التوافق الخليجي.. هل يحيي نظام الأمن الجماعي في المنطقة؟

التوافق الخليجي.. هل يحيي نظام الأمن الجماعي في المنطقة؟
أستمع للمادة

غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا أدى إلى تحويل الانتباه العالمي إلى المسرح الأوروبي، أو على نطاق واسع، إلى “التحالف عبر الأطلسي” (الناتو) بين الولايات المتحدة و”حلف شمال الأطلسي”. قبل هذا التحول، كانت الأوساط الأكاديمية الدولية يسلطون الأضواء من خلال تقديم تفسيرات مختلفة لما يسمى بنموذج “المحيط الهندي الهادي”. في كلتا الحالتين، ظلت منطقة واحدة متجاهلة بشكل ملائم هي الخليج العربي، أو بشكل أوسع “الشرق الأوسط”.

في الآونة الأخيرة، في خضم الاضطرابات السائدة في أوروبا الشرقية، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” عن اجتماع لمجموعات العمل المعنية بالدفاع الجوي والصاروخي المتكامل والأمن البحري في مقر مجلس التعاون الخليجي في المملكة العربية السعودية. ناقشت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي الفرص لمزيد من التدريبات المشتركة باعتبارها حجر الأساس للدفاع الإقليمي الجماعي ضد إيران.

المسؤول السابق بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، والخبير حاليا بمعهد “الشرق الأوسط”، تشارلز دان، قال إن الولايات المتحدة تحاول منذ عقدين بناء نظام دفاعي متكامل بالخليج. ولكنها فشلت بسبب الخلافات بين شركائها الخليجيين، مضيفا أنه غير متأكد من مصير هذا المشروع بعد التوافق الخليجي مؤخرا.

كلمات دان جاءت خلال حديثه حول إعلان كبير مسؤولي الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، بريت ماكغورك، في كلمة له أمام منتدى “المنامة الأمني”، يوم الاثنين الفائت، أن بلاده تعمل على بناء بنية تحتية متكاملة للدفاع الجوي والبحري بالشرق الأوسط، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع إيران المتهمة بزعزعة الاستقرار عبر شن هجمات على سفن بمياه الخليج، فما أبعاد هذا المشروع وهل التوافق الخليجي الحالي يمهد لولادة هذا النظام.

الخليج وتحدي الدفاع الصاروخي

كان مخططو الدفاع الأميركيون يدرسون الحاجة إلى إنشاء دفاعات صاروخية فعالة في الخليج منذ أن استخدام العراق الصواريخ الباليستية ضد إيران خلال الحرب الإيرانية العراقية في منتصف الثمانينيات. ومع ذلك، كان التقدم الفعلي بطيئا وتم إحرازه على أساس كل بلد على حدة بدلا من كونه جزءا من جهد متكامل لإنشاء دفاعات إقليمية فعالة.

قائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال مايكل كوريلا، خلال المنتدى نفسه أعلن أن فرقة عمل تقودها واشنطن ستنشر أكثر من 100 سفينة مسيّرة بالمياه الإستراتيجية لمنطقة الخليج بحلول العام المقبل لدرء التهديدات البحرية.

الخبير في الأمن القومي والدولي وعلاقات الشرق الأوسط، محمد أيوب، أوضح لـ”الحل نت”، أن إسرائيل طورت لنفسها دفاعات صاروخية ذات طبقات فعالة، لكن دفاعات الشركاء الاستراتيجيين العرب تتكون إلى حد كبير من تغطية محدودة بواسطة صواريخ “باتريوت” ذات القدرة المزدوجة وأنظمة الدفاع الجوي وصواريخ “أرض – جو” التي توفر بعض التغطية ضد صواريخ “كروز” وطائرات بدون طيار، وفي الوقت نفسه، لا تمتلك العراق وعمان والبحرين نظام صواريخ “باتريوت”.

بحسب أيوب، نشرت الولايات المتحدة طرادات “إيجيس” في الماضي كطوارئ، ونشرت الآن دفاعات صاروخية من طراز “ثاد” في المنطقة. كما اشترت قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أنظمة “ثاد”، ومع ذلك لابد من تفعيل خطط واضحة لتوفير نظام دفاع صاروخي متكامل للمنطقة بعد التوافق الخليجي الحالي، لا سيما وأن الانقسامات العميقة بين الشركاء الاستراتيجيين العرب سابقا جعلت من المستحيل حتى تطوير دفاعات جوية متكاملة.

في هذا السياق، يرى أيوب، أن هذه قضية أصبحت حاسمة بالنسبة لتخطيط دفاع الولايات المتحدة وشركائها. لقد أثبتت إيران بالفعل قدرتها على شن ضربات دقيقة على منشآت نفطية رئيسية في المملكة العربية السعودية، وبشكل دقيق على القوات الأميركية في العراق. ومن الواضح أن إيران يمكن أن تمارس نفوذا كبيرا على “الحوثيين” و”حزب الله” والميليشيات الموالية لها في العراق وسوريا لشن هجمات بالصواريخ التي تزودها بهذه القوات.

علاوة على ذلك، من الواضح أن إيران تعمل على تحسين دفاعاتها الجوية باستخدام دفاعات صاروخية “أرض – جو” مثل “تور إم” و”إس 300″ بينما تطور أيضا مجموعة من أنظمة الضربة الدقيقة المسلحة تقليديا والتي تتراوح من الطائرات بدون طيار، وأنظمة الصواريخ الباليستية طويلة المدى التي ستكون أكثر قدرة على الحركة، فيما  تتضاءل مزايا دول المنطقة من التفوق الكبير في أنظمة الدفاع الجوي وأنظمة الدفاع الصاروخي الجوي.

هذا أمر بالغ الأهمية بنظر أيوب، لأن المنطقة يتوفر فيها بعض أكثر الأهداف عرضة للخطر في العالم، وتشمل هذه منشآت الطاقة التي توفر 21 بالمئة من نفط العالم وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وهي تشمل أيضا مدنا تأوي أكبر الشركات المنتجة تكنولوجيا في العالم فضلا عن أنها قلب التجارة العالمي، بالإضافة لمحطات تحلية المياه التي توفر مصادر مهمة للمياه المحمولة للمدن التي ليس لديها مصدر آخر للمياه، إلى جانب مرافق الطاقة الكهربائية والهواء والموانئ المعرضة للخطر.

إقامة نظام أمني جماعي في الخليج

التوترات في الخليج العربي وحوله مستمرة، خصوصا مع الهجمات المنتظمة على البر والبحر من قبل طهران ووكلائها، إلا أن قبول العالم العربي بأن إيران عامل يجب حسابه، هو ما يجب تسليط الضوء عليه.

التوترات في الشرق الأوسط منذ العام الماضي تصاعدت بعد هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية سعودية، وتتفاقم هذه التحديات بسبب الوجود الاستراتيجي المتزايد لإيران في سوريا واليمن، والموقف الاستراتيجي المستقر للعراق ومستقبله، والتحديات التي تفرضها التهديدات المتطرفة المستمرة، والدور المتنامي لروسيا والصين وتركيا في شؤون الخليج. 

علاوة على ذلك، فإن التهديد الصاروخي الإيراني يتفاقم بشكل كبير بسبب نمو قواتها البحرية غير المتكافئة، وزيادة التهديدات الأخرى في الخليج، واستخدام إيران المحتمل للصواريخ، وأشكال أخرى من الهجوم من قبل جهات أجنبية غير حكومية.

الدفاع الصاروخي ليس الشغل الشاغل للتنسيق العسكري المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث أصبح السلوك الإيراني العدواني على الجبهات البحرية والفضائية الإلكترونية أكثر تعقيدا. ومع ذلك، فإن التهديدات ضد هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار تتطلب أولويات أساسية لقوات الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون الخليجي. 

قد لا يكون لدى أعضاء مثل عُمان وقطر والكويت على سبيل المثال لا الحصر مشكلة مع مثل هذه التهديدات من إيران، لكن اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي الموقع عام 2000 تلزم الدول الأعضاء بالوقوف صفا واحدا للدفاع الجماعي؛ نظرا لأن الهجوم على أحد الأعضاء يعتبر هجوما على الجميع.

على الرغم من أن الأعضاء في الخليج لديهم تاريخ من الخصومات والنزاعات الحدودية والمصالح المتباينة، والتي لا تزال الشكوك المتبادلة قائمة بسببها، وفقا للدكتورة كاثرين مكاردل كيليهر، إلا أن الاجتماع لفريق متخصص من ممثلي الدفاع الصاروخي الباليستي لدول مجلس التعاون الخليجي في الكويت عام 2015، لمناقشة آفاق درع دفاع صاروخي متكامل، فتح الباب أمام المباحثات على إنشاء مركز قيادة وتحكم في دولة الإمارات يعمل به ضباط سعوديون.

الرؤية الكاملة

هدف بناء نظام أمني جماعي خليجي تُشرف عليه واشنطن يُعد تحديا كبيرا للولايات المتحدة، خاصة مع استمرار لعب الخليج دورا محوريا في منظومة الطاقة العالمية.

وبالنظر إلى تركيز إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن على المنافسة الجارية مع الصين، وإلى حد ما روسيا، يريد البيت الأبيض إقناع الشركاء الخليجيين بأن الولايات المتحدة وليس الصين أو روسيا هي من يجب اللجوء إليها للحماية من التهديدات الإيرانية.

وفي الوقت الحالي، تشكل الولايات المتحدة العمود الفقري للشبكة الإقليمية للدفاع الجوي والصاروخي التي تتخذ من قاعدة “العديد” في قطر مقرا. كما توفّر واشنطن جميع أنظمة الإنذار المبكر والتتبع المعتمد على الأقمار الصناعية للعديد من حلفائها بالمنطقة.

ديفيد دي روش، المسؤول السابق بالبنتاغون والمحاضر بكلية “الدفاع الوطني” بواشنطن، ذكر لموقع “الجزيرة” عقب مشاركته بمنتدى “المنامة الأمني”، أنه “كثيرا ما تعرض الشركاء الأمنيون للولايات المتحدة لهجوم بالصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية، بعضها أطلقته طهران نفسها، وآخر أطلقه وكلاؤها مثل الحوثيين”.

وبالعودة 15 عاما للوراء، يقول دي روش، “سعت واشنطن لبناء شبكة من شأنها دمجها والحلفاء مثل السفن البريطانية والفرنسية مع رادارات مضادة للصواريخ والشركاء المحليين مثل دول مجلس التعاون الخليجي معا، بحيث يندمج كل جهاز استشعار مقره الجو أو الفضاء أو على متن السفن أو الشاطئ لإدراك التهديدات المشتركة”.

بمجرد التأكد من جدية التهديد، يكون الهدف هو أن تساهم كل دولة بإطلاق النار عبر صواريخ عالية المدى، وصواريخ متوسطة المدى، وصواريخ ودفاعات أخرى لتحييد التهديد المشترك، وفق المسؤول الأميركي السابق.

في حين أن دول مجلس التعاون الخليجي ستظل متقبلة لفكرة تشكيل تفاهم متعدد الأطراف مع إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمي المتكامل، فمن المرجح أن تنتهج المملكة العربية السعودية سياسة الاعتماد على الترتيبات الثنائية مع أعضاء المجلس الآخرين والولايات المتحدة، ما يفتح الباب لإحياء نظام الأمن الجماعي في الخليج والشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة