هل جبهة “البوليساريو” الهدف القادم لإسرائيل؟

جبهة البوليساريو إسرائيل الجزائر المغرب إيران
جبهة البوليساريو إسرائيل الجزائر المغرب إيران

الصراع بين جبهة “البوليساريو” والمغرب هو أحد أطول النزاعات المستمرة في إفريقيا، ويمثل نقطة خلاف رئيسية في العلاقات الدولية والإقليمية. يتعلق هذا الصراع بمستقبل الصحراء الغربية، وهي منطقة واسعة في شمال غرب إفريقيا كانت تحت الاستعمار الإسباني. 

بعض الأطراف الدولية تستغل هذه النزاعات لفرض نفوذها على طرف دون الآخر لتحقيق مكاسب سياسية، كما تفعل إيران بدعمها العسكري لجبهة “البوليساريو”، مما يساهم في خلق المزيد من الصراعات والأزمات في الشرق الأوسط.

التحذير الإسرائيلي للغرب

يثير الدعم العسكري الجزائري لجبهة “البوليساريو” مخاوف متزايدة بشأن الاستقرار الإقليمي وتداعياته الاستراتيجية على شمال إفريقيا وخارجها. فقد نفذت جبهة “البوليساريو”، يوم السبت 9 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، هجوماً مسلحاً جديداً، هذه المرة في جماعة المحبس الريفية الواقعة بإقليم آسا الزاك في الصحراء الغربية. وفي هذا الحادث الأخير، الذي لم يتسبب، في وقوع إصابات، حيث أطلق المهاجمون مقذوفات من أربع مركبات قبل أن يتم تحييدهم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة خلال مؤتمر ”سايبرتك 2019“ لصناعة السايبر في 29 يناير 2019 في تل أبيب. – اتهم نتنياهو عدوه اللدود إيران بشن هجمات إلكترونية على إسرائيل بشكل منتظم، والتي تمكنت الدولة اليهودية من إحباطها بقدراتها السيبرانية ”التي لا مثيل لها“. (تصوير جاك غيز/وكالة الصحافة الفرنسية)

ومؤخراً، حذرت إسرائيل، التي تشن عمليات عسكرية ضد “حماس” و”حزب الله” والميليشيات الإيرانية، الدول الغربية من الخطر المحتمل الذي تشكله الجزائر. وبحسب المصادر، يمكن للجزائر أن تقدم معدات عسكرية متقدمة لجبهة “البوليساريو” أو حتى أن تعمل كبديل عسكري مباشر.

يصرح أسامة الهتيمي، المختص في الشأن الإيراني، في حديثه مع “الحل نت” قائلاً: “يأتي التحذير الذي أطلقته إسرائيل مؤخراً للدول الغربية بشأن الدعم العسكري الجزائري لجبهة (البوليساريو) الساعية لاستقلال الصحراء، كحلقة جديدة من سلسلة طويلة من التحذيرات الإسرائيلية المتكررة على مدار سنوات، لتصعيد حدة الملف بين الحين والآخر”. 

وربما يأتي هذا التحذير هذه المرة في توقيت يحمل دلالة خاصة، إذ تسعى إسرائيل إلى إرسال رسالة مفادها أنه، ورغم التصعيد العسكري على عدة جبهات سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية أو على الحدود الشمالية مع لبنان، فهي قادرة على متابعة بقية الملفات ذات الأهمية، وبقوة، ومن بينها ملف الصحراء المغربية، مما يبرز أنها فاعل مهم في القضايا الخارجية.

ولا شك أن هناك قلقاً شديداً لدى إسرائيل من أن تصبح جبهة “البوليساريو” واحدة من أذرع إيران في شمال إفريقيا، حيث تسعى إيران، وعلى مدار سنوات ليست بالقليلة، إلى اختراق المنطقة. غير أنها تواجه مقاومة شرسة من الأنظمة والشعوب، بسبب الخلاف المذهبي مع إيران، بالإضافة إلى الوعي الكبير بطبيعة المشروع الإيراني. ومع ذلك، تتصاعد هذه الهواجس على خلفية التقارير المتواترة حول الدعم العسكري الذي يقدمه “حزب الله” اللبناني للجبهة، سواء على مستوى التدريب أو تسليحها.

دلالة التحذير الإسرائيلي

يُعد التحذير الإسرائيلي ربما بداية مرحلة جديدة من التصعيد والنزاع في شمال إفريقيا. ويعلق الكاتب هشام النجار، المتخصص في شؤون الإرهاب، في حديثه مع “الحل نت” على هذا التحذير قائلاً: “هناك ما يدفع إسرائيل للإقدام على عمل كهذا، لأن العديد من الدلائل تشير إلى علاقات متقدمة بين (البوليساريو) وإيران”. 

وليس ذلك فحسب، بل إن إيران تعتبر جبهة “البوليساريو”، كياناً غير دولتي، جزءاً من أدواتها لمد النفوذ. إذ ترى طهران في “البوليساريو” جزءاً من طاقم ميليشياتها، الذي يُستخدم لضرب مصالح إسرائيل في المنطقة. ولهذا، جرى تدريب قوات الجبهة الانفصالية، المدعومة من الجزائر، على تكتيكات حرب العصابات وحرب المدن على أيدي مدربين من “حزب الله”، الحليف الإيراني.

ويتابع النجار: “لقد شهد العام الماضي تحولين مهمين في هذا الملف. أولهما، اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية. وثانيهما، حرب غزة واشتداد المواجهة بين محور إيران، بما يشمله من المركز والأذرع، وإسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة والقوى الغربية. هذه التطورات أدخلت “البوليساريو”، التي تتلقى دعماً نوعياً من إيران، في منعطف جديد وخطير”.

هذه الضربات تؤثر بشكل مباشر على نفوذ إيران ومصالحها الاستراتيجية، وتُضعف أوراق مناوراتها في مواجهة إسرائيل. سواء فيما يتعلق بمحاولتها منع مواجهة مباشرة بينها وبين إسرائيل، وهي مواجهة لن تكون الولايات المتحدة بعيدة عنها، أو فيما يتعلق بموقفها أثناء عقد أي صفقات. وبدون شك، فإن قوة الأذرع وحضورها وصمودها من عدمه عامل أساسي في الصراع الدائر”.

ويستطرد النجار: “لهذا تحتاج إيران بشكل تلقائي إلى تشغيل وتحريك جميع الأذرع والكيانات الأخرى التي تتلقى منها الدعم المالي والعسكري، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لتكون جبهات إسناد لها في المواجهة المحتدمة الحالية، ولتخفيف الضغط عن المركز (إيران) وأذرعها المنخرطة بشكل مباشر في الحرب، مثل حزب الله”. 

وبدون شك، فإن الأنظار تتجه في هذا السياق إلى تنظيم “القاعدة”، وجبهة “البوليساريو”، وفرع “القاعدة” في اليمن، وحركة “الشباب” بالصومال كجبهات إسناد محتملة. هذه الجهات، التي تتلقى تمويلاً ودعماً إيرانياً، قد تكون مستهدفة من قبل إسرائيل، حتى لا تشكل عامل قوة يُضاف إلى الإيرانيين.

الدعم العسكري لجبهة “البوليساريو”

يشكل دعم الجزائر لجبهة “البوليساريو” استراتيجية بقاء للنظام العسكري الجزائري، الذي لا يزال لاعبًا مهيمنًا في سياسة البلاد. وهذا الدعم ليس مجرد مسألة تضامن مع السكان الصحراويين في مخيمات تندوف أو موقف نكران الذات من الناحية الأيديولوجية، بل هو خيار عملي يسعى من خلاله النظام إلى الحفاظ على سلطته ونفوذه في بيئة جيوسياسية معقدة.

اتهم المغرب في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني جبهة البوليساريو بإغلاق الطريق السريع الرئيسي للتجارة مع بقية أفريقيا، وأطلق عملية عسكرية لإعادة فتحه. (تصوير فاضل سينا / وكالة الصحافة الفرنسية)

ومن بين المعدات العسكرية التي يُحتمل أن تُزوّد بها جبهة “البوليساريو”، نظام الدفاع الجوي متقدم. إن الحصول على مثل هذه الأنظمة قد يُخل بالتوازن العسكري في المنطقة، مما يتيح لجبهة “البوليساريو”، تحت قيادة الجنرال سعيد شنقريحة، قائد الجيش الوطني الشعبي الجزائري، استهداف التهديدات الجوية. وهذا من شأنه أن يجعل الوضع أكثر تقلبًا على طول حدود الصحراء الغربية.

وقد أشار النجار إلى أن بعض الصحف والمواقع الغربية، مثل صحيفة “دي فيلت” الألمانية، نشرت تقارير تشير إلى أن إيران نقلت لجبهة “البوليساريو” صواريخ أرض-جو وطائرات بدون طيار، وفقًا لتصريحات منسوبة لوزير الخارجية المغربي. 

كما افتتحت إيران معسكرات تدريب لعناصر الجبهة داخل الجزائر. ووفقًا لتقرير الصحيفة الألمانية المنشور في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تشير محادثات بين عناصر “البوليساريو”، بعد حرب غزة، إلى تخطيط بالتنسيق مع “حزب الله” والجزائر وإيران لتنفيذ هجوم مسلح على مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، بشرط توفير دعم عسكري للجبهة.

إضافة إلى ذلك، تُعزز الجزائر من قدراتها العسكرية من خلال صواريخ “إسكندر-E” الباليستية، التي تُعتبر من الأنظمة الروسية المتطورة. يتميز هذا النظام بالدقة والقدرة على الحركة، مما يسمح بانتشار سريع على مختلف التضاريس. وبمدى يصل إلى 500 كيلومتر، يمنح هذا الصاروخ الجزائر القدرة على استهداف مواقع استراتيجية ليس فقط في المنطقة ولكن أيضًا في أوروبا.

مخاطر جبهة “البوليساريو”

حذرت المغرب مرارًا من المحاولات الإيرانية لزعزعة استقرار المنطقة من خلال تزويد الانفصاليين بالأسلحة والطائرات بدون طيار. كما زعمت أن “حزب الله” يدرب قادة “البوليساريو” في معسكرات بالجزائر، التي توفر غطاء سياسيًا لقادة الجبهة كجزء من جهودها لإطالة أمد الصراع.

تسعى طهران من خلال هذا السلوك إلى توجيه جزء من الصراع إلى شمال إفريقيا لتخفيف الضغط عنها، وتوسيع ساحات المناورة وتنويع أوراقها وأدواتها. هذا النهج يُضاعف المخاطر الأمنية التي تهدد مصالح دول المنطقة، إضافة إلى أوروبا وأميركا.

كما يشير الهتيمي، إلى أن تنامي قدرات “البوليساريو” يمثل تهديدًا مباشرًا للدول الغربية. إذ يؤدي تصعيد الصراع مع المغرب إلى توترات أمنية في الدول المجاورة، ما يترتب عليه نزوح جماعي وزيادة محاولات الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط إلى أوروبا، وهي مسألة تمثل هاجسًا كبيرًا لدول الغرب. بالإضافة إلى ذلك، تهدد هذه التوترات المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة، مما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا ويزيد من صعوبة تحقيق تسوية سياسية للصراع في الصحراء.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم