النمو السكاني المتزايد.. ماذا يفرض على حكومات العالم؟

النمو السكاني المتزايد.. ماذا يفرض على حكومات العالم؟
أستمع للمادة

رغم تباطؤ النمو السكاني، تجاوز عدد سكان العالم عتبة 8 مليارات نسمة، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان العالم يمكن أن ينمو إلى حوالي 8.5 مليار في عام 2030 و9.7 مليار في عام 2050، قبل أن يصل إلى ذروته عند حوالي 10.4 مليار شخص خلال عام 2080؛ لكن المتوقع أن يظل عدد السكان عند هذا المستوى حتى عام 2100.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، اعتبر في بيان أن هذه العتبة فرصة للاحتفال بالتنوع والتطوّر مع مراعاة المسؤولية المشتركة للبشرية تجاه الكوكب، الذي أوضح في مقال له أورده موقع الأمم المتحدة، أن “هناك مليارات من الناس يكابدون المشاق، ومئات الملايين يواجهون الجوع، بل المجاعات”.

قد يهمك: العراق: مليون ولادة في 2021.. انفجار سكاني قادم؟

الأمر يأتي ثمرة لارتفاع معدلات الخصوبة، خصوصا في بلدان العالم الأكثر فقرا، ومعظمها في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك يعرّض أهداف التنمية للخطر. لكن هذا النمو يثير مخاوف عديدة تتعلق بتأثير ذلك على اقتصادات دول العالم والفقر وتغير المناخ وأهداف التنمية المستدامة، إضافة إلى انعكاس ذلك أيضا على الموارد الطبيعية وتعرضها للخطر، بحسب غوتيريش.

التأثير على الموارد

النمو السكاني المتزايد يفرض المزيد من الإجراءات التي يجب أن تتبعها الدول في سياساتها بالتعامل مع مواردها الطبيعية ونمط استهلاكها.

الأمم المتحدة ترجع النمو السكاني إلى تطور البشرية؛ إذ إن الناس باتوا يعمّرون أكثر بفضل تحسن خدمات الصحة العامة والتغذية والنظافة الشخصية والأدوية، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن مصاعب أكثر تنتظر المناطق التي تواجه بالفعل ندرة في الموارد بسبب تغير المناخ.

الوصول إلى 8 مليارات شخص هو علامة على النجاح البشري، لكنه يمثل أيضا خطرا كبيرا على مستقبلنا، وفق مدير قسم السكان في الأمم المتحدة جون ويلموث، الذي أشار إلى أن تأثير الإنسانية على العالم الطبيعي له علاقة بكيفية تصرفنا أكثر من عددنا.

 زيادة عدد سكان العالم ستؤثر على الإمدادات ونقص الموارد، إضافة إلى زيادة العبء على الحكومات؛ سواء المتقدمة أو النامية، حيث سيتسبب بضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي يؤثر على النمو الاقتصادي للدول، بحسب حديث المحلل والكاتب الاقتصادي موسى الساكت، لـ “الحل نت”.

فيما يتعلق بالرابط بين النمو السكاني وأزمة الغذاء، قالت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر فريدريكا ميير، إن “المشكلة في هدر الطعام وضرورة العمل على تنويع مصادره. من الضروري تبني سياسات قائمة على تنويع مصادر الغذاء، وعمل المنظمات المعنية على تبني ممارسات غذائية جديدة تواكب المتغيرات، وتشجيع الحلول والطرق الزراعية الحديثة وخاصة في القارة السمراء”، وفق تعبيرها.

الزيادة السكانية العالمية لا تدعو للقلق، وليس هناك تخوف على الأمن الغذائي في ظل تطور وسائل الزراعة، بحسب حديث المحلل الاقتصادي مازن مرجي، لـ “الحل نت” إذ أن الإنتاج الزراعي قد تضاعف بفعل استخدام التكنولوجيا التي ساهمت في الكفاءة الإنتاجية.

الإمدادات اليوم جيدة بشكل عام، بحسب الساكت، ولكن إذا زادت عن حجم معين ستتعرض الموارد للخطر، ويمكن التخفيف من زيادة الإنتاج العالمي حتى يستوعب ازدياد عدد السكان، لذلك إذا حُسن استهلاك الموارد لن يكون هناك خطر في نقصها، ولكن في النهاية نحن مهددون إذا لم يتم التخفيف بشكل جيد.

رغم وجود ما يكفي من الغذاء من الناحية الحسابية، لسد حاجات 8 مليارات نسمة، إلا أن 800 مليون شخص، أي واحد من كل 10 أشخاص على هذا الكوكب، يعانون سوء التغذية المزمن، وفق اللجنة الدائمة للتغذية التابعة للأمم المتحدة.

بعض الخبراء عبروا عن خشيتهم من أن يتجاوز عدد 8 مليارات نسمة إمكانات الكوكب، لكن معظمهم أشاروا إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في الاستهلاك المفرط للموارد من قبل الأشخاص الأكثر ثراء، بحسب الأمم المتحدة.

المحللة في معهد الموارد العالمية غير الحكومي فانيسا بيريز، ترى أن كل شخص يولد على هذه الأرض يضيف ضغطا إضافيا على الكوكب، لكنها ترفض أن تستغل النخب هذه السردية لتطالب بوضع سقف للنمو السكاني في دول الجنوب، وهي تفضل بدلا من ذلك أن تركز على الإنصاف وتوزيع الموارد، ولا سيما الغذاء.

زيادة عدد سكان العالم يتطلب وجود فرص عمل، ويجب على الاقتصاد أن ينمو لاستيعاب عدد السكان بما يتعلق بالعمالة، لتجنب ارتفاع معدلات البطالة خصوصا في الدول النامية، بحسب موسى الساكت.

أما مازن مرجي اعتبر أن الاعتماد على التكنولوجيا والآلات قللت من الحاجة للأيدي العاملة، لكن في الوقت نفسه ونتيجة زيادة عدد البشر وتغير النمط المعيشي، أصبح يتطلب مقدمي خدمات لم تكن موجودة في السابق وهذا التنوع في الخدمات وازديادها يخلق فرص عمل. المشكلة تكمن في الدول السيئة الاقتصاد التي لم تتمكن من إحداث تنمية اقتصادية مستدامة قادرة على توليد فرص عمل كافية، وفق تعبيره.

النمو السكاني وتغير المناخ

النمو السكاني العالمي يثير مخاوف بشأن الروابط بينه وبين تغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، على الرغم من أن هذا النمو بطيء، في حال تم الحفاظ عليه على مدى عدة عقود، والذي يمكن أن يساعد في التخفيف من التدهور البيئي.

البعض يعتقد أن الخيارات التي تقود إلى استهلاك موارد بيولوجية (غابات وأسماك وأراض، إلخ) أكثر بكثير من قدرتها على التجدد كل عام والاستهلاك المفرط، خاصة للوقود الأحفوري يؤدي دائما إلى مزيد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المسؤولة عن الاحترار.

أحدث تقرير لخبراء المناخ التابعين للأمم المتحدة، يشير إلى أن النمو السكاني أحد المحركات الرئيسة لزيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لكن مساهمته فيها أقل من مساهمة النمو الاقتصادي.

الخلط بين النمو السكاني وزيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يتجاهل حقيقة أن البلدان ذات معدلات الاستهلاك والانبعاثات الأعلى هي تلك التي يكون فيها النمو السكاني بطيئا بالفعل أو متناقصا، مع العلم أن غالبية النمو السكاني في العالم يتركز بين أفقر البلدان، والتي لديها معدلات انبعاثات أقل بكثير، ولكن من المحتمل أن تعاني بشكل غير متناسب من آثار تغير المناخ، بحسب حديث المتخصصة في قضايا المياه والبيئة، الدكتورة منى هندية لـ “الحل نت”.

الباحثة المقيمة في مركز أبحاث ويلسون جينيفر سكيوبا، ترى أن “تأثيرنا على الكوكب يحدده سلوكنا أكثر بكثير من عددنا، وأن الاستمرار في تسليط الضوء على الزيادة السكانية مضرّ ويعكس كسلا فكريا”، لكنها تشير إلى “خطر أن تقوم الدول الغنية بدلا من تغيير سلوكها، بإلقاء اللوم على الدول النامية التي تدفع النمو السكاني”.

المؤكد أن النمو السكاني سينعكس على المناخ في ظل التعامل غير الرشيد مع البيئة وارتفاع معدلات غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، وهذا يؤدي في النتيجة إلى موجات جفاف وتغيرات مناخية ويخل بالتوازن الطبيعي.

هنالك دراسة حديثة تؤكد تضاعف تأثير التغير المناخي في الشرق الأوسط بسبب النمو السكاني، وفق هندية، إذ يتوقع الباحثون أن تكون منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق تضررًا من التغير المناخي، وأكدت الدراسة أثر النمو السكاني والتغير المناخي على ندرة المياه وعلى الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

“علينا أن نتطلع إلى حلول مجربة وفعالة للتخفيف من تحديات عالمنا وتحقيق أهـداف التنمية المستدامة، مع إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان، وينبغي أن تضع جميع السياسات السكانية التغير المناخ وحقوق الانسان في جوهرها، وأن تستثمر في البشر والكوكب، وأن نستند إلى بيانات قوية”، بحسب هندية.

التغيير يجب أن يتم على مستوى السياسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، والتي تشمل تدريب المزارعين على تقنيات التكيف مع التغيرات المناخية ودعم الابتكارات المختلفة للتعامل مع هذه المشكلات، وفق هندية، على سبيل المثال، يعتمد المزارعون الآن تغيير أنماط الري وتغيير المواسم الزراعية وتنويع المحاصيل والتعاون مع غيرهم من المزارعين لزيادة فعالية تقنيات استخدام المياه لمواجهة التغيير المناخي.

النمو مرتفع في أفريقيا

الدراسة السنوية التي صدرت في تموز/يوليو الفائت، تشير إلى أن عدد سكان العالم ينمو بأبطأ معدل له منذ عام 1950، بعد أن انخفض إلى أقل من واحد في المائة في عام 2020.

التقرير  يشير إلى أن الخصوبة قد انخفضت بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة بالنسبة للعديد من البلدان، حيث يعيش اليوم ثلثا سكان العالم في بلد أو منطقة تقل فيها معدلات الخصوبة مدى الحياة عن 2.1 مولودا لكل امرأة، وهو المستوى المطلوب تقريبا، لتحقيق نمو صفري على المدى الطويل مع انخفاض معدل الوفيات.

في 61 دولة أو منطقة، من المتوقع أن ينخفض ​​عدد السكان بنسبة واحد في المائة على الأقل خلال العقود الثلاثة القادمة، نتيجة لاستمرار انخفاض مستويات الخصوبة، وارتفاع معدلات الهجرة في بعض الحالات.

التقرير أشار إلى أن نيجيريا وإثيوبيا ومصر وتنزانيا والكونغو الديمقراطية، سجلت إلى جانب ثلاث دول آسيوية استحوذت النسبة الأكبر من الزيادة العالمية، بحسب ما أعلنه صندوق الأمم المتحدة للسكان.

بحسب الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف الزيادة المتوقعة في عدد سكان العالم حتى عام 2050 في ثمانية بلدان: جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وإثيوبيا، والهند، ونيجيريا، وباكستان، والفلبين، وجمهورية تنزانيا المتحدة.

وفقا للتعداد الجديد، فقد ارتفع عدد سكان نيجيريا الواقعة في غرب إفريقيا إلى 216 مليونًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 375 مليونًا خلال العقود الثلاث المقبلة، مما سيجعل نيجيريا رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند والولايات المتحدة وهذا يفرض تحديات على الحكومة لتأمين الخدمات الأساسية المختلفة.

إذا، الزيادة السكانية قادمة بلا شك، لكن يجب وضع سياسات تتناسب مع نسبة النمو السكاني العالمي، تراعي في الدرجة الأولى التغير المناخي والأمن الغذائي، إضافة إلى حلول مستدامة لمشكلتي الفقر والبطالة، خاصة في البلدان النامية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير