زيارات أميركية إيرانية لبغداد.. تحوط استراتيجي في سياسة طهران تجاه واشنطن؟

زيارات أميركية إيرانية لبغداد.. تحوط استراتيجي في سياسة طهران تجاه واشنطن؟
أستمع للمادة

بالتزامن مع وجود وفد أميركي رسمي برئاسة منسق “البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط” بريت ماكغورك، في العاصمة العراقية بغداد، التقى خلاله مع رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، وقادة عراقيين أخريين، قبل أن يتوجه إلى أربيل للقاء رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني. كشفت مصادر عراقية أمس الثلاثاء، عن وصول قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني، إسماعيل قاآني إلى بغداد مساء الاثنين الفائت.

وسط ذلك، ومع الزيارة المعلنة التي يقوم بها المبعوث الأميركي إلى العراق، وعدم إفصاح الجنرال الإيراني قاآني عن هدف زيارته أو اللقاءات التي أجراها أو سيجريها، ربط البعض الزيارتين بالتطورات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية، والتي كان آخرها تأكيد السوداني على حاجة العراق إلى الوجود الأميركي، فضلا عن الأنباء المتداولة بشأن تصدع تحالف “الإطار التنسيقي” الذي يضم جميع القوى الشيعية المقرّبة من إيران باستثناء “التيار الصدري” الذي يقوده رجل الدين البارز مقتدى الصدر.

فيما يرجّح البعض أن تمثل الزيارتين التي غابت عن المشهد العراقي منذ مقتل قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني بغارة جوية أميركية ببغداد قبل ثلاثة أعوام، وسبق واعتادت عليها بغداد، لاسيما قبيل تشكيل الحكومات أو أثناء الأزمات، حيث يتواجد ممثلي الجانبين في بغداد بوصفهما أبرز فاعلَين في العملية السياسية العراقية، بأن تكون هذه المرة عتبة جديدة لتصفية ملفات عالقة بين الطرفين.

تقارب بغداد وواشنطن وامتعاض طهران

في الأثناء، كانت تصريحات رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لصحيفة “وول ستريت جورنال”، حول الحاجة لوجود قوات أميركية في العراق، قد أججت ردود فعل متباينة، فالبعض يرى أنها وضعت حكومته في مرمى الانتقادات بخاصة مع موقف “الإطار التنسيقي” المتبني لحكومته، والرافض لتواجد أي قوات أجنبية، في حين ترى فئة أخرى أنها واقعية وتستند لتفاهمات خارجية ينبغي على العراق أن يسير باتجاهها تحقيقا للاستقرار السياسي والأمني، والأهم أنها الدافع الحقيقي وراء زيارة الوفد الأميركي، والذي تسعى طهران عبر قاآني تعكير صفوه.

اقرأ/ي أيضا: الغزو الروسي لأوكرانيا.. نظرة في أهداف إيران الاستراتيجية

فيما يعتقد البعض أن ذلك يمثل استفزازا لإيران، التي ترفض عن طريق وكلائها التواجد الأميركي في العراق بشكل قاطع، وهو ما يفسّر وجود تباعد بين طهران وأذرعها في بغداد الذي أفقدها دور المبادرة في مثل هذه المنعطفات، لاسيما بعد تأكيد ماكغورك دعم بلاده لإنجاح الحكومة الحالية التي تُتهم بقربها من إيران، واستمرار الولايات المتحدة في تقديم المشورة للقوات العراقية في قتالها ضد “داعش”، والالتزام باتفاقية “الإطار الاستراتيجي”، ودعم إصلاحات الحكومة العراقية في مجال الطاقة والبنية التحتية ومواجهة التغيرات المناخية.

كل ذلك في ظل حراك أميركي مكثف تجاه الحكومة العراقية المشكلة حديثا برئاسة السوداني؛ فمنذ أن باشرت الحكومة مهامها في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي، التقت السفيرة الأميركية لدى بغداد إلينا رومانسكي بالسوداني نحو 7 مرات، ما أثار اعتراض بعض الأطراف الشيعية المحسوبة على طهران، وأشر مستوى التعاون بين واشنطن وبغداد في المرحلة الحالية والذي يمكن أن ينعكس سلبا على مستوى النفوذ الإيراني في العراق.

في الأثناء، تحدث موقع “الحل نت” مع رئيس “مركز التفكير السياسي” إحسان الشمري، حول أهداف الزيارتين وأبعادها، وإذا ما كانت تمثل تطورا على مستوى التدافع بين أميركا وإيران في العراق، وقال إن “زيارة الجنرال الإيراني هي بسبب وجود تصدعات داخل تحالف الإطار التنسيقي وتحالف إدارة الدولة الذي تدعمه إيران”، مشيرا إلى أنه “ليس من مصلحة إيران في الوقت الحالي انهيار هذا التحالف”.

العراق ودوره بين أميركا وإيران

الشمري أكد أن لقاء السوداني وماكغورك قد طُرحت فيه الملفات التي ستناقش في زيارة متوقعة للسوداني إلى واشنطن والاجابات العراقية عليها والتي ستنقل إلى الرئيس الأميركي جو بايدن، لافتا إلى أنه انه يمكن للعراق بوجود المبعوثَين الإيراني والأميركي أن يلعب دورا ناقلا للرسائل بين الطرفين حول الملفات العالقة بين الدولتين.

في مقابل ذلك، يجري الحديث نقلا عن مصادر سياسية مطلعة، أن تحالف “الإطار التنسيقي” يمرّ بمرحلة خلافات واسعة وصلت حد تهديد بعض أطرافه في سحب وزرائهم من الحكومة، وذلك بسبب عدم التفاهم بين زعيم ائتلاف “دولة القانون”، رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، وزعيم ميليشيا “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي.

اقرأ/ي أيضا: صدمات تهز العالم في العقد المقبل.. عصر جديد من “الأزمات المتعددة“؟

من جهته، يرى مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة “غالوب الدولية” منقذ داغر، في تصريحات أدلى بها لصحيفة “المدى” المحلية، أن زيارة المبعوث الأميركي جاءت بسبب التصريحات والمواقف الاخيرة للسوداني التي اعتبرت إيجابية تجاه واشنطن، لافتا في القوت ذاته إلى أن وجود الجنرال الإيراني إسماعيل قاآني بنفس التوقيت في بغداد، هو رسالة لواشنطن إن إيران متواجدة على الأراضي العراقية وبقوة، واصفا تصريحات السوداني بشأن بقاء القوات الأميركية بأنها قفزة كبيرة تجاه أميركا لم يفعلها رؤساء حكومة من قبله.

في حين كان السوداني قد أكد في وقت سابق أن العراق لا يزال في الوقت الحالي بحاجة إلى القوات الأجنبية الموجودة فيه، والتي معظمها أميركية، مضيفا، نعتقد أننا بحاجة إلى القوات الأجنبية، مشيرا إلى أن القضاء على تنظيم “داعش” سيستغرق بعض الوقت.

يشار إلى أن زيارة قائد “فيلق القدس” الجنرال قاآني إلى بغداد، هي الثانية من نوعها بعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بعد زيارته الأولى التي جاءت في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، وبحسب مصادر مطّلعة فإن قاآني عقد عدة لقاءات مع قيادات سياسية في “الإطار التنسيقي”، وكذلك مع زعماء فصائل مسلحة لبحث جملة من الملفات خلال زيارته.

تحفظات إيرانية

فيما كشفت مصادر من داخل “الإطار التنسيقي”، أجندة زيارة قاآني إلى العراق في هذا التوقف تحديدا، مبينة أن الوجود الأميركي العسكري وموقف السوداني الأخير منه على رأس تلك الملفات التي يحملها قائد فيلق “القدس”، حيث تتحفظ إيران على هذا الموقف، فضلا عن بحث تقريب المسافة بين أطراف تحالف “الإطار التنسيقي” بشأن قضايا تتعلق بعمل الحكومة وملفات أخرى.

في غضون ذلك، قالت وكالة “مهر” للأنباء الإيرانية، إن قاآني توجه إلى تقديم واجب العزاء بوفاة عقيلة محمد باقر الحكيم، وأظهرت الوكالة صورا تجمع الأخير مع زعيم “تيار الحكمة” عمار الحكيم، فيما أظهرت صورا متداولة لقائد “فيلق القدس” أمام نصب حادثة المطار التي شهدت استهداف نائب رئيس “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، وقاسم سليماني.

الجدير بالذكر، أن مسؤولين عراقيين قالا الأسبوع الماضي، في تصريحات لصحيفة “العربي الجديد” إن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يخطط لإجراء زيارة رسمية إلى واشنطن خلال الفترة المقبلة، على رأس وفد وزاري كبير من حكومته، وأنه ينسّق في هذا الملف مع السفارة الأميركية بالعاصمة بغداد.

على هذا النحو، فإن الزيارة المتزامنة لمبعوثي أميركا وإيران إلى العراق، لعلها تفسير لمستوى التجاذب بين الجانبين، والذي يسعى من خلاله كل طرف لإثبات علو كعبه على الساحة العراقية. الأمر الذي على ما يبدو أن الجانب الأميركي وفي ظل المرحلة الحالية وعلامات التودد العراقية إليه، أنه صاحب المبادرة الأولى فيه، حتى وإن كانت الحكومة قد ولدت من رحم قوى سياسية موالية لطهران.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة