إعادة تعويم الأسد: كيف ستتعامل القوى الكردية السورية مع عودة دمشق إلى الساحة الدولية؟

إعادة تعويم الأسد: كيف ستتعامل القوى الكردية السورية مع عودة دمشق إلى الساحة الدولية؟

إعادة تعويم الأسد باتت عبارة متداولة بشدة بين المهتمين بالشأن السوري. خاصة بعد الاتصال الهاتفي، بين العاهل الأردني عبد الله الثاني والرئيس السوري بشار الأسد. وتصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عقب استقباله الأسد بموسكو، في زيارة غير معلنة، منتصف أيلول/سبتمبر الفائت: «تسيطر الحكومة السورية الآن على 90% من أراضي البلاد».

كلام بوتين هذا صنفته وسائل إعلام تابعة للمعارضة السورية بوصفه «تضليلاً». لأنه يجمع بين المساحة التي تسيطر عليها الحكومة السورية وحلفاؤها، والبالغة 63.38% من البلاد. والمساحة التي تسيطر عليه الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي تقدّر بـ26% من الأراضي السورية. ما يشير إلى أن بوتين يعتبر مناطق سيطرة الإدارة خاضعة لسلطة حكومة دمشق. ويحاول استثمار هذا في إعادة تعويم الأسد.

وكذلك شدد بوتين على وجود «إرهابيين يواصلون ترويع المدنيين في بعض الجيوب». في إشارة إلى إدلب ومناطق سيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا. والتي تبلغ 10.98% من مساحة سوريا، بحسب مواقع متخصصة بالنزاع السوري.

لكن التناقض مع المعطيات الميدانية في كلام الرئيس الروسي لا ينفي أنه يأتي في ظل بروز توجه دولي حول الملف السوري. قد يسفر عن إعادة تعويم الأسد حقاً. و يجرّ بعده تغييرات على الخرائط الميدانية تباعاً.

 

«إقرار أميركي بإعادة تعويم الأسد»

في هذا السياق يرى الكاتب والمحلل السياسي “أحمد الدرزي” أن هناك «إقراراً أميركياً بالحاجة إلى دمشق. وضرورة فرض الحكومة السورية سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية. بما في ذلك مناطق شمال وشرق سوريا. وبالتالي إعادة تعويم الأسد». وهذا الإقرار، بحسب رأيه، «يتفق مع  كلام الرئيس الروسي عن استرداد دمشق لـ90% من الجغرافيا السورية».

ويتابع “الدرزي”، المقيم في دمشق، في حديثه لموقع «الحل نت»: «النظام السياسي في دمشق أصبح مطلوباً لذاته. في إطار المساعي لتهدئة الأوضاع في غرب آسيا وشمال إفريقيا. وذلك بعدما استطاع، مع حلفائه في موسكو وطهران، ومن خلفهما بكين، إفشال مشروع واشنطن لبناء نظام إقليمي جديد. كان سيخدم مصالحها قبل الانتقال إلى مواجهة الصين. وتبعاً لذلك فإن الإدارة الأميركية الجديدة تعاطت مع مسألة تواجدها في غرب آسيا من منظور جديد. يقتضي تقليص تواجدها هناك. بعد انخراطها المكلف في المنطقة على مدى عقدين. وضمن هذه الصورة الواسعة يمكننا أن نقرأ إعادة تعويم الأسد».

ما يقوله “الدرزي” هنا له ما يدعمه من مؤشرات. منها حدوث تغييرٍ في الموقف العربي تجاه دمشق. وميلٍ لإعادة تعويم الأسد، يشمل دولاً كانت من أكثر الداعمين للمعارضة خلال سنوات الأزمة. مثل السعودية والإمارات. وكذلك الأردن، الذي نجح ملكه مؤخراً في تسويق مشروع جرّ الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا. ودفع الرئيس الأميركي جو بايدن للقبول بتخفيف قيود قانون قيصر على بلاده.

ولكن ما انعكاسات هذه التوجهات الدولية الجديدة على شرق الفرات؟

 

«إعادة التعويم هي أسوأ السيناريوهات»

المعارض السوري “كبرئيل موشيه كوريه”، مسؤول مكتب العلاقات الخارجية في “المنظمة الآثورية الديمقراطية”، يستبعد «احتمالية عودة سيطرة حكومة دمشق على شرق الفرات. على الأقل في المدى المنظور أو المتوسط. حتى لو تمت إعادة تعويم الأسد».

ويبرر “كوريه” وجهة نظره، في حديثه لموقع «الحل نت»، بالقول: «لا توجد تفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا حول منطقة شرق الفرات. وأولويات روسيا اليوم تتركز على مناطق إدلب».

ويصف المعارض السوري عودة الحكومة السورية للسيطرة على شمال وشرق سوريا بـ«أسوأ السيناريوهات. لأن حكومة دمشق عاجزة عن إدارة الأمور. كما أنها لم تتخل عن عقليتها الثأرية في تعاطيها مع المعارضين».

“كوريه”، وهو عضو اللجنة الدستورية عن المعارضة السورية، يقول إن «المسؤولين الأميركيين يؤكدون دائماً. في وسائل الإعلام كما في اللقاءات مع مسؤولي الإدارة الذاتية. على بقاء القوات الأميركية في المنطقة من أجل محاربة داعش. ومن أجل الوصول إلى حل سياسي وفق القرار 2254. وهذه التأكيدات تتعارض مع فكرة إعادة تعويم الأسد في شرق الفرات».

بدوره يرى “عبد الله كدو”، ممثل المجلس الوطني الكُردي في الهيئة السياسية للائتلاف السوري المعارض، أن «مصير منطقة شرق الفرات، كما عموم الأراضي السورية، يحدده بالدرجة الأساس التوافق الأمريكي-الروسي. الذي يرتبط به الموقف التركي أيضاً».

إلا أن “كدو” يشير إلى أن «الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان أعاد إلى الأذهان خطورة الموقف في شرق الفرات. خاصة و أن الأميركيين سبق وأن انسحبوا في خريف عام 2019. ما يجعل الحديث عن إعادة تعويم الأسد يطرح أسئلة جدية عن مستقبل المنطقة».

ويؤكد السياسي الكردي في حديثه لـ«الحل نت»: «وجود ضغوط روسية على الحكومة السورية للدخول في حوار مع قوات سوريا الديمقراطية. والوصول إلى تفاهم يقضي بإدماجها في مؤسساتها العسكرية. حتى تتمكن موسكو من مطالبة واشنطن بالانسحاب من شرق الفرات. إضافة إلى تجنّب التهديد التركي المستمر للمنطقة، بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني واستطالاته. وكل هذا يصبّ في مصلحة إعادة تعويم الأسد».

 

عودة الأسد أم نجاح الحوار الكردي-الكردي؟

من جهته يعلّق “صالح مسلم”، الرئيس المشترك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي، لموقع «الحل نت»، على مسألة إعادة تعويم الأسد. رابطاً عودة الحكومة السورية إلى شمال وشرق سوريا بـ«تغييرها لذاتها». مضيفاً أن «هذا الأمر ممكن فقط بالحل السياسي، الذي لن يكون له علاقة بالقوى الخارجية. بل بقرار المكونات السورية».

في غضون هذا ما يزال سياسيون كرد يتحدثون عن «استمرار المساعي الأميركية لاستئناف الحوار الكردي- الكردي. بين المجلس الوطني الكردي وأحزاب الوحدة الوطنية الكردية في القامشلي. المتوقف منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2020».

الجديد في الأمر أن “صالح كدو”، عضو لجنة التفاوض عن أحزاب الوحدة الوطنية الكردية، أفاد لموقع «الحل نت» الأسبوع الفائت، أن «الراعي الأميركي للحوار أعلم الطرفين بضرورة إنهاء المفاوضات خلال شهر. وإلا فإنه سيضطر لفرض حل من جانبه».

لكن مصدراً من وفد المجلس الوطني، رفض الإفصاح عن اسمه، أفاد لـ«لحل نت»، الخميس الماضي، أن «لا جديد في موضوع استئناف الحوار بين الطرفين. منذ التهديد الأميركي الأخير لهما».

ضمن هذا السياق يرى “عبدالله كدو” أن «أميركا تفضّل نجاح الحوار الكردي-الكردي. وتفاعل الجسم الكردي الناتج عنه مع المعارضة السورية، التي تهدف للحد من النفوذ الإيراني في سوريا. الأمر الذي يهم أميركا، كما يناسب تركيا أيضاً. بغض النظر عن أي حديث عن إعادة تعويم الأسد».

ويُحَّملُ “كدو” حزب الاتحاد الديمقراطي مسؤولية إنجاح الحوار من عدمه. قائلاً: «يبدو أن الحوار الكردي يصطدم بشرط فك ارتباط وحدات حماية الشعب مع حزب العمال الكردستاني. وشرط قبول الشراكة العسكرية مع المجلس الوطني الكردي».

من جهته يتهم “مسلم” المجلس الوطني الكردي بـ«تمرير السياسات التركية». كما يذهب إلى أن «الدعوة إلى وحدة الصف الكردي يمكن أن تكون ذريعة لدى بعض الأطراف. لتمرير أجندات ليست لمصلحة الشعب الكردي».

ويوضح مسلم أن «الحكومة السورية، منذ انتفاضة القامشلي عام 2004، كانت تقول للكرد: توحدوا وسنلبي مطالبكم. والائتلاف المعارض اليوم يردد الكلام نفسه. لكن هذه القوى تتفق، رغم اختلافاتها، على عرقلة الوحدة الكردية».

ويضيف: «كل من يتعامل مع سوريا يعرف مركز الثقل فيها، وخاصة في شرق الفرات». في إشارة منه إلى قوات سوريا الديمقراطية، ومجلس سوريا الديمقراطية، مظلتها السياسية .

 

ما خيارات شرقي الفرات في حال إعادة التعويم؟

اللافت، في سياق الحديث عن إعادة تعويم الأسد، أن “إلهام أحمد”، الرئيسة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، كانت قد عبّرت عن «استعداد المجلس للحوار مع دمشق. للوصول إلى تفاهمات حول مصير سوريا بالكامل». كما عبّرت عن أملها في أن «تتعاون واشنطن وموسكو بخصوص هذا الحوار».

وحذّرت من «محاولات إعادة تدويل النظام، وتفعيله مرة أخرى». في إشارة إلى إعادة تعويم الأسد. واصفة ذلك بأنه «سيكون كارثة».

وتعليقاً على هذا يرى “أحمد الدرزي” أنه «في حال تمت إعادة تعويم الأسد فإن الخيارات المتاحة أمام الإدارة الذاتية تبدو محدودة. لمنع عودة الأمور إلى ما كانت عليه ما قبل عام 2011».

ويضيف: «الخيار الوحيد المتاح هو التركيز على توسيع مفهوم الإدارة المحلية. والتنمية المتوازنة. وتفعيل مفهَوم المواطنة السورية. والحرص على التنوّع الثقافي تحت سقف الهوية الوطنية السورية».

بالمقابل يقول “كبرئيل موشيه كوريه”: «إذا أردنا تلافي الآثار السلبية لإعادة تعويم الأسد فعلى القوى السياسية في شرق الفرات أن تعمل حالياً على دفع الحوار الكردي-الكردي. وفتح حوارات بين كل المكونات. وإعادة هيكلة الإدارة القائمة، بحيث تستوعب التعبيرات السياسية لكافة المكونات. وإنشاء نوع من الحوكمة والديمقراطية».

ويرى كوريه أن «الأهم هو الاهتمام بالوضع الاقتصادي والخدمي. ما قد يضمن وجود شبكة أمان اجتماعي لكافة المواطنين».

مختتماً حديثه بالقول: «من شأن هذا التوجه أن يخفف من حدة الاحتقان والتوتر في المنطقة. وقد يقطع الطريق على تدخلات أخرى في مناطق شمال وشرق سوريا. مع تقدّم عملية إعادة تعويم الأسد».