالنسبة لهم مرحلة انتقالية بين الجحيم الذي فرّوا منه وبين الأرض الموعودة التي يطمحون إليها. فجميعهم تقريباً لديهم عائلات في أمريكا الشمالية وأوربا واستراليا، حيث تمكنت المجموعات السريانية هناك من إعادة تجميع نفسها مع موجات الهجرة المتعاقبة. فأولى هجرات السريان تعود إلى القرن التاسع عشر في الهند وعلى وجه الخصوص ولاية كيرالا حيث يعيش أكثر من نصف الثلاث ملايين سرياني أرثوذكسي في العالم. كما أن من ضمن الثماني وعشرين أبرشية التي تضمها الكنيسة الشرقية، فإن هناك ثمان منها في الهند.
ويبين التقرير أن انتظار الفيزا، للانتقال إلى حياةٍ أفضل حيث لا يكونون مجبرين على إخفاء إيمانهم ولا يخجلون من عيشتهم، يلتهم عقل ووقت العراقيين السريان في لبنان. هذا الانتظار “يغذّي في الوقت ذاته نقمتهم على العالم لاسيما الدول الأوربية التي تدّعي رغبتها في مساعدتهم لكنها لا تفعل شيئاً”، على حد تعبير ميادة. فهذه السريانية الأربعينية تنتظر مع زوجها جواب السفارة الكندية منذ أربعة شهور. وتقول: “في نفس الوقت، إنهم يمنحون التأشيرات للسوريين. وبينما نحن أناس محترمون ومُنظّمون ونعمل بجد، فإنهم يفضلون استقبال المسلمين السوريين”، على حد قولها. وميادة ليست الوحيدة، فالعديد من اللاجئين السريان يعتبرون اللاجئين السوريين الموجودين بكثرة في لبنان “مميزون” أكثر من غيرهم. حيث يقول أحد هؤلاء السريان: “على الحدود اللبنانية كنّا ثلاثين عراقياً وأربعمائة سوري. لقد تم تسجيل كل السوريين كلاجئين بينما لم يتم تسجيلنا نحن. هذا يعني أننا لا قيمة ولا وجود لنا في لبنان. على كل حال، نحن لا نريد الاستقرار هنا ولا نريد المساعدات ولا أي شيء. كل ما نريده هو أرض لجوء بعيداً عن هنا”.
وتختم ليبراسيون تقريرها بالتأكيد على أن فكرة العودة إلى العراق مستبعدة تماماً بالنسبة لهؤلاء المسيحيين الذين يُقتلعون من جذورهم منذ عقود في الشرق الأوسط. واليوم، لم يعد للعيش في الموصل سوى ستين عائلة فقط، معظمهم من الكبار في السن.. “لا يزال والداي يعيشان في العراق يوماً بيوم لأنهما لم يعودا قادرين على الرحيل”، تقول مريم بحزن وهي تقلّب صور منزلها المدمّر لتشرح لماذا لم يعد أمر العودة إلى مسقط رأسها ممكناً بالنسبة لها ولعائلتها. وتضيف: “نحن المسيحيون لم يعد بإمكاننا العيش في العراق. نحن لم نعد ننتمي لهذه الأرض، وإنما إلى المسيح في السماء”، بحسب تعبيرها.
