الفرقة الرابعة والفيلق الخامس.. صراع إيراني روسي بأيادي سورية

الفرقة الرابعة والفيلق الخامس.. صراع إيراني روسي بأيادي سورية

(الحل) – منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011 كانت وسائل إعلام النظام تُمجد بطولات “الجيش السوري” باعتباره قوة وطنية موحدة تدافع عن سوريا ووحدة أراضيها، وتتهم المعارضة بتعدد أجنداتها وولاءاتها الإقليمية والدولية، لكن هذه الحالة “الفريدة” كما يسميها النظام لم تدم طويلاً، بعد التدخل الإيراني والروسي، ودخول عشرات المليشيات المتعددة الولاءات، حيث بدأت تتكشف معالم الصراع الذي كان خفياً بين هذه المليشيات وجسم النظام ذاته، تبعاً لأجندات الدول التي تدعمها.

وبدأت معالم الصراع “الإيراني الروسي” من خلال أدواته العسكرية على الأرض تتكشف منذ نهاية العام 2018، بعد الاشتباكات التي دارت بين “الفرقة الرابعة” المدعومة إيرانياً، و “الفيلق الخامس” المدعوم روسياً في منطقة سهل الغاب بريف حماة، وامتدت إلى مناطق عدة في الساحل السوري، ناهيك عن حالة التخبط في السيطرة على الجنوب السوري وسباق استمالة “فصائل التسويات” بين القوتين، وذلك في سبيل فرض أمر واقع جديد داخل سوريا من خلال تلك القوى والتأسيس لمرحلة جديدة.

صراع النفوذ
تم الحديث عن الاقتتال بين الفيلق الخامس والفرقة الرابعة لأول مرة في شهر كانون الأول عام 2018، وذلك على خلفية طلب روسيا بنشر قوات الفيلق الخامس في مناطق الاشتباك مع المعارضة بريف حماة والساحل وإبعاد الفرقة الرابعة المدعومة إيرانياً من المنطقة، حيث تلاها اشتباكات عنيفة بين وراح ضحيتها العشرات من الطرفين.
لكن مدير البحوث في “المركز الفرنسي للبحث في مجال الاستخبارات” آلان رودييه نشر تحليلاً أكد فيه أن الخلاف العسكري الروسي الإيراني يعود لشهر تشرين الثاني 2016، على خلفية مقتل اللواء في قوات النظام “عصام زهر الدين” بانفجار لغم، حيث اتهمت روسيا إيران بالوقوف خلف مقتله، بعد أن قاد قوات النظام في معارك السيطرة على دير الزور، باعتباره رجل روسيا في المنطقة، وهو ما لم يعجب إيران التي تعتبر دير الزور ضمن مناطقها الاستراتيجية التي تدخل في مشروع “الهلال الشيعي”، حيث عمدت بعد مقتل زهر الدين إلى استمالة عناصره وضمهم في صفوفها”.
بدوره، يرى المحلل العسكري “اسماعيل خلاوي” في تصريح لموقع الحل أن “الصراع العسكري الإيراني الروسي في سوريا بدأ مع بروز اسم (سهيل الحسن) والدعم اللامتناهي الذي تقدمه روسيا له ولقوات النمر التي يشرف عليها، إضافة إلى الفيلق الخامس، وتبعيته الكاملة لقاعدة حميميم الروسية متمرداً بذلك على قرارات القيادة في سوريا، وهو ما زاد العداء مع ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة الذي اتجه في ولاءه لإيران لضمان بقاء نفوذه في أي مرحلة انتقالية مقبلة”.
وأضاف خلاوي أن “القوات الموجودة على الأرض لا يمكن أن تقوم بقصف بعضها البعض دون أوامر من مرجعياتها العليا (روسيا وإيران)، وهذه المرجعيات تحاول فرض وقائع على الأرض من خلال أدواتها المحلية”.

خلافات المعابر في الشمال
بحسب اتفاقات “أستانا” وتحديد مناطق النفوذ، من المفترض أن تكون نقاط المراقبة التركية داخل إدلب والشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة، فيما تنتشر القوات الروسية والفيلق الخامس على حدود منطقة خفض التصعيد، لكن هذه المعادلة لايمكن إتمامها مع وجود عناصر الفرقة الرابعة التي تسيطر على نقاط التماس والمعابر، منذ أكثر من عامين وتدر عليها أموال طائلة، نتيجة الأتاوات والرسوم المفروضة على مرور الشاحنات ووسائل النقل بمختلف أشكالها.
وفي هذا الصدد يقول الناشط “عمر الحموي” لموقع الحل “كانت المعابر المتواجدة في الشمال السوري من طرف النظام تسيطر عليها قوات الفرقة الرابعة كقلعة المضيق ومورك، بالتعاون مع بعض المليشيات المحلية ويتم فرض الأتاوات على كل مايدخل ويخرج منها، وتشكل مورد أساسي لهم، لكن مع قدوم القوات المدعومة من روسيا ورفض الفرقة الرابعة بالخروج حصلت اشتباكات دامية بين الطرفين، كدليل على أن ما يحصل هو صراع نفوذ وولاءات، واستطاعت روسيا كسر الوجود الإيراني في المنطقة، بعد أن هددت بفتح معابر جديدة في حال رفض تسليمها لها”.
في حين يرى المحلل “اسماعيل خلاوي” أن “الأسباب المباشرة للمواجهات بين الفيلق الخامس و الفرقة الرابعة هي صراع على التمدد والنفوذ في بعض المناطق الاستراتيجية التي ترغب روسيا بالسيطرة عليها، على حساب إيران التي ترغب روسيا في خروجها من سوريا، وبالتالي إضعاف أذرعها العسكرية وتجفيف مواردها وسبل بقاءها، كما حصل في اشتباكات المعابر في الشمال السوري”.

حرب اغتيالات في الجنوب
سعت روسيا منذ بداية تدخلها العسكري في سوريا على إنشاء جسم عسكري داخل سوريا بعد توسع مناطق نفوذ المعارضة وخصوصاً في محيط العاصمة دمشق والمنطقة الجنوبية، فأعلنت عن تأسيس “الفيلق الخامس” اقتحام في تشرين الثاني عام 2016، وانخرط فيه عناصر “التسويات” وقادة المصالحات، وذلك بهدف خلق نوع من التوازن مع نفوذ المليشيات في المنطقة وخصوصاً “الفرقة الرابعة” المتمرسة على العمليات القتالية والتي تتبع في ولاءها إلى إيران بشكل مباشر، ما يشكل تهديداً على “اتفاق الجنوب” برمته بعد التفاهمات مع الجانب الإسرائيلي.
وكشفت مصادر محلية في “الجنوب السوري” لموقع الحل أن “الخلافات بين المليشيات التابعة لكل من إيران وروسيا بدأت تتكشف وتتسارع وتيرتها في الأشهر القليلة الماضية، من خلال سعي كل طرف (الفرقة الرابعة – الفيلق الخامس) لفرض رجالهما على قيادة المنطقة الجنوبية، ما أدى إلى عودة التوتر الأمني في الجنوب والاغتيالات والتصفيات العسكرية المعاكسة بين الطرفين ما يدفع إلى تفجير الوضع بينهما”.
وأضافت المصادر أن “روسيا تعمل على تقييد نفوذ الفرقة الرابعة في الجنوب السوري، التي تنتشر حواجزها ولازالت تقوم بعمليات الاعتقال وتفرض الأتاوات على السكان، وهو ماحصل عندما أخرجت الشرطة العسكرية الروسية لعناصر الفرقة الرابعة من مدينة درعا، واعتقال اثنين من قياديين الفرقة الرابعة وهما محمد الصطوف، وشادي بجبوج المحسوبين على إيران الشهر الماضي”.

ما مستقبل الصراع؟
تشير جميع التحليلات السياسية إلى أن حالة الصراع الإيراني الروسي داخل سوريا لن تكون عابرة، بل تعتبر حالة الولاءات العسكرية ودعم كل طرف لفصيل ومليشيا عسكرية لتحقيق أهدافها مؤشر على وجود صراع حقيقي بين الطرفين لزيادة نفوذ كل طرف على حساب الآخر، اعتماداً على التشكيلات العسكرية السورية التي يدعمها كل طرف على حدى، خصوصاً مع تراجع نفوذ المعارضة عسكرياً واقتصاره على شمال سوريا، وبالتالي تحاول كل من روسيا وإيران فرض أجنداتها على الأرض السورية من خلال أدواتها المحلية، التي ستتحول إلى حالة من الاقتتال فيما بينها إذا مارفضت إيران خروجها من سوريا تنفيذاً لرغبة المجتمع الدولي وبتشجيع من موسكو التي تتطلع لدور بارز في مستقبل سوريا.

أسامة مكية

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات