سياسة تتريك في شمال سوريا.. العوامل الدافعة وكيفية معالجتها

 سياسة تتريك في شمال سوريا.. العوامل الدافعة وكيفية معالجتها
أستمع للمادة

على نحو مستمر؛ لا تنكفئ تركيا عن ممارسات مشبوهة تصفها مراكز تحليل ومراقبين أنها محاولات لتتريك مناطق الشمال والشمال الشرقي السوري، وذلك في خطوات تشي بمساعي تركية لتهيئة مدن وبلدات المنطقتين لإلحاقها بتركيا في سياسية لفرض الأمر الواقع عليها بعد أن توغلت في عمقها بمسافة 10 آلاف كيلومترا مربع منذ أول عملية عسكرية شنها الجيش التركي عام 2016. 

القصة بدأت منذ آب/أغسطس 2016، عندما أطلقت تركيا عملية عسكرية سمتها “درع الفرات” بالاشتراك مع جماعات سورية مسلحة في المناطق التي كانت وقتها خاضعة لسيطرة تنظيم “داعش”، لتستولي في العام الذي يليه على جزء من الشريط الحدودي بين البلدين، الممتد بين جرابلس في الشرق واعزاز من الغرب ومنطقة الباب إلى الجنوب.

وقتئذ كان هدف تركيا العلني محاربة “داعش”، غير أن الممارسات التي تبعِت ذلك كشفت أهداف أنقرة الاستراتيجية الأهم، والتي صبّت كل تركيزها على منع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من ترسيخ مشروع حماية مناطقها المتمثلة بالشمال الشرقي السوري، ومنعها من التوسع في المناطق الواقعة غربي نهر الفرات.

سوريا وسياسة “التتريك”

بعد ذلك بعام واحد، في كانون الثاني/يناير من 2018 تحديدا، عادت تركيا لتُطلق عملية عسكرية جديدة في المنطقة، بمشاركة جماعات مسلحة موالية لها، وكانت هذه المرة تهدف إلى السيطرة على منطقة عفرين ذات الأغلبية الكردية، التي كانت تحت سيطرة مقاتلين “قسد” منذ بداية الأزمة السورية، ومنذ ذلك الحين، تحدثت عدة منظمات حقوقية عالمية ووسائل إعلام عن محاولات تتريك هذا الجزء من سوريا.

في الأثناء، يجري الحديث عن عدم إدخار تركيا جهدا لتكريس الأمر الواقع من خلال تبني سياسات تتريك ممنهجة، الأمر الذي تم تفسيره على أنه يعكس النوايا التركية في قضم تلك المناطق بشكل دائم، حيث عمدت أنقرة إلى تغيير السجل المدني للسكان الأصليين في المناطق السورية التي تحتلها وسحبت البطاقة الشخصية والعائلية السورية من القاطنين في تلك المناطق و استعاضت عنها بأخرى تركية.

اقرأ/ي أيضا: صدمات تهز العالم في العقد المقبل.. عصر جديد من “الأزمات المتعددة“؟

كذلك باشرت أنقرة بإجراءات اقتصادية وتجارية وإدارية مكثفة بهدف التداول بالعملة التركية بدلا من العملة السورية، فيما سعت أيضا إلى تغيير المناهج المدرسية والجامعية وفرض اللغة التركية في كافة المناطق التي تحتلها وشيدت فروعا عدة لجامعاتها في إدلب.

مراصد حقوقية، أكدت أن سياسات التتريك المتّبعة من قبل الجانب التركي اكتسبت طابعا أكثر ضراوة في المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا مثل عفرين ورأس العين/سرى كانيه وتل أبيض/كرى سبي، ما دفع بعشرات الآلاف من السكان الكرد إلى هجرة تلك المناطق وإزالة المعالم الكردية وتغيير الأسماء الكردية للشوارع والمراكز والأحياء واستبدالها بأخرى تركية.

ليس ذلك فحسب، بل عمدت القوات التركية لرفع العلم التركي وصور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فوق المدارس والمستشفيات، وكافة المراكز والمؤسسات والساحات بهدف إحداث تغييرات ديموغرافية جذرية هائلة لطمس الهوية الكردية لتلك المناطق واتخامها بنازحين سوريين، وخاصة من التركمان القادمين من المناطق السورية المنكوبة الأخرى، وفقا لمراكز حقوقية.

بالتالي للحديث عن دوافع هذه السياسات، وسُبل معالجتها، يقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بغداد علاء مصطفى، في حديث لموقع “الحل نت”، إن هدف تركيا من سياسة التتريك المتّبعة في مناطق شمال سوريا والشمال الشرقي الحدودية معها، هو تهيئة مدن ومناطق تحت الوصاية التركية للاستفادة منها في إعادة اللاجئين السوريين وإبعادهم عن تركيا.

دوافع تركيا وسبل وقف “التتريك”

مصطفى شرح، أن تركيا في الوقت الحالي تعيش حالة من الضغط، وتمر بوضع اقتصاد سيء للغاية، مقابل أزمة لاجئين تضغط على المجتمع التركي وتزاحمه في فرص العمل، لذلك فالشعار الانتخابي المنافس لأردوغان اليوم هو إعادة اللاجئين، الأمر الذي يسعى أردوغان لانتهازه قبل منافسه، لكن كيف يمكنه أعادتهم وأغلبهم ينتمون أو موالون إلى “الإخوان المسلمين” التي باتت تمثل المجال الحيوي لأردوغان للتسويق في العالم العربي، الذي ينظر إليه بديلا عن “الاتحاد الأوروبي” الذي رفض انضمامه إليه.

لذلك، وبحسب أستاذ العلاقات الدولية، يريد الرئيس التركي تأمين شريط حدود بعمق 30-40 كيلومترا لاستيعاب هؤلاء اللاجئين، الأمر الذي سيمثل له حاجزا بين تركيا وأكراد سوريا، ما يعني قطع ارتباط أكراد سوريا بأكراد تركيا الذين يشكلون ضغطا كبيرا عليه، لأن هذا الفاصل في حال نجاح إنشائه سيكون فاصلا طبيعيا ستنشغل بمشاكله مستقبلا مع الأكراد في سوريا، ويضع تركيا في مأمن عن الصراع معهم.

اقرأ/ي أيضا: اتفاق الرياض وتل أبيب.. المصلحة كمحدد في السياسة الخارجية؟

مصطفى أشار إلى أن أردوغان يرى الوقت الحالي مناسبا لتنفيذ مخططه هذا، من خلال الاستفادة من حلفه مع روسيا التي تخوض صراعا مع أميركا. القضية التي يمكن أن تخدمه في كسب الموقف الروسي الداعم للحكومة السورية، خصوصا على اعتبار أن “قسد” تُعدّ حليفة لواشنطن، وأن الحكومة السورية تسعى لاستعاد السيطرة على آبار النفط في منطقة شرق الفرات التي تسيطر عليها “قسد”، وهو ما دفعت دمشق للتعامل مع مطالب أردوغان ببراغماتية عالية والاستفادة بأكبر قدر ممكن من هذا الوضع.

وفقا لهذا السيناريو، فإن المشهد في غاية التعقيد ولا يمكن حلّه من دون طاولة حوار دولية، وتحسم الأمر، لأنه كما يرى مصطفى، من غير المنطقي وجود جيب في محافظة إدلب وحلب ترعاه تركيا، وجيب آخر في شرق الفرات، ومقابل حكومة رسمية في دمشق، لذلك يجب أن تكون طاولة حوار سورية وبرعاية أممية تضع حدا لهذا الصراع مع ضمان حقوق جميع المكونات والسيادة السورية، وبخلاف ذلك قد يكون من الصعب وفق المشهد الحالي مواجهة التهديدات التركية من خلال جيوبٍ صغيرة.

إلى ذلك، برزت مشكلة المناطق العربية التي تعاني من سياسة التتريك هي الأخرى، حيث دعت “منظمة فرساي لتلاقي الثقافتين العربية والفرنسية” في وقت سابق من الربع الأخير من العام الماضي، “جامعة الدول العربية” و”الأمم المتحدة”، ممثلة بالـ”يونسكو” وسائر المراكز والمؤسسات الثقافية المعنية باللغة العربية، إلى وضع حدّ لمشاريع التتريك المتواصلة التي تقوم بها أنقرة في شمال سوريا.

تحذيرات دولية

“فرساي” أكدت حينها أن ما يتم القيام به في المناطق التابعة لسيطرة فصائل سورية معارضة تتبع الاستخبارات التركية يُعد أمرا خطيرا جدا ويمثل “ممارسات احتلالية” بكل معنى الكلمة؛ حيث بات تأكيد الهوية العربية في تلك المناطق ضربا من الخيال في ظل استمرار مشاريع التغيير الديموغرافي وطمس الهوية الثقافية.

المنظمة، حذرت من تكرار المساعي التركية لمحاربة اللغة العربية في مناطق ما وصفته بـ”الاحتلال التركي” شمال سوريا، ما يمثل انتهاكا ضد الثقافة العربية السورية، ولمبادئ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”.

في إطار ذلك، تتردد أنباء عن خطط لتنظيم استفتاء في بعض المدن السورية الخاضعة لسيطرة فصائل موالية لأنقرة بهدف منحها الحكم الذاتي وإلحاقها لاحقا بالأراضي التركية، إلا أنه تم تأجيل تلك الخطط لإعادة دراستها بعد تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا المفترض إجراؤها في حزيران/يونيو 2023، وانتظار أن يكون المشهد السياسي الإقليمي والدولي مواتيا.

في حين تشير مراصد مختصة إلى أنه تم استبدال أسماء معظم الشوارع والأحياء في تلك المناطق بأخرى عثمانية، وفرض التعامل باللغة والليرة التركيتين، وبشكل خاص في مدن؛ الباب وعفرين وجرابلس واعزاز وأخترين ومارع ورأس العين وتل أبيض.

كما تم جلب موظفين وعناصر أمن أتراك لتقديم خدمات الصحة والبريد والصرافة والهاتف والمياه والكهرباء وغيرها من المستلزمات المعيشية واللوجستية، بهدف إجبار من يتعامل معهم على تعلم اللغة التركية، وبالتالي تغييب هوية المناطق الأصلية عن المشهد اليومي للحياة، خاصة في الأجيال الشابة وهو ما يترافق أيضا مع توزيع كتب ومناهج دراسية تركية في المدارس السورية في تلك المناطق.

بناء على ذلك، فإن المساعي التركية التي تحمل أجندات سياسية وقومية وعرقية، باتت تهدد أجزاء واسعة من جغرافية سوريا، الأمر الذي بات ينذر بعمليات تغيير ديموغرافية خطيرة والذي يستدعي حلّا دوليا، وأخرا إقليميا يمكن أن يضمن حقوق وأمن الجميع من دون الدخول في معترك صدام مستقبلي، قد تحدثه المناطق الفاصلة الجديدة في الداخل السوري.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة