حسن أبو هنية: “تحرير الشام” في إدلب كـ “حماس” في غزة

حسن أبو هنية: “تحرير الشام” في إدلب كـ “حماس” في غزة
أستمع للمادة

لطالما كان تنظيم “داعش” والجماعات المرتبطة بـ”القاعدة” وغيرها من الحركات المتطرفة هم أبطال في أزمات اليوم الأكثر دموية، مما يعقد الجهود لإنهائها، حيث استغلوا الحروب وانهيار الدول والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واكتسبوا موطئ قدم جديد في إفريقيا وشكلوا تهديدا متطورا في أماكن أخرى.

تطور المنظمات الإرهابية، بعد عشرين عاما من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، والأيديولوجية التي تتبعها المجموعات المنسلخة عن التنظيم الأم للإرهاب، وصولا إلى كيفية استمرارها، يتحدث عنها في مقابلة خاصة مع “الحل نت”، الخبير في شؤون الجماعات الجهادية، والباحث غير المتفرغ في مؤسستي “فريدريش إيبرت” و”كونراد أديناور” وغيرهما من المؤسسات البحثية، الدكتور حسن أبو هنية.

استغلال الفوضى

بات من المرجح أن تكون الجماعات الجهادية العالمية والمصنفة “إرهابية” على سبيل المثال “تنظيم داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة، وتنظيم خراسان، وحراس الدين، والأوزبك، وغيرها”، أكبر تهديد عابر للحدود، وأكثرها استمرارا، فضلا عن كونها تهديدا في مناطقها الأصلية، فهل يستفيدون من أيديولوجية متماسكة تعد بتحقيق مستقبل لهم، من الهياكل التنظيمية، والقدرة على استغلال مناطق واسعة من الأراضي، لا سيما في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا؟

الجهادية العالمية وهو مصطلح بات يطلق على الحركات الجهادية التي لها نهج عالمي، أي لا تقتصر على مجرد الجهاد المحلي أو الإقليمي، وإنما تتوسع وتصبح أهدافها ذات طبيعة عالمية

وبالتأكيد ممثلي الجهادية العالمية اليوم هم تنظيم “القاعدة” وأبناؤه كتنظيم “داعش” الذي انشق عن “القاعدة” عام 2013 بعد أن تمرد الفرع العراقي للقاعدة أو ما كان يسمى آنذاك “دولة العراق الإسلامية”.

ويقول أبو هنية، إن كل المجموعات الجهادية في العالم حاليا هي منقسمة بين أيديولوجيا تنظيم “داعش” وأيديولوجيا “القاعدة”، فمنذ عام 2014 أصبح “داعش” أكثر جاذبية للأجيال الجديدة وهي أكثر راديكالية وأكثر تطرفا، سواء من خلال الأيديولوجيا عقيدة التنظيم أو على صعيد التكتيكات القتالية والإستراتيجية والتكتيكات العسكرية، وبالتالي هي الجهادية العالمية منقسمة بين هذين التنظيمين، وهناك قسم ثالث هو الجهادي المحلية التي تصرح بأنه ليس لها أهداف ذات طبيعة معولمة أو عالمية، وبالتالي لا تستهدف الغرب مثلا أو أوروبا وتقتصر على محليا، وأبرز ممثل لها تقريبا يعني حركة “طالبان” على سبيل المثال ومؤخرا “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا)، بينما يبقى تنظيمي “القاعدة” و”داعش” متمسكين بالدمج بين الأبعاد المحلية والأبعاد الإقليمية والأبعاد الدولية.

حاليا، أكبر تهديد عالمي هو الإرهاب العابر للحدود من قبل الجهادية العالمية. تاريخيا كانت هناك الحركات ذات الأيديولوجيا اليسارية أو بعض الحركات ذات الأيديولوجيا القومية اليسارية، كان لها أهداف أممية عالمية، لكن التنظيمات الحديثة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، تتصدر مؤشرات الإرهاب سواء مؤشر “السلام” في سيدني الأشهر أو في جامعة “ميريلاند” أو المؤشرات الأخرى، وبالتالي هي تمثل خطر على الأمن والسلم الدولي بطريقة أو بأخرى، كما شاهدنا أحداث العراق وتنفيذ هجمات عابرة للحدود في سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في أوروبا في فرنسا وفي بلاد عديدة.

هذه التنظيمات على مدى السنوات امتلكت خبرة على صعيد الأيديولوجيا، وأصبحت لها أيديولوجيا محددة وواضحة، ولها أيضا هيكل تنظيمي ومسيرين أيديولوجيين، وقدرة على التمويل الذاتي من مناطق السيطرة أو عن طريق العمل كمافيا من خلال فرض الإتاوات، وبالتالي هي لا تخلق الأزمات، بل هي تستغل الأزمات.

وإذا نظرنا إلى الحركات الجهادية العالمية الآن، سواء تنظيم “داعش” أو “القاعدة” في العراق في سوريا في الشرق الأوسط أو في إفريقيا أو جنوب آسيا، و”بوكو حرام” أو تنظيم ولاية غرب إفريقيا، وفي نيجيريا شمال شرق نيجيريا أو في مالي مثلا شمال مالي مع حركة “أنصار الدين”، وكذلك جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي”، هذه الحركات دائما هي تكون في الأصل محلية، لكنها في النهاية تذهب باتجاه هذه التنظيمات الجهادية العالمية وتقدم بيعة وهذه البيعة توفر لها أيديولوجيا جاذبة، وفي نفس الوقت التمويلات توفر لها أيضا.

خطوط اتصال مفتوحة

بالانتقال إلى تنظيم “داعش” والجماعات المرتبطة بالقاعدة و”بوكو حرام” وغيرها من الحركات المتطرفة هم أبطال في أزمات اليوم الأكثر دموية، مما يعقد الجهود لإنهائها؛ حيث استغلوا الحروب وانهيار الدول والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واكتسبوا موطئ قدم جديد في إفريقيا وشكّلوا تهديدا متطورا في أماكن أخرى. فلماذا تواجدت كل هذه التنظيمات بالرغم أنها فكريا ولدت من عقيدة واحدة، وما أسباب الاختلاف، وهل هذا الانقسام هو لتوسيع حضور العناصر أم الاختلاف كبير على المستوى الفكري.

بحسب جواب أبو هنية، فإن رحى هذه الاستفسارات تدور حول تعريف هذه الجماعات الإرهابية لـ “دار الإسلام ودار الكفر”، حيث يقول، “بوكو حرام” ضعفت كثيرا لأن سيطرة التنظيم الدولي أو ولاية غرب إفريقيا بعد مقتل أبو بكر شيكاو، وتولي أبو مصعب البرناوي زعامة التنظيم أصبحت هي الحركة التي تعمل في حوض بحيرة تشاد في شمال شرق نيجيريا، وهي تسيطر على مساحات كلها جماعات مرتبطة بـ”القاعدة”، وهم أبطال الأزمات كما قالت الأكاديمية والسياسية الأميركية ثيدا سكوتشبول، أن الحركات الثورية لا تخلق الأزمات إنما تستثمرها، وهذا ما ينطبق على الحركات الجهادية.

فحيثما تتبعت وجود دائما أزمات، فهذه الحركات الراديكالية تستثمر هذه الظروف، وبالتالي يصبح لها القدرة على الاستقطاب والتجنيد وجلب التبرعات والتمويل وترتيب عمليات وتبادل الخبرات، فهي دائما هي مرتبطة في القضايا المحلية أو المشاكل والأزمات الداخلية السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والإثنية، والعرقية. 

كل هذه الأزمات، بحسب أبو هنية، بسبب الصراعات الجيوسياسية أدت إلى زيادة هذه الحركات الراديكالية ومنها الجهادية العنيفة، ثم توسعت لتصبح ذات أهداف معولمة.

أما بالنسبة للخلافات بين هذه التنظيمات، فالجهادية بدأت بتبنيها العنف كطريق للتغيير في الأنظمة المحلية، كـ “حركة الجهاد” في مصر و”الجماعة الإسلامية”، لكن سرعان ما أصبحت هناك أيديولوجيا جديدة متوسعة من باب تعريف العدو من الصديق، وبالتالي توسيع دائرة الأعداء، وبالتالي تتوسع هذه الأيديولوجية وكذلك التكتيك الاستراتيجي، حتى وصلت للاشتباك مع الأنظمة المحلية والدمج بين البعدين المحلي والعالمي، والتي نتج عنها استخدام التكتيكات مثلا الانتحارية والتوسع بقتل المدنيين تحت بند هل هو مسلم أم هو غير مسلم، كافر، مبتدع.

الأجندة بعد انهيار “الخلافة”

بعد القضاء على مركزية تنظيم “داعش”، لا يزال مريديه ينتشرون على مستوى أكبر في أفغانستان وإفريقيا ومناطق متفرقة في البادية السورية، فكيف يتم تمويل هذا الوجود، لا سيما مع استمرار وجوده في إفريقيا، وهل يهدد أوروبا، أم لا تهديد إقليمي في ذلك، ويبقى مصطلح الذئاب المنفردة هو الرائج لهم.

هذا التنظيم منذ خسارته آخر جيب بمنطقة الباغوز بريف دير الزور في آذار/مارس 2019، مباشرة تحول أو انتقل من خلافة واقعية إلى خلافية افتراضية، وتحول مباشرة من نهج الحروب الكلاسيكية إلى نهج الحروب العصابات والاستنزاف، وتحول من تنظيم مركزي كان يدار بشكل مركزي من خلال أعلى هيئة قيادية الخليفة ثم اللجنة المفوضة وصولا مجلس شورى، إلى نهج حرب العصابات، وغير من هيكليته بطريقة أو بأخرى تتلاءم مع المرحلة الجديدة، وفق أبو هنية.

أصبح “داعش” يعمل بشكل لا مركزي، وحوّل الولايات من عسكرية إلى أمنية، وبدأ يعمل بشكل لا مركزي عبر خلايا، واقتصر في استخدام القوة عن طريق تكتيكات رخيصة كالكمائن والعبوات والاغتيالات، مستعيضا عن التكتيكات المركبة للعمليات الانتحارية والخماسية

لأنه حاليا ينشط في هذه المناطق المضطربة؛ أو ما تسمى مناطق الفراغ الأمني كالمناطق الصحراوية في العراق وسوريا وفي أفغانستان وفي إفريقيا.

هذا التنظيم تطور وأصبح مركز ثقل كبير للتنظيمات الجهادية، سواء “القاعدة” أو في غرب إفريقيا “ولاية غرب إفريقيا” في حوض بحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا، أو إمارة الصحراء والساحل التي تنشط في مالي في النيجر وتشاد وبوركينافاسو، وولاية وسط إفريقيا التي هي موزمبيق والكونغو، وولاية شرق إفريقيا في الصومال وكذلك ولاية سيناء في مصر.

ويشير أبو هنية، إلى أن التنظيم بالتأكيد يشكل تهديد، لأنه يسيطر على مساحات واسعة في هذه المناطق، وشن هجمات كبيرة شبه يومية في مناطق إفريقيا؛ وهو يعتمد على تمويل ذاتي، فعلى سبيل المثال جماعة الصومال هي تقريبا أغنى من الدولة، فتستطيع أن تسيطر على مناطق واسعة في جنوب وسط الصومال، وقادرة على صرف الثروات وتستثمر الموارد الموجودة بملايين الدولارات.

هذا لاحقا سيشكل تهديدا على أمن أوروبا بشكل أو بآخر، سواء كان عن طريق “الذئاب المنفردة” أو عن طريق خلايا، لأن كل هذه الجماعات لها جناح للعمل الخارجي، ففرق الذئاب المنفردة عبارة عن أشخاص تربطهم هناك صلات أيديولوجية، لكن بدون وجود روابط تنظيمية، وبالتالي هم أشخاص يتأثرون بأيديولوجية التنظيم وينفذون هجمات بناء على طلب التنظيم، وعليه قد نشهد بأوروبا لاحقا قيام بعض الهجمات.

مسارح الصراع التي قد ينتقل إليها المقاتلون

بالانتقال لسوريا والعراق، تنظيم “داعش” موجود ومستفيد فيها، ولكن بعد الحرب الطويلة عليه، ما مستقبل حضور التنظيم في سوريا لاحقا، خصوصا أنه يتنشر في طبيعة صحراوية كصحراء الأنبار والبادية السورية، وهل وجود هذه المجموعات ولو بشكل صغير عائد للحواضن الشعبية.

يعتبر أبو هنية أن حضور التنظيم لا زال في العراق وسوريا، على الرغم أن الأوضاع غير متشابهة بعد خسارة الرقة والموصل، وقد عمل التنظيم على فصل الولايات بتنظيم لا مركزي، وبالتالي فصل ولاية العراق عن ولاية ما يسميها الشام، وبدأ يعمل بطريقة لا مركزية أكثر، “إذا نظرنا إلى إحصائيات قاعدة بيانات الـ “بي بي سي” أو كل قواعد بيانات مؤشرات الإرهاب، فإنه يحافظ على شن هجمات ويحافظ على نسق من العمليات بالرغم أنها ليست كبيرة، باستثناء بعض الحالات أحيانا مثلا بعض الكمائن لقوات الجيش السوري أو روسيا”.

أيضا مع تراجع الاهتمام الدولي بمكافحة الإرهاب العالمي وانشغال المجتمع الدولي بقضية غزو روسيا لأوكرانيا، إضافة إلى مواجهة تداعيات كورونا وقضايا الإرهاب الداخلي والمناخ، تراجعت الحرب على الإرهاب العابر الحدود، وهذا جعل من هذه التنظيمات أيضا تعود بطريقة أو أخرى.

وبخصوص الحواضن الشعبية، هي ليس بالضرورة أن تكون مؤيدة لأيديولوجيا التنظيم، لأن التنظيمات تستثمر هذه الأزمات بسبب فشل وعجز مؤسسات الدولة سواء في سوريا أو العراق، فهناك طائفية واستقطابات إقليمية، بالإضافة إلى تدخلات إيران وتركيا، وهذا ما يجعل هناك بيئة خصبة للتنظيم عبر التجنيد والتعبئة، وبالتالي تُديم استمرارية التنظيم.

فرصة في الفوضى

كل المؤشرات تشير إلى تنامي للحركات الجهادية، مع تبدل أولويات الإستراتيجية، وبالتالي تتمدد هذه الجماعات تصبح أكثر سيطرة وأكثر قوة، فمثل “هيئة تحرير الشام” أو “النصرة” سابقا و”الحزب الإسلامي التركستاني”، هذه الحركات متنافسة، لكن تبدل الظروف تجعلها في صف واحد.

فـ “هيئة تحرير الشام” هي معادية لـ “القاعدة”، لأنها اشتبكت مع “حراس الدين” وكذلك مع تنظيم “داعش”، لكن مع تبدل الظروف الجيوسياسي، يصبح هناك رغم العداء الكبير بينها تنسيق على الأرض، خصوصا وأن هناك صلات شخصية وبعض الجوانب الأيديولوجية المشتركة، وبالتالي ما يحدد وجودها واستمرارها هي السياقات المحلية والسياقات الإقليمية والسياقات الدولية التي تؤثر على طبيعة توجهات هذه الحركات بطريقة يعني أو بأخرى، بحسب أبو هنية. 

وعمّا إذا كانت “تحرير الشام” باتت شبيهة بحركة “طالبان” الأفغانية، وأن إدلب بات يطلق عليها غزة سوريا، وكيف سيؤثر التقارب التركي السوري على مستقبل هذه الجماعة، يرى أبو هنية، أن “الهيئة” فعلا كحركة “طالبان”، لأنها تقول بأنها حركة سياسية وجهادية محلية، بمعنى لا يوجد لها أي أجندة لاستهداف الغرب أو استهداف دول الجوار الإقليمي، وبالتالي هي حركة ملتزمة تؤمن بالشريعة وتطبيقاتها منهجيا، وتؤمن بكل يعني القضايا العامة للجهاديين العالمية، ولكنها ملتزمة على الصعيد الاستراتيجي بعدم استهداف العدو سواء عالمي أو إقليمي أو دولي.

“هيئة تحرير الشام” رغم كل الخطوات التي أخذتها، لكن لا تزال تعرف أمميا وأميركيا وروسيا وحتى تركيا على أنها منظمة إرهابية، وبالتالي هي تشبه بطريقة أخرى الوضع في غزة مع سيطرة حركة “حماس”، أي منطقة داخل إقليم أو دولة تسيطر عليه مجموعة راديكالية أو جهادية مصنفة إرهابية.

ولكن هل يمكن مع ذلك تعويمها، على سبيل المثال حركة “حماس” حتى الآن لا يوجد أي محاولة جدية لاستبدالها ضمن حل، يعني عدلت من مشروعها السياسي الجديد وقدمت تنازلات كما حدث مع هيئة “تحرير الشام” أيضا قدمت تنازلات، لكن لا يوجد هناك حتى الآن أي اعتراف بـ “تحرير الشام” كحركة جهادية أو سياسية محلية، ولا أحد يأخذ كل هذه الحركات على محمل الجد، ولا يزال يتعامل معها كحركات إرهابية.

وبالتعريج عن استهداف “حراس الدين” الذي أعلن ارتباطه بـ “القاعدة” رسميا وانشق عن “الهيئة”، ذكر أبو هنية، أن قصة الخلاف قديمة وعميقة بين التنظيمين، فكل من “حراس الدين” و”الهيئة” كانوا جزء من “جبهة النصرة”، وعندما فكت ارتباطها “جبهة النصرة” في عام 2016 مع القاعدة وبدلت اسمها لجماعة “فتح الشام”، كان ذلك في البداية لأغراض دعائية لتجنب وصمة الإرهاب، وهذا خلق معارضين لهذا الجناح الراديكالي أو ما كان يسمى مجموعة “خراسان” المرتبطين بتنظيم “القاعدة” بشكل كبير وكانوا ضد فك الارتباط.

انفصال هذه المجموعة الراديكالية ولّد عداء، وأرادت “تحرير الشام” في إطار محاولة نيل نوع من الرضى الأميركي أو حتى الإقليم التركي كانت دائما تهاجم “حراس الدين”، “بالتالي الآن إذا أصبح هناك تقارب تركي سوري، باعتقادي لن تتخلى تركيا بسهولة عن هذا الوضع، وستتجه نحو إعادة تأهيل هيئة تحرير الشام وإثبات أنها حركة محلية ملتزمة بالشأن المحلي على خلاف حراس الدين التي لا تزال تتبنى أيديولوجيا تنظيم القاعدة”.

الأولوية والهويات المتطورة

“الحزب الإسلامي التركستاني” والذي روج إلى أن قدومه إلى سوريا من أجل الجهاد، هذه الجماعة بعد أن استوطنت مناطق عدة في سوريا ولها حكمها الذاتي بعيدا عن السوريين وكأنها أفغانستان مصغرة، كيف يصنفون على مستوى الجماعات الجهادية العابرة للحدود، وما هي ارتباطاتهم، هل حاليا بقائهم في سوريا مقصود أما ما هو مستقبلهم؟

ترجع قوة “الحزب الإسلامي التركستاني” داخل سوريا بنظر أبو هنية إلى ارتباطها بين القضايا المحلية والقضايا الدولية والإقليمية، لأن الحزب كان يصنف كحركة إرهابية، ولكن قبل سنة رفع من قوائم الإرهاب لارتباطهم بقومية الإيغور الصينية المضطهدة داخل الصين.

في إطار التنافس مع الصين أو العداء مع الصين، قد يتم انتقالهم، وهذا ما يجعل التعامل معهم أسهل، وسيتم نقلهم إلى أفغانستان كون لهم علاقة مع حركة “طالبان” وهم مبايعون للملا هبة الله الزعيم الجديد لحركة “طالبان، ولذلك فتحت الصين علاقات مع “طالبان”، خشية من استثمار هذا التقارب بين الجماعتين وإعادة إحياء قضية الإيغور.

أمّا عن مصير تنظيم “القاعدة” بعد مقتل زعيمه أيمن الظواهري، في آب/أغسطس الفائت، ومستقبل ما يعرف بأم “الجماعات الجهادية”، فيرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، أن التنظيم تحول إلى حالة من اللامركزية، لكن هناك مركزية في القرارات الكبرى، لكن لا مركزية في التنفيذ، والدليل على ذلك هو تنظيم “حركة الشباب” في الصومال أو “القاعدة في جزيرة العرب” في اليمن أو تنظيم “نصرة الإسلام” والتي تحولت لتنظيمات شبه مستقلة، يعني هناك أيديولوجيا ما، وهناك قرارات مركزية عامة، لكن التنفيذ تحول إلى حالة من اللامركزية بشكل أو بآخر. 

الآن وخصوصا بعد مقتل الظواهري، أصبح التنظيم أكثر لامركزية، ومستقبل التنظيم بات غامضا، إلا أن أسلوب التنظيم سيبقى، ودلالة ذلك تأخر الإعلان عن خليفة الظواهري، لأن هناك خلافات داخل الشخصيات التاريخية في التنظيم الموجودة حاليا، سواء عبد الرحمن المغربي أو سيف العدل المتواجدين في إيران، وهذا سيخلق مشاكل لو تمت بيعتهم.

الخيار الآخر، أن يتم بيعة شخصية غير معروفة من أجل تماسك التنظيم، خصوصا وأن بعض الفروع الإقليمية تتوجه لأن تكون العاصمة الجديدة له وبشكل منفرد، وخصوصا الشخصيات التي تقود مثل أبو عبيدة أحمد عمر، الذي يقود “حركة الشباب” في الصومال وفرع “القاعدة” في شرق إفريقيا، صعّد مؤخرا الهجمات لإثبات جدارته، وكذلك منافسه يوسف العنابي أو يزيد بن مبارك قائد “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

أما عن مستقبل حركة “طالبان”، بعد صعودها وتقلدها لزمام الحكم في أفغانستان، يعتقد أبو هنية، أنها ستواجه تهديدات وتحديات داخلية سواء من تنظيم “خراسان”. ويشير إلى أن “طالبان” ستظل تحتفظ أيضا بعلاقاتها مع الحركات الجهادية وخاصة تنظيم “القاعدة” والحركات الأخرى من “الأوزبك” و”الطاجيك” و”الإيغور”، وكذلك “طالبان باكستان” من “البشتون”، وبالتالي ستبقى ترعى هذه الأيديولوجيا، ولكن ذلك سيكون رهن تعامل المجتمع الدولي، فهو قد يحدد مسار هذه الحركة، خصوصا مع وجود جناح قندهار التاريخي التابع للملا عمر، والجناح الأكثر اعتدالا الذي يقوده الملا برادار من المكتب السياسي، فهي باقية لن يؤثر على وجودها أي شيء حاليا.

هل تنتهي مسارح الصراع؟

دوامة مكافحة الإرهاب خصوصا مع الأشكال المتطورة لهذه التنظيمات، بنظر أبو هنية مستمرة لكن في الوضع الراهن ستتحول من إقليمية ودولية إلى محلية، إذ شكّل الانسحاب الأميركي الجزئي من الشرق الأوسط تراجعا في قضية الحرب على الإرهاب، وأصبح هناك مطالب واضحة، بعد تولي الرئيس الأميركي، جو بايدن، بالعمل على إنهاء الحروب الأبدية، وفق تصريحاته. 

مصطلح الحروب مفتوحة الزمان والمكان والحروب الأبدية على الإرهاب انتهى، وهذا ما فعله بايدن من خلال انسحابه من أفغانستان، وهذا يعني بأنه ستصبح مشاكل هذه التنظيمات الإرهابية مسؤولية محلية، حرب الإرهاب بالنسبة للساحة الأميركية تراجعت، ولكن لن تتخلى عنها نهائيا، ولكن ستصبح مسؤولية أكبر على شركائها المحليين، وهذا سيفرض على الحكومات والدول المحلية التي تفتقر إلى الديمقراطية والعدالة مع وجود الفساد مكافحة التنظيمات أو ستصبح مشاكلها كبيرة في المستقبل، وفق أبو هنية.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مقابلات