منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولغاية الآن، عجزت روسيا واليابان عن إبرام معاهدة تنهي رسميا الأعمال العدائية بين البلدين، وتنهي تنازعهما حول جزر المحيط الهادئ المعروفة يابانيا بالأقاليم الشمالية، وروسيا بجزر الكوريل الجنوبية. ومع الغزو الروسي لأوكرانيا زادت علاقات البلدين تدهورا وتوقفت مساعي تطويرها التي بدأها رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي. ما يثير التساؤل حول مستقبل العلاقة بين الدولتين.

“إنها ليست أراض متنازع عليها بل روسية”، كتب الرئيس الروسي السابق، ديمتري ميدفيديف، على منصة “إكس”، منتقدا خطاب رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، الذي أكد التزام حكومته بتوقيع معاهدة سلام مع موسكو لحل النزاع الإقليمي حول سلسلة الجزر المذكورة، إلى جانب عدم تزعزع “دعم حكومته لأوكرانيا والعقوبات ضد روسيا”. وعليه، أضاف ميدفيدف، “نحن لا نهتم بمشاعر اليابانيين فيما يتعلق بما يسمى الأراضي الشمالية”.

من جانبها، علّقت وزارة الخارجية الروسية مفاوضاتها مع طوكيو، نتيجة القيود الأحادية وغير الودية التي فرضتها اليابان بسبب الصراع في أوكرانيا. وقالت الوزارة ، إن موسكو ستوقف برنامجا يسمح للمقيمين اليابانيين السابقين بزيارة أربع جزر متنازع عليها دون تأشيرة. قابل كيشيدا ذلك بالقول، “تصرفات روسيا غير معقولة للغاية وغير مقبولة على الإطلاق”.

كذلك، استعاد كيشيدا المصطلح الياباني لسلسلة الجزر المتنازع عليها بعد سنوات من تجنبه. فخلال جلسة لجنة الميزانية بمجلس المستشارين في آذار/ مارس 2022، قال كيشيدا، إنها “أرض متأصلة” لليابان. وأن حكومته استخدمت مصطلح “الأراضي السيادية” دبلوماسيا. وأن “كل من ‘الأراضي المتأصلة والأراضي السيادية هي استجابة لمصالحنا”.

ومؤخرا، منحت سلطات الهجرة اليابانية، أواخر نيسان/ أبريل الفائت، إذنا خاصا بالبقاء لمواطن روسي طلب اللجوء السياسي في اليابان. حيث أن العديد من الأفراد الحاصلين على وضع اللاجئ أو على تصريح إقامة خاصة بناء على اعتبارات إنسانية، هم من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، “ولم يسبق منح أي روسي هذا الحق”، حسب وكالة خدمات الهجرة اليابانية.

الإعلان السوفيتي لعام 1956

في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، استولى الاتحاد السوفيتي على جزر إيتوروفو وهابوماي وكوناشيري وشيكوتان، ألحقها السوفيت بجزر الكوريل وأطلق عليها جزر الكوريل الجنوبي، فيما جادلت اليابان بأنها جزء من محافظة هوكايدو، وأطلقت عليها اسم الأقاليم الشمالية. وخلال 80 عاما، فشلت جهود تسوية النزاع في إحراز تقدم كبير. وفي عام 2012، جعل شينزو آبي، بعد عودته لرئاسة وزراء اليابان، من تحسين العلاقات مع روسيا واحدة من أهم أولوياته.

في سابقة غير مسبوقة، بدأ بعقد اجتماع مشترك لوزيري خارجية ودفاع البلدين. وضاعف جهوده لجذب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي أثمرت بلقاء الأخير قرابة 27 مرة، خلال ولاية آبي التي استمرت 7 سنوات. وبحسب الزميل الأقدم في معهد أبحاث السياسة الخارجية، فيليكس ك. تشانغ، يبدو أن آبي كان مفرط التفاؤل بإبرام معاهدة سلام مع روسيا تمّكن اليابان من تحرير مواردها للتعامل مع الصين.

وفقا للباحث في العلاقات الدولية في “مركز الدراسات العربية الأوراسية”، مصطفى شلش، فإن العلاقات اليابانية-الروسية يجب فهمها من العهد القيصري، فالبلدان كانا في حالة حرب وعداء مستمر. وعليه، كان توغل السوفيت في الأراضي اليابانية أواخر الحرب العالمية الثانية، سببا لاستسلام اليابان في الحرب، نتيجة خوف اليابانيين من سيطرة السوفيت على بلادهم. ومن جانبها، أدركت الولايات المتحدة آنذاك أن ترك اليابان للسوفيت يعني خسارة استراتيجية كبيرة جدا، نظرا لقرب الجزر اليابانية وقدرتها على مواجهة السواحل الأميركية.

“خلال وزارة شينزو آبي عام 2012، اقتربت المشكلة بين الدولتين من الحل” قال شلش، في حديثه مع “الحل نت”. خلالها تحسنت علاقتهما بشكل مطرد جدا، وانعكس ذلك في الأرقام التجارية بينهما، حيث بلغ قرابة 35 مليار دولار. كذلك سارت العلاقات بينهما تجاه اتفاقية سلام وتسوية شاملة كان من المتوقع شمولها بعض الترتيبات الخاصة بالجزر المتنازع عليها.

رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي – (إنترنت)

في خطابه بافتتاح جلسة البرلمان في يناير/ كانون الثاني 2019، قال شينزو آبي، “بالنسبة لروسيا، فإن دولتينا سيعمقان الثقة والصداقة المتبادلتين، وسيحلان مشكلتهما الإقليمية ويوقعان معاهدة سلام”. مضيفا: “نتشارك مع بوتين التصميم على وضع حد لهذه القضية دون تركها للأجيال القادمة”. مشددا على أن المحادثات ستتعزز على أساس الإعلان السوفيتي الياباني المشترك لعام 1956، القاضي بتسليم طوكيو بعض جزر الكوريل الجنوبي، بعد توقيع معاهدة سلام.

بدوره، يشير الباحث والخبير بالشأن الروسي، ديمتري بريجع، لعدم ديمومة استقرار العلاقات الروسية-اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية. وهو ما أثّر كثيرا على علاقة الدولتين. لكن خلال حقبة بوتين، تم العمل على بناء علاقات منسجمة، ولحل بعض النزاعات والخلافات بينهما. على أساسها دخل الجانبان في مفاوضات لتوقيع معاهدة سلام وترسيم للحدود. وخلال هذه اللقاءات كان هناك استعداد روسي لحل نزرع الأراضي طبقا للإعلان السوفيتي الياباني لعام 1956، وتسليم بعض الجزر إلى اليابان، لكن اليابان لم توافق حينها على حل وسط لهذا النزاع.

بحسب “معهد كوينسي“، كان الاحترام الشخصي القوي والمصالح المتبادلة في زيادة التجارة، حجر زاوية العلاقة بين بوتين وآبي. إضافة لنظرة الأخير إلى روسيا كحاجز محتمل ضد الصين التي تزداد عدائية. لذا، اقتربت تجارة الدولتين عام 2013 من مستوى قياسي بلغ 34.8 مليار دولار وظلت قوية طوال العقد، وإلى ذلك يشير شلش بقوله، “كانت السياسة اليابانية تلعب على التناقض ما بين روسيا والصين، حيث أرادت طوكيو اجتذاب موسكو ناحيتها للتعامل مع النفوذ الصيني المتنامي”. 

“اليابان ليست كيانا مستقلا”

في استراتيجية روسيا تجاه الصين، لعبت اليابان دورا مهما، حسب موقع “Nikkei Asia” ، نتيجة تطلع موسكو لانتزاع أكبر قدر ممكن من الدعم من كلا البلدين. مما دعا بعض اليابانيين للتساؤل عما إذا كان “الكرملين” يهمل عمدا القضية الإقليمية، حيث أثار حجم طلبات موسكو الدهشة، عبّر عنها مسؤول كبير في وزارة الخارجية اليابانية ساخرا، عند سماع اقتراح بتمديد السكك الحديدية العابرة لسيبيريا إلى هوكايدو: “من الجيد أن يكون لديك أحلام”.

“من وجهة نظر روسيا، اليابان ليست كيانا دبلوماسيا مستقلا”، كتب شلش في “مركز الدراسات العربية الأوراسية“، كنتيجة لتحالف طوكيو الأمني والعسكري مع واشنطن، ما يثير مخاوف موسكو من أن الثانية تحرّض الأولى على استعادة جزر الكوريل أو احتلالها، للانتشار العسكري فيها بقوات أميركية أو أطلسية، ما يقوّض الأمن القومي الروسي، فالمنطقة ذات أهمية استراتيجية وعسكرية، فهي إحدى القواعد العسكرية الإستراتيجية للأسطول الروسي وغواصاته.

كذلك، لم تكن العلاقات بين الدولتين جيدة، والاستمرار فيها سيؤدي إلى الاستقطاب الذي خطته واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادي، قال شلش لموقع “الحل نت”. فقد اختارت اليابان الاصطفاف في المحور الأميركي، ضد محور يُتوهم أنه متحد (الروسي-الصيني). مع ذلك، لم يبلغ الاضطراب علاقات الدولتين حده الأقصى، نتيجة ارتهان العلاقات اليابانية الروسية بالقرار الأميركي في النهاية، والتصعيد الأميركي في آسيا متجه نحو الصين وليس تجاه روسيا. 

لذا، فإن تراجع علاقات الدولتين مسألة غير مهمة، ينحصر ضررها بالعلاقات التجارية. وهو ما يمكن تجاوزه عبر الالتفاف على العقوبات الغربية على روسيا، عبر شراء بلدان آسيوية للتكنولوجيا اليابانية وإعادة تصديرها إلى روسيا، فيما تحصل اليابان على النفط الروسي، الذي يباع في الأسواق الدولية، بعد تصديره للهند أو لدول أخرى. فالمسألة، وفق شلش، هي مرحلة جمود مؤقت لحين توصل الدول الأطلسية إلى تسوية مع روسيا، وبعدها تعود العلاقات التجارية بين البلدين لتناميها.

بحسب مركز “مالكوم كير-كانيغي“، السبب الرئيسي لفشل اتفاقية سنغافورة، هو اختلاف بين التصورات اليابانية والروسية لغرض معاهدة السلام. فطوكيو رأت في المعاهدة “تسوية كاملة لدبلوماسية ما بعد الحرب”. فيما أشارت موسكو إلى شرط مسبق لإبرام المعاهدة، وهو تعزيز العلاقات الثنائية في جميع المجالات، السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن. وعليه، كان اتفاق سنغافورة استجابة لاقتراح مضاد من اليابان، لكن تفسير إجابة بوتين في منتدى فالداي (“يبرم الجانبان معاهدة سلام نهاية عام 2021 دون شروط مسبقة”)، صعّب افتراض موافقة موسكو على تسليم جزيرتين بناء على إعلان عام 1956.

غزو أوكرانيا.. عقدة المنشار

بعد غزو روسيا لأوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، طردت طوكيو عددا من الدبلوماسيين والمسؤولين التجاريين الروس. وألغت وضع الدولة الأولى بالرعاية لروسيا، كجزء من العقوبات الاقتصادية التي طالت أيضا تجميد الأصول المستهدفة للرئيس بوتين والبنك المركزي الروسي. وعلى مدار العامين الماضيين، ساهمت اليابان بمبلغ 12.1 مليار دولار لأوكرانيا على شكل مساعدات مالية وإنسانية، ومخصصات معدات عسكرية لأسلحة غير فتاكة. 

مع ذلك، ردت موسكو، في كانون الأول/ ديسمبر الفائت، بغضب على إعلان استعداد طوكيو لشحن صواريخ باتريوت إلى واشنطن بعد مراجعة إرشادات تصدير الأسلحة لديها. فرغم حظر ضوابط التصدير اليابانية الجديدة لشحن الأسلحة إلى البلدان التي هي في حالة حرب، إلا أن هذا الإعلان قد يفيد أوكرانيا بشكل غير مباشر، عبر “منح واشنطن قدرة إضافية لتقديم المساعدات العسكرية إلى كييف”، حسب مايكل كوربن في “معهد كوينسي“.

نتيجة للمد القومي الياباني خلال عهدة كيشيدا، توجهت العلاقات اليابانية الروسية نحو الانحدار، وفق شلش، حيث عادت الأفكار القومية عن الأقاليم الشمالية وحق اليابان فيها ووجوب انسحاب الروس منها وعودتها بالكامل إلى اليابان. إلى جانب ذلك، أطلقت الحرب في أوكرانيا رصاصة أخيرة تجاه هذه العلاقات، فمشاركة اليابان بالعقوبات على روسيا، وفتح قدراته المالية على أوكرانيا، واندماجه مع السياسة الأميركية في إرسال بعض المنظومات الدفاعية، أضر جدا بعلاقات البلدين.

نتيجة المواقف اليابانية الرافضة لسياسة روسية حيال ما يسمى “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، مع دعم طوكيو لكييف، أصبحت علاقة الجانبين سيئة جدا، حسب بريجع. معتبرا خلال حديثه مع “الحل نت”، أن المشكلة الأساسية، أن اليابان تخضع لهيمنة غربية، وهذا الشيء ليس بجيد من منظور السياسة الروسية، فروسيا ضد الغرب وضد السياسة الغربية وما تقدمه من دعم لأوكرانيا. وبرأيه، العلاقات الروسية اليابانية لن تعود كما كانت سابقا، وهي في أزمة حقيقية. 

خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميهال، جدد كيشيدا وعده بالوقوف إلى جانب أوكرانيا حتى تحقيق السلام، مع التزام طويل الأجل بإعادة إعمار أوكرانيا. معلناً أن الجانبين سيناقشان اتفاقية استخباراتية، حيث تسعى اليابان إلى تعزيز أمنها القومي من خلال تعزيز العلاقات الدفاعية مع أوكرانيا. كما تعهدت طوكيو بتقديم 105 ملايين دولار كمساعدات جديدة لأوكرانيا، لتمويل إزالة الألغام وغيرها من مشاريع إعادة الإعمار. مع تشديد الحكومتين اليابانية والأوكرانية على أهمية الحفاظ على عقوبات صارمة ضد روسيا.

في ظل الاستقطاب الدولي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وما قد يتبعه من أزمات دولية مرشحة للانفتاح، ومنها القريب من اليابان، سيتزايد هذا الاستقطاب حدة ضد روسيا والصين، ما قد يدفع بالأخيرتين لبناء شراكة استراتيجية لمواجهة المحور المقابل لهما، والذي ستكون اليابان ضمن صفوفه، نظرا لاعتماد أمنها على التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى ذلك، سيكون الحديث عن تطوير العلاقات الروسية-اليابانية من قبيل الأماني.   

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات