“المكدوس” خارج قائمة الأكلات الشعبية في سوريا.. “الإندومي” على نفس الطريق!

“المكدوس” خارج قائمة الأكلات الشعبية في سوريا.. “الإندومي” على نفس الطريق!
أستمع للمادة

“مونة المكدوس انتهت قبل بدء الشتاء”، يؤكد أنس غزاوي (أب في عائلة مكونة من سبعة أفراد يعيش في دمشق)، الذي لم يستطيع تموين سوى كمية قليلة جدا من المكدوس، التي انتهت بعد أسبوع فقط من تموينها وتحضيرها.

تراجع الإقبال

غلاء الأكلات الشعبية ومواد صنع “مونة الشتاء“، ساهم بشكل كبير في تراجع الإقبال على المونة، التي اعتاد السوريون تحضيرها للاستهلاك الشتوي، كالمكدوس والجبنة والملوخية والفليفلة وغيرها من الأكلات.

ويقول غزاوي، في حديث لـ“الحل نت“: “لم أستطع تموين سوى 5 كيلو من المكدوس، كنا قد اعتدنا على تموين 25 كيلو، لاستهلاكها على مدار عام كامل، لكن أسعار الباذنجان والزيت هذا الموسم، كانت مرتفعة عدّة أضعاف، ولا تتناسب أبدا مع دخلي المتوفر من عملي كسائق تكسي“.

“المكدوسة بألف ليرة” يشير غزاوي، بعد أن أجرى حسبة بسيطة على تكلفة “مونة المكدوس” التي صنعها في المنزل، ويزيد قائلا: “عائلتنا ستُحرم من طبق المكدوس اليومي على مائدة الفطور خلال الشتاء، وربما ليس المكدوس فقط، بعد أن ارتفعت أسعار معظم مواد المونة هذا العام“.

يُعد الزيت من المواد الأساسية لصنع المكدوس، وبعد أن استبدلت العائلات السورية زيت الزيتون، بالزيت النباتي لصنع المكدوس، ارتفعت أسعار الأخير إلى أرقام غير مسبوقة، حيث وصل سعر اللتر منه إلى 14 ألف ليرة سورية، بعد أن كان لا يتجاوز 10 آلاف قبل شهرين.

عبارة الصيدلاني وليد دالاتي، المنحدر من مدينة دمشق، “يسقط المكدوس قاتل الفقراء”، كانت من أبرز الردود التي لاحقت رواجا على موقع “فيسبوك” خلال الأيام القليلة الماضية، خصوصا وأن جميع التعليقات على ارتفاع سعر الزيت في سوريا، أقرت بأن” 99 بالمئة، من الشعب السوري لم يموّن المكدوس” بسبب غلاء الأسعار، فيما كانت العبارة التي شهدت تفاعلا أوسع، هي للمنحدر من مدينة طرطوس، خضر علوش، والتي قال فيها، “ترقبوا القادم، موسم المونة لسا ما بدأ“.

عضو لجنة مصدّري الخضراوات والفواكه في سوق الهال محمد العقاد، صرح في وقت سابق، أنه “لا يوجد إقبال على تموين المكدوس هذا العام، فالقوة الشرائية شبه معدومة، ففي مثل هذه الأيام كانت السيارات الخاصة تملأ سوق الهال لشراء الباذنجان والفليفلة بالجملة، أما اليوم فأغلب المواطنين باتوا يقومون بشراء كيلو واحد فقط من محلات السمانة القريبة من منازلهم كنوع من الشهوة“.

تطمينات حكومية بلا جدوى

ورغم تسعيرة وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، للتر الزيت بـ12600 ليرة سورية قبل أيام، وإصدارها العديد من النشرات السعرية للمواد الأساسية، يعتقد غزاوي، أن التطمينات الحكومية لا جدوى منها، بالنظر إلى ما يحدث بالأسواق.

قد يهمك: السرقة بعشرات المليارات في سوريا.. والمصارف تسحب الأموال من جيوب أصحابها

ويعزز حديثه بالقول: “ما فائدة هذه التطمينات إذا لم تنعكس على حياة المواطن، الوضع يزداد سوءا، العام الماضي كنا نستطيع على الأقل تخزين بعض المونة للشتاء، هذا الموسم الأسعار لا تُصدق بالفعل“.

الإندومي بخبر كان؟

غلاء أسعار المواد الاساسية شمل أيضا الأطعمة الشعبية، كالفول، والفلافل، والإندومي التي يعتمد عليها شريحة واسعة من السوريين في الطعام اليومي، كونها رخيصة نوعا ما وسريعة التحضير، إلا أن أنباء إغلاق معمل “الإندومي”، بعثر أوراق الكثير من العوائل والأفراد في سوريا.

“معقول حتى الإندومي ما عاد نحصلها” يقول محمد شيخ صالح، في حديثه لـ“الحل نت“، وهو طالب في الثالث الثانوي، اعتاد على تناول الإندومي في أيام الدوام المدرسي، بعد وصوله إلى المنزل، كونها وجبة خفيفة وسريعة التحضير“.

الإندومي، التي كان يعتمد عليها شيخ صالح، وغيره من السوريين، وكان الشعار المكتوب لإعلانها “وجبة البلد“، أصبح المعمل المنتج لها مهددا بالإغلاق، بعدما أعلن صاحب المعمل أيمن برنجكجي فعلا، عزمه إيقاف خط الإنتاج في معمل “الإندومي”، قبل أن يتراجع عن قراره.

وقبل أيام وبعد ساعات من إعلانه توقف المعمل، عاد برنجكجي، ونشر منشورا آخر أوضح فيه ما جرى، حيث كتب: “بلفتة كريمة من وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عمرو سالم الذي تواصل معنا فور سماعه بخبر توقف المعمل وطلب منا استمرار الإنتاج وبأنه سيعمل جاهدا معنا على تذليل المعوقات“.

وأضاف: “بدورنا نرحب بالتفاعل الإيجابي والسريع للسيد الوزير ونعِد المستهلكين بعودة الإنتاج بأقرب وقت ممكن”

ولفت إلى أن السبب الرئيسي للإغلاق هو “نفاذ المواد الأولية اللازمة للتصنيع وصعوبة تأمينها بين سندان العقوبات ومطرقة شح التمويل“.

شيخ صالح، الذي تحدث لـ“الحل نت” أكد أن ارتفاع أسعار الأكلات الشعبية، حرمه من شراء حتى السندويش من الأسواق، فأرخص سندويشة في الأسواق السورية اليوم، يتجاوز سعرها 2500 ليرة سورية.

وحول ذلك يضيف: “أنا أحصل على مصروفي من أبي، ويكاد لا يكفي سوى أجور المواصلات، وبعض الأيام لشراء سندويشة واحدة، الأسعار تختلف بشكل يومي، وترتفع بشكل أسبوعي، بشكل لا يمكن لمتوسط الدخل مواجهته“.

وبالعودة إلى مونة الشتاء، يبدو أن تراجع الإقبال على مونة المواد الغذائية هذا العام، سيبعثر أوراق السوريين في خططهم الغذائية للشتاء القادم، لا سيما وأن العائلات السورية اعتادت على تموين المكدوس، والجبنة، والشنكليش، والملوخية وغيرها، للاعتماد عليها بشكل رئيسي في وجبتي الفطور والعشاء وتحضير بعض الطبخات السورية.

تُعرف المونة، بأنها ما يدّخره المواطنون من قوت ومواد غذائية، ويسمى المكان الذي يتم حفظ المواد الغذائية بداخله بهدف التخزين، “بيت المونة“. والتموين في المنازل السورية ثقافة قديمة، تتعلق بأنواع من المأكولات المرتبطة بالتراث السوري، وتقوم على تخزين مواد غذائية موسمية بكميات كبيرة بهدف استخدامها خلال فترات أخرى من السنة.

يبدو أن معادلة “المونة” هذا العام مستحيلة الحل لدى معظم العائلات السورية، إذ يؤكد الغزاوي، الذي بدأنا التقرير بالحديث معه أنه: “فيما إذا أراد تخزين نفس كميات المونة التي اعتاد تخزينها قبل 10 سنوات، ربما يحتاج إلى 10 ملايين ليرة تقريبا، بالنظر إلى أسعار المواد اليوم“.

مع حلول العام الجديد 2022، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في سوريا سواء الخضروات، والفواكه، أو المواد التموينية، أو اللحوم أو غيرها. ويبدو أن العام الجديد جلب معه العديد من التغييرات في الاقتصاد السوري، ويمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى نتائج غير متوقعة على العائلات السورية خصوصا وأن أغلبها بات يُصنف ضمن الطبقة الفقيرة.

من جانبها تؤكد غادة آغا، أنها اضطرت إلى اختصار العديد من أصناف المونة هذا الموسم بسبب غلاء الأسعار، فاقتصرت المونة على المخلل، وبعض الملوخية.

وتقول لـ“الحل نت“: “ارتفاع الأسعار وغياب الكهرباء، حال دون إكمال مونة الشتاء، لا يوجد ما يكفي من المال لشراء مواد المونة، أو كهرباء لتخزينها على مدار العام، لا مكدوس، ولا جبنة، ولا فليفلة، اعتدنا على تموين هذه المواد سابقا بكميات تكفي لعام كامل، حتى زيت الزيتون الذي يُعد من أساسيات المونة لم نستطع تموينه بسبب الغلاء الفاحش“.

يبدو أن مشاريع تصنيع المونة بأصنافها المختلفة وجدت طريقها نحو أُسر وعائلات عديدة في محافظة طرطوس، لتشكل علامة فارقة في دخل تلك الأُسر التي أصبح اعتمادها في الدخل بالكامل على ما يمكن تقديمه من أفكار مختلفة للمونة لعائلات أخرى.

وكان ملفتا لقاء مجموعة من النساء، بدأن مشروعهن الخاص لتصنيع المونة بمختلف أصنافها وأنواعها، وتوزيعها للبيوت.

كالسيدة سامية خضر، التي بدأت مشروع المونة الخاص بها في منطقة حريصون ببانياس، وتقول لصحيفة “البعث” المحلية، إن إنتاجها للمونة بدأ منذ مدة طويلة عشرون سنة تقريبا، لكنها قامت مؤخرا بتطوير مشروعها بدعم وتعاون من هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبعض الأيادي البيضاء ليصبح وحدة تصنيع غذائي تُصدّر أصناف المونة المختلفة للكثير من العائلات الأخرى في محافظة طرطوس.

وتضيف سامية حول مشروعها: “نعمل في كل موسم بموسمه فمثلا لدينا اليوم موسم الباذنجان، أو المكدوس، وهو موسم المونة الأساسي، فنتعاقد مع مزارعين، أو نطلب بعض الخضراوات من تجار الجملة، ثم نقوم بسلق الباذنجان بكميات كبيرة، ونقوم بتلميعه، وكبسه بواسطة آلة خاصة، وبالنسبة للفليفلة نقوم بتنظيفها وتنشيفها وفردها على الأسطح، وفرمها وإضافة الملح والزيت وإرسالها الى زبائننا حسب الطلب“.

“المونة” طموح للعائلة السورية

معدلات التموين للعائلة السورية، تؤشر على المستوى الاقتصادي الفردي، الذي تدهور بشكل كبير ليصل بـ 90 بالمئة، من السوريين إلى خط الفقر، وذلك وفق دراسة أعدتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة “الأسكوا“، ونشرتها في أواخر العام الماضي.

وبات تموين الـ 60 كيلو زيتون، طموح أي عائلة، فبسبب ضعف القوة الشرائية، تحولت عادة تحضير المونة الشتوية إلى الرفاهيات بسبب الأسعار المرتفعة للخضروات مقارنة بالسنوات السابقة، خاصة في القطفة الأولى.

كما أن التقنين الكهربائي الذي تتبعه الحكومة، يشكل مشكلة كبيرة لغالب المواطنين في مختلف المحافظات السورية، حيث تصل ساعات التقنين في بعض المناطق إلى 20 ساعة، يوميا مقابل “لمعة واحدة“، في حين ينعم البعض في ساعات لا بأس بها من الكهرباء وسط تبريرات خاصة بالمياه، وغيرها من الخطوط المعفية لأسباب أخرى.

بيوت المونة، أصبحت خاوية وفقا لأغلب حديث من حاورهم “الحل نت“، حيث تتميز البيوت السورية ولا سيما القديمة، بوجود غرف مخصصة لتخزين المونة، أما المنازل التي بُنيت في عشرينيات القرن الماضي، فغالبا ما تحتوي سقيفة واسعة ملحقة بالمطبخ كمكان لحفظ الأغذية.

رواتب لا تكفي

يعتمد السوريون في مناطق سيطرة دمشق، على الإعانات الخارجية من أقاربهم وأصدقائهم من دول اللجوء لتغطية احتياجاتهم الأساسية بشكل شهري، وذلك بسبب ضعف القدرة الشرائية وانهيار الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها، في ظل الغلاء المستمر لأسعار مختلف السلع والمواد الأساسية.

يواجه السوريون في المناطق الخاضعة للحكومة السورية ،صعوبة في التغلب على أزمات ارتفاع الأسعار المتكررة، فبدأت العائلات السورية بحذف العديد من الأصناف الاستهلاكية من قائمة المشتريات الشهرية، بهدف التوفيق بين الدخل، والمصروف.

كذلك تقف مشكلة البطالة كإحدى أكبر المشكلات التي يعاني منها السوريون وخاصة في السنوات الأخيرة، لتشمل أيضا المحافظات والمناطق الواقعة تحت إدارة حكومة دمشق، حيث كشفت تقارير اقتصادية سابقة عن تراجع معدل النمو في سوريا إلى معدلات قياسية، مع ارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد إلى نحو 878 في المئة، ووصول معدل البطالة إلى 31.4 في المئة.

ونهاية أيار/مايو الماضي، كشف مدير “مكتب الإحصاء المركزي” السابق، شفيق عربش، أن معدل الفقر في سوريا بلغ 90 في المئة، بين عامي 2020 و2021، وفقا لإحصائيات رسمية لم تنشر نتائجها الحكومة السورية.

قد يهمك: الجميع قد يعرف الاقتصاد الأسود.. لكن ماذا عن الأصفر والبني والأزرق؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد