قضية اللاجئين الأوكرانيين: هل فضح الترحيب بالهاربين من الغزو الروسي “عنصرية الغرب”؟

قضية اللاجئين الأوكرانيين: هل فضح الترحيب بالهاربين من الغزو الروسي “عنصرية الغرب”؟
أستمع للمادة

أثارت قضية اللاجئين الأوكرانيين، التي بدأت مع الغزو الروسي لأوكرانيا، كثيرا من الجدل، حول تمييز أوروبي مفترض بين اللاجئين، ومعاملة خاصة للاجئين الأوكرانيين البيض، في مقابل كثير من العنصرية والانتهاكات بحق اللاجئين الوافدين من خارج أوروبا.
وقدّرت المفوضية العليا للاجئين عدد الأوكرانيين، الذين اضطرتهم ظروف الحرب لمغادرة بلدهم، بأكثر من مليون ونصف المليون لاجئ. أغلبهم وصل إلى بولندا ومولدافيا، فضلا عن ألمانيا، وسط موجة تعاطف كبيرة مع القضية الأوكرانية، وعقوبات اقتصادية قاسية على روسيا.
على الصعيد الإعلامي خرجت، في الأيام الأولى لموجة اللجوء الأوكرانية، أصوات إعلامية وسياسية، تتحدث عن فروقات بين اللاجئين الأوكرانيين واللاجئين الآخرين، “الشرقيين” أو “المسلمين”. حتى أن البعض، مثل الصحفي الفرنسي فيليب كوربي، قام بوصف الأوكرانيين بـ”النازحين الحضاريين، الذين يتشابهون مع الأوروبيين بالشكل والمعتقدات. وليسوا كاللاجئين السوريين”.
بعض السياسيين الأوربيين شاركوا بالتصريحات العنصرية، فقد صرّح رئيس الوزراء البلغاري كيريل ببيتكوف أن “اللاجئين الأوكرانيين ليسوا من اللاجئين الذين اعتادت عليهم أوروبا. هؤلاء أناس أذكياء ومتعلمون، وبعضهم متخصصون في تكنولوجيا المعلومات، وهم مؤهلون تأهيلا عاليا”. وأضاف: “هذه ليست موجة لاجئين اعتدنا عليها. فقد كنا لا نعرف ماذا نفعل مع أناس لديهم ماض غامض، كأن يكونوا إرهابيين مثلا”.
فهل يمكن الحديث عن عنصرية أوروبية أصيلة ضد غير الأوروبيين، فضحتها قضية اللاجئين الأوكرانيين؟ أم أن هنالك مبالغة في استقبال وتأويل مثل تلك التصريحات؟

“لماذا يضع اللاجئون السوريون أنفسهم دوما في مرمى الاستهداف؟”

قضية اللاجئين الأوكرانيين أثارت تفاعلا كبيرا بين بعض السوريين والعرب، خاصة اللاجئين في أوروبا، الذين رأوا في التصريحات حولها إهانة لهم ولمعاناتهم. بينما قال عنها آخرون إنها تعبر عن حالة طبيعية من التضامن، طالما أنها بين شعوب أوروبية، تعيش ضمن نطاق جغرافي وثقافي متقارب.
 محمود أبو راس، مصور سوري يعيش في الدنيمارك، يرى أن التضامن الذي أثارته قضية اللاجئين الأوكرانيين “حالة طبيعية، ومن الطبيعي أيضا أن يكون التضامن الأوروبي أعلى مع الأوكرانيين”.
مضيفا في إفادته لـ”الحل نت”: “لا أرى مشكلة أو عنصرية في التضامن الأوروبي مع الأوكرانيين. هم جميعهم أوروبيون فعلا، ومن الغريب أن يتم استنكار هذا التفاعل بين أبناء فضاء جغرافي وحضاري واحد، وتحويل القضية إلى عنصرية وتمييز. الغريب أن تتم المقارنة من الأساس. وأن نضع أنفسنا في مرمى الاستهداف والنقاش دوما. الغرب استقبل السوريين وغيرهم على مدى سنوات. لماذا يتناسى الجميع كيف فتحت أوروبا أبوابها للاجئين؟”.
من جهته يقول محمد عمران، وهو متطوع في إحدى المنظمات العاملة مع اللاجئين في تركيا، إن “العنصرية والمناطقية سائدة بين السوريين أنفسهم، فكيف نعتب على الغريب؟” حسب تعبيره.
ويتابع في حديثه لـ”الحل نت”: “نحن أنفسنا نعاني من العنصرية، بين المدن والأرياف والألوان والطوائف. فكيف لنا أن نلوم العالم على شيء نمارسه يوميا في حياتنا؟ أرى أنه لا يحق لمن يمارس العنصرية أن ينتقد عنصرية الآخرين. بالتأكيد توجد خطابات عنصرية في الغرب، برزت في التفاعل مع قضية اللاجئين الأوكرانيين، لكن علينا في البداية أن نعالج مشكلة العنصرية لدينا”.

مقالات قد تهمك: 4 سيناريوهات قد ينفذها بوتين بعد غزوه لأوكرانيا

“هنالك تمييز واضح في قضية اللاجئين الأوكرانيين”

في المقابل تبدي سارة، وهي فنانة تشكيلية سورية مقيمة في فرنسا، اكتفت بذكر اسمها الأول، رأيا معاكسا، وترى أن “المشكلة تكمن فيمن يبرر، أو يحاول تفسير تصريحات الإعلام والسياسيين الغربيين بخصوص قضية اللاجئين الأوكرانيين. لا أفهم سلوك أولئك الذين يدافعون عن أفعال وردود أفعال الشعوب الغربية. بينما هم غير مستعدين لأن يتغاضوا عن خطأ واحد من أبناء بلدهم”.
وتتابع في حديثها لـ”الحل نت”: “الخطاب العنصري لاقى استنكار كثيرين، بمن فيهم شريحة واسعة من الشعوب الغربية. فلم نلقي اللوم دوما على أنفسنا؟”.
وتشرح  سارة الاختلاف في خطاب الإعلام الغربي تجاه اللاجئين، بين أزمة اللجوء في العام 2015، وقضية اللاجئين الأوكرانيين اليوم: “لا يمكن نكران أنه تم استقبال أعداد كبيرة جدا من السوريين في أوروبا. لكن هذا لا يعني أنه من الخطأ الإشارة إلى التمييز والخطابات العنصرية بحقهم. فيما يتعامل الإعلام الغربي بكل أريحية وتعاطف مع اللاجئين الأوكرانيين، ويبيّن تشابههم مع بقية الشعوب الأوروبية”.
وتختتم حديثها بالقول: “لم يمض وقت طويل على معاناة الهاربين على الحدود البيلاروسية البولندية. هناك من قضوا على الحدود ودفنوا هناك، ولم نر أحدا يحزن من أجلهم. فيما تثير قضية اللاجئين الأوكرانيين كل التعاطف في الغرب”.

استنكار غربي للتمييز ضد اللاجئين غير الأوروبيين

لم تقتصر حملات استهجان التعامل الإعلامي مع قضية اللاجئين الأوكرانيين على المستوى العربي فقط. بل شملت أيضا شخصيات عالمية شهيرة، مثل الممثلة الأميركية أنجيلينا جولي، وهي حاليا المبعوثة الخاصة لمفوضية اللاجئين. والتي ذكّرت، أثناء زيارتها الأخيرة إلى اليمن، بمعاناة اللاجئين حول العالم من كل الجنسيات. مؤكدة أن “جميع اللاجئين يستحقون معاملة وحقوقا متساوية”.

وفي هذا السياق تقول سيلينا دي فاليث، الباحثة الإسبانية في شؤون المهاجرين بجامعة دي كتالونيا في برشلونة، إنه “من المعيب أن تصدر مثل تلك التصريحات العنصرية من الإعلام الغربي. وأنا أشعر بالخزي من بعض الأصوات، التي تخرج من الساسة الأوروبيين، وفي إسبانيا تحديدا. فبينما نعمل على انتزاع حقوق للاجئين هنا، تتصاعد مثل تلك الأصوات الشعبوية، التي تلقى رواجا مع الأسف”.
وتبدي السيدة دي فاليث، في حديثها لموقع الحل نت، تفهّمها لشعور كثير من اللاجئين السوريين: “أقدّر الغضب من الخطابات العنصرية المتزامنة مع قضية اللاجئين الأوكرانيين. وأنا مع من يرفضونها، فهي معيبة وغير أخلاقية، ولايجب أن تصدر عن إعلام يرى نفسه حرا. فهي خطابات تحض على التمييز والكراهية، وتعتبر تحريضا ضد اللاجئين غير الأوربيين. وأستغرب كيف يتم السماح، بل والترويج في بعض الأحيان، لمثل تلك الأصوات”.
وردا على سؤال الموقع حول طريقة مواجهة هذه النوعية من الخطابات العنصرية أجابت دي فاليث:  “أتمنى أن تقوم المنظمات الداعمة لحقوق الإنسان، مثل  أمنيستي وهيومان رايتس ووتش ومفوضية اللاجئين، بجهود جدية في مواجهة هذه الخطابات التحريضية. بالتأكيد أنا مع قضية اللاجئين الأوكرانيين، وأتمنى أن يُعطوا كل أنواع الرعاية، لكن دون أن يكون هذا على حساب لاجئين آخرين. وكنت أتمنى لو تضامن الغرب مع سوريا واللاجئين السوريين بشكل مشابه لتضامنه مع الأوكرانيين اليوم، إلا أن هنالك تمييزا واضحا بين الحالتين. إنه أمر مؤسف حقا”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات