تصعيد سعودي إيراني.. الأسباب والتداعيات

تصعيد سعودي إيراني.. الأسباب والتداعيات
أستمع للمادة

حدة الخلافات بين السعودية وإيران اشتدت خلال الأيام الماضية نتيجة تبادل الاتهامات بين الطرفين، حيث أصدرت الأخيرة عددا من التصريحات تهاجم فيها المملكة العربية السعودية ويتهمها بدعم الاحتجاجات الشعبية فيها، فيما تبادلت الرياض معلومات استخبارية مع واشنطن، تحذر من هجوم إيراني وشيك على أهداف في المملكة، بحسب ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخرا، تقريرا عن مسؤولين سعوديين وأميركيين.

أسباب الخلافات

قائد الحرس الثوري، حسين سلامي، وجه العديد من الاتهامات المتكررة للرياض، الخصم الإقليمي لإيران، بدعم الاحتجاجات الشعبية التي تعم طهران ومدن أخرى منذ وفاة الشابة، مهسا أميني، في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي.

ردا على ما ورد في تقرير “وول ستريت جورنال” حول مشاركة الرياض معلومات استخباراتية مع واشنطن، تحذر من هجوم إيراني وشيك على أهداف في المملكة، قال سلامي، إن “الأعداء وضعوا قواتهم في حالة تأهب ويخشون من تحرك الجمهورية الإسلامية ضدهم”، مضيفا يوم الجمعة الفائت، إن “من يسلب الهدوء من شعبنا لن ينعم بالراحة أبدا”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا”.

تقرير “وول ستريت جورنال” كان قد أفاد، نقلا عن مسؤولين، أن السعودية والولايات المتحدة وعدة دول مجاورة أخرى رفعت مستوى التأهب لقواتها العسكرية، ردا على التحذيرات الاستخباراتية.

وفق مراقبين، فإن “التصعيد الإيراني تجاه السعودية” يأتي في إطار التغطية على ما وصفه بـ “الثورة الشاملة” في إيران، بالإضافة إلى تعثر المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، وأن “التصعيد الإيراني” جاء بعد “سلوك سعودي بدعم تيارات معارضة تقوم بعمليات إرهابية”، وفق تقرير لموقع “الحرة”.

نظرا لأن إيران تعاني حاليا من أزمات عديدة لا سيما على المستوى الداخلي، قد تلجأ إلى افتعال أزمة خارجية في محاولة لصرف نظر المحتجين الإيرانيين عن مطالبهم، وبالتالي صعَّدت إيران من تهديداتها للسعودية، معتبرة أنها تمول منافذ إعلامية داعمة للاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ نحو ستة أسابيع، وهددت بشكل غير مباشر بتنفيذ هجمات ضد المملكة. وجاء التهديد الجديد، يوم السبت الماضي، عبر وكالة “تسنيم” للأنباء، شبه رسمية، التي قالت، إن إيران نقلت “رسالة تحذير رسمية إلى المملكة عبر القنوات الدبلوماسية، بخصوص قناة إخبارية فضائية مقرها لندن”، تقول طهران، إن الرياض تمولها.

وكالة “تسنيم” نقلت عن خبير سياسي إيراني رفيع المستوى قوله إن إيران أرسلت الرسالة لأنها تعرف أن القناة الإخبارية الفضائية “إيران إنترناشونال” تمولها السعودية، في حين أن السعوديين نفوا علاقتهم بالقناة.

هذا وتقول القناة عن نفسها إنها قناة إخبارية فضائية ناطقة بالفارسية، تتخذ من لندن مقرا لها، وهي مملوكة لمواطنين سعوديين، لكن لا تدعمها حكومة السعودية. المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، شبه في مؤتمره الأسبوعي، قبل أيام، تغطية القناة للاحتجاجات الأخيرة بـ”غرفة حرب” و “غرفة عمليات ضد دولة جمهورية إيران الإسلامية”.

الخبير في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن، يرى أن إيران ستواجه عواقب وخيمة في حال أقدمت على هجوم من هذا القبيل، مشيرا إلى أن “النظام الإيراني سيكون بذلك أطلق رصاصة الرحمة الأخيرة على نفسه“.

عبد الرحمن قال في حديث سابق مع “الحل نت“، “النظام الإيراني يرغب بافتعال أزمة خارجية، ستكون عملية توجيه ضربة عسكرية للسعودية لها تبعات إقليمية ودولية، خاصة إذا تم استهداف منشآت الطاقة“.

أما فيما إذا صحت المعلومات الاستخباراتية عن هجوم إيراني باتجاه منشآت الطاقة، فإن ردود الفعل لن تقتصر على المملكة العربية السعودية، بل ستكون هناك ردود فعل من الغرب، لا سيما في ظل أزمة الطاقة التي يعيشها العالم اليوم.

عبد الرحمن أوضح أن ضرب منشآت الطاقة في هذا التوقيت، هو بمثابة فتح جبهة مع المجتمع الدولي برمته، وأضاف قائلا، ” الغرب يعاني من موضوع الطاقة وإيران تريد التدخل في هذا المجال لإحداث ضرر بالدول الغربية“.

قد تلجأ إيران لتنفيذ هذه العملية لسببين رئيسيين، الأول أن حكومة طهران، تعيش أزمة داخلية حقيقية، بسبب الاحتجاجات الشعبية في البلاد، وبالتالي هي تعتقد أن افتعال أزمة خارجية، ستعيد المحتجين إلى صفوفها.

أما السبب الثاني، فتحدث عنه عبد الرحمن بالقول، “الأمر الثاني فيما يتعلق بالتعاون الإيجابي بين المملكة العربية السعودية والدول التي تدخلت فيها إيران بشكل سلبي، منها العراق مثلا ولبنان واليمن، فإيران تعتبر أن السعودية بدأت تقضي على مشاريعها الأمنية والسياسية والاقتصادية في تلك الدول، أعتقد أن إيران يمكن كذلك أن تُقدم على هذه الخطوة، بسبب الظروف التي تمر بها خاصة بعد فشل مفاوضات بين إيران والسعودية، النتائج ستكون مزيد من الضغط على النظام الإيراني، الشعب الإيراني لن يصطف هذه المرة مع النظام، إيران هي الخاسر الأكبر“.

هذا وقد استهدفت إيران، في آب/أغسطس 2019، بطائرات من دون طيار، موقعا نفطيا في شرق السعودية، ما أدى إلى خفض إنتاج المملكة، وتسبب في ارتفاع أسعار الطاقة، كما وتعرضت السعودية لضربات متكررة في السنوات الأخيرة بطائرات مسيرة وصواريخ وقذائف هاون، أطلقها المتمردون الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن.

كذلك وبعد وقت قصير على انتشار أنباء عن احتمال هجوم إيراني وشيك على منشآت سعودية، مؤخرا، نشرت قناة متعاطفة مع الحرس الثوري الإيراني في “تليغرام”، لقطات تحاكي هجوما إيرانيا على المملكة.

وتُظهر المحاكاة المتحركة أسطولا من الطائرات من دون طيار يقترب من منشأة نفطية تابعة لشركة “أرامكو” الحكومية السعودية، حيث تسمع صفارات الإنذار مع موسيقى خلفية تنذر بالسوء، بينما تستعد المسيرات لاستهداف المنشأة وتظهر جاهزيتها للقصف.

قد يهمك: خط الغاز المغربي مع نيجيريا.. بديل مناسب لأوروبا عن الجزائر؟

أثر التنافس الإعلامي بين السعودية وإيران

في بعض المناسبات تصور الرياض أن التدخل الإيراني ليس مدفوعا فقط بطموحات الهيمنة للمرشد الإيراني، علي خامنئي، ولكنه أيضا رد على الضغوط الغربية ضد برامجها النووية. وبحسب وسائل الإعلام التي ترعاها السعودية، فإن طهران ستكون على استعداد “لنشر الفوضى في منطقة الخليج، وهي أكبر مخزون نفطي في العالم وحيوي للأمن القومي للولايات المتحدة”.

في إشارة إلى طموحات إيران النووية ورد الفعل الغريزي لإيران “نشر الفوضى في الخليج”، تناشد وسائل الإعلام مباشرة تدخل الحكومة الأميركية من خلال التلميح إلى أن إيران، هي أيضا تهديد ملموس لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

هذه القراءة، أكدتها وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية، المقرّبة من “الحرس الثوري”، في وقت سابق، بعد أن نقلت عن سلامي قوله، “إنني أحذر نظام آل سعود من أن ينتبهوا إلى تصرفاتهم ويسيطروا على وسائل إعلامهم، وإلا نتائج وعواقب تلك التصرفات السيئة ستلحق بكم”.

الانتفاضات الشعبية “AP”

فيما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”، في وقت سابق، أن سلامي “حذر النظام السعودي، بأن يراقب سلوكه وسلوك وسائل الإعلام الممولة من قِبله والتي تحرّض ضد إيران”. ونقلت عن سلامي، “إنهم يسعون بوضوح إلى تحريض شبابنا على المشاركة في أعمال الشغب”، مضيفا “ننصحهم بالسيطرة على وسائل الإعلام الممولة من جانبهم وأن يكونوا حذرين”.

تصريحات سلامي، جاءت خلال مناورة عسكرية باسم “الاقتدار” للقوة البرية التابعة لـ”الحرس الثوري”، في منطقة أرس العامة الواقعة شمال محافظتي أذربيجان الشرقية وأردبيل، وفقا لما ذكرته وسائل الإعلام الإيرانية.

سلامي قال، إن “الرسالة الأساسية لمناورة اليوم هي الصداقة والأخوة مع الجيران”، مضيفا “هذا هو مبدأ سياستنا، طالما أن الجيران لا يتآمرون علينا سنستمر في صداقتهم وفي غير هذه الحالة فإن سياستنا ستتغير، وطالما تتفاعل الدول المختلفة معنا ولدينا تعايش سلمي وعلاقات سياسية واقتصادية مناسبة، علاقاتنا ستكون معهم مبنية على الصداقة والتعاون”.

قد يهمك: حشد ومواجهات عنيفة في خيرسون.. المعركة الحاسمة بين روسيا وأوكرانيا؟

التداعيات

ردا على هذه التهديدات، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، مؤخرا، إن الولايات المتحدة قلقة من تهديدات إيران للسعودية وإنها لن تتردد في الرد إذا لزم الأمر، مضيفا في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز“، “نحن قلقون من التهديدات، ونظل على اتصال مستمر مع السعوديين من خلال القنوات العسكرية والمخابراتية، لن نتردد في التحرك دفاعا عن مصالحنا وشركائنا في المنطقة“.

في الأشهر الأخيرة عُقدت 5 جولات من المحادثات بين مسؤولين إيرانيين وسعوديين بالعراق، الذي يشترك في الحدود مع البلدين. وفي ختام الجولة الخامسة من المفاوضات في نيسان/أبريل الماضي، قال رئيس الوزراء العراقي الأسبق، مصطفى الكاظمي، إنه مقتنع بأن “التفاهم بات قريبا” بين الرياض وطهران، لكن أيا من الخطوات الإيجابية لم تتحقق حتى الآن.

رئيس “المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية” (أفايب)، الدكتور محمد محسن أبو النور أشار، أن مصير هذا الحوار حتى الآن، “ملبد بالغيوم“، ولا يمكن التنبؤ به لاعتبارات متعلقة بالسقف العالي لدى الجانبين، قبل الذهاب إلى بغداد، في جولة أخرى من الحوار والتفاوض.

وأما حول ذلك أضاف في حوار سابق مع “الحل نت“، “هناك تصعيد نوعا ما إعلامي بين الطرفين، وهذا يعقد المسار الدبلوماسي في بغداد إلى جانب عامل السيولة السياسية الشديدة في بغداد قد تعيق جولة سادسة من المباحثات رغم إن السعودية أفرجت عن حاج إيراني كان محتجز لديها، وإيران تتخذ خطوات لحلحلة العلاقات مع السعودية، لذلك أعتقد أن المصير حتى الآن غير واضح، إلى أن تهدأ الامور نوعا ما في بغداد ويسيطر رئيس الوزراء العراقي، مرة أخرى على الأوضاع“.

كذلك استبعد أبو النور عودة قريبة للعلاقات الإيرانية السعودية، لكنه يؤكد في الوقت ذاته وجود تفاهمات واتصالات غير معلنة بين الجانبين، قائلا، “لكن طبعا استبعد أن يحدث اختراق كبير في هذه العلاقات، لكن في المدى المتوسط قد يكون هناك عودة ما من خلال عودة السفراء وما إلى ذلك“.

التسريبات المتعلقة بالتهديدات السعودية، أعادت تصريحات قائد “الحرس الثوري الإيراني” الجنرال حسين سلامي، إلى الواجهة، حيث كان قد وجه قبل أيام تهديدات مباشرة للمملكة العربية السعودية، متهما إياها بـ“التآمر” لإشعال الاحتجاجات التي تشهدها بلاده منذ موت الشابة الإيرانية مهسا أميني بعد احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، في سبتمبر/أيلول الماضي.

العلاقات الدبلوماسية بين البلدين انقطعت منذ عام 2016 بعد اقتحام متظاهرون إيرانيون لسفارة السعودية في طهران وقنصليتها بمشهد احتجاجا على إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي نمر النمر. منذ ذلك الحين والطرفان في صراعات وحروب بالوكالة في عموم أنحاء الشرق الأوسط بعد تأزم العلاقات، لا سيما في اليمن التي تعيش حربا منذ 7 سنوات.

خلال العام الفائت، بدأت الرياض وطهران محادثات مباشرة في محاولة لتحسين العلاقات بوساطة عراقية، لكن يبدو أن “إيران تعمد لتصدير أزماتها الداخلية في الخارج وتصوير أن هناك ضلوعا سعوديا أميركيا إسرائيليا غربيا في هذه الثورة حتى تبيح لها أي إجراء لسحق الثورة”، وفق الخبراء.

كذلك، جاء في قلب الخلاف الإيراني السعودي الجديد قناة تلفزيونية معارضة تتخذ من لندن مقر لها، تقول السلطات الإيرانية إن السعودية تمولها، في حين يستبعد الخبراء تدخل السعودية في الشأن الداخلي لإيران.

في خضم كل هذه الخلافات، يستبعد محللون عودة الرياض وطهران لطاولة واحدة لبحث مسألة إعادة العلاقات الدبلوماسية المنقطعة بين البلدين. ويرى بعض الخبراء، أن “المحادثات بين إيران والسعودية يبدو أنها علقت من جانب السعودية بسبب سلوك إيران وتهديداتها لا سيما التي أطلقها قائد الحرس الثوري”.

من جانب آخر، يعتقد المحللون أن طهران تتصرف بـ”يأس” بعد “وصول مفاوضات فيينا لطريق مسدود”، وخاصة بعد دخولها طرفا في غزو أوكرانيا بدعم روسيا بالطائرات المسيّرة. حيث أن العلاقة بين الرياض وطهران بُنيت على عداء كبير، وتعايش دبلوماسي هش بين السعودية وإيران، حيث لم ينجح الطرفان بالتقارب بشكل جَدّي خلال السنوات الماضية، فعوامل الخلاف أكثر من عوامل الاتفاق، كما أن الثقة تكاد تكون مفقودة بينهما، لكن من شأن حرف النظر من السياسة إلى الاقتصاد أن تغير شيئا خلال المرحلة القادمة فالاقتصاد بات يتحكم بسياسة الدول أكثر من أي وقت مضى.

قد يهمك: إساءة استخدام المساعدات الإنسانية في سوريا.. حماية حيادية العمليات أم نقص الشفافية؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة