تعاني سوريا من نقص في السيولة من العملة المحلية في المصارف بما فيها “المصرف المركزي” والأسواق، في ظل تبني “مصرف سوريا المركزي” سياسة حبس السيولة والتشدد النقدي بهدف مكافحة التضخم الجامح، وضبط سعر الصرف، إضافة إلى الاحتفاظ بما هو متاح من احتياطيات للوفاء بالالتزامات التي على الدولة من رواتب وخلافه.
وخلّف النظام السوري المخلوع تركة اقتصادية ثقيلة لـ “حكومة تصريف الأعمال” برئاسة محمد البشير والتي ستنتهي مهمتها في الأول من آذار/ مارس المقبل، ليتم تعيين “حكومة انتقالية جديدة” بحسب ما أعلن الرئيس أحمد الشرع.
غموض حول حجم الاحتياطيات النقدية
لم يكشف “مصرف سوريا المركزي” عن مخزونه من احتياطيات سواء بالعملة المحلية أو الدولار، لكن رئيس “حكومة تصريف الأعمال” في سوريا، محمد البشير، كان قد كشف في تصريحات صحفية أن خزائن المصرف لا تحتوي إلا على أوراق نقدية بالليرة السورية، مع الافتقار إلى السيولة بالعملات الأجنبية، مشيرًا إلى أن الحكومة ما تزال تجمع بيانات حول القروض والسندات.
أما ميساء صابرين “حاكمة مصرف سوريا” المكلفة بتيسير الأعمال، فمنذ تعيينها لم تصدر سوى تصريح صحفي واحد، وحينما تم التطرق إلى حجم احتياطيات النقد الأجنبي والذهب الحالية، امتنعت عن الحديث بهذا الشأن، وقالت إن مراجعة الميزانية العامة لا تزال جارية.

وأضافت صابرين، أن البنك يريد تجنّب الاضطرار إلى طباعة الليرة السورية لانعكاس أثر ذلك في معدلات التضخم.
وكانت وكالة “رويترز” للأنباء نقلت عن أربعة أشخاص مطّلعين على الوضع في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أن “المصرف المركزي” لديه ما يقرب من 26 طنا من الذهب في خزائنه، بقيمة تبلغ نحو 2.2 مليار دولار، وكذلك نحو 200 مليون دولار وكمية كبيرة من الليرة السورية.
ومنذ عام 2011، يتبع “المركزي السوري” سياسة عدم الإفصاح عن احتياطاته، حيث كانت خزينته تحتوي على احتياطي يبلغ نحو 18 مليار دولار، ولكن في عام 2016، أصدر “البنك الدولي” بيانًا رسميًا أكد فيه أن “مصرف سوريا المركزي” يملك حجم مخزون احتياطي من القطع الأجنبي يقدر بنحو 700 مليون دولار فقط.
المُضاربون والاستفادة من الأزمة
في هذا الصدد، أوضح الأستاذ في جامعة العلوم الماليزية فرع إسطنبول والمستشار الاقتصادي، الدكتور مخلص الناظر، أن السيولة بالعملة المحلية عندما تصبح أكبر في الأسواق من السيولة في المصارف بما فيها “المركزي”، فهذا يعني أن هناك تضخمًا في المعروض النقدي خارج النظام المصرفي.
التضخم بالمعروض النقدي، قد يؤدي إلى زيادة حجم التضخم، وتقلب قيمة العملة وارتفاع الأسعار يصب في مصلحة المُضاربين.
المستشار الاقتصادي، الدكتور مخلص الناظر
ويشهد سعر الصرف الرسمي استقرارًا وفق نشرة “المصرف المركزي” عند 13,200 ليرة للدولار الواحد، بينما شهد السوق الموازي تقلبات شديدة، وبدأت قيمة الليرة السورية تتذبذب أمام الدولار، منذ 26 من كانون الثاني/ يناير الماضي، حين سجّل الدولار لأول مرة 11600 ليرة، بعد أن ثبتت لفترة عند 11650 ليرة.
واستمر التذبذب حتى وصلت قيمة الليرة إلى 7900 ليرة مقابل الدولار الواحد، في 4 من شباط/ فبراير الجاري، لتعاود التراجع وتستقر عند حدود 10 آلاف مقابل الدولار، وفقًا لموقع “الليرة اليوم” المتخصص بأسعار الصرف.
ووصل سعر صرف الدولار، اليوم الإثنين، في السوق الموازي إلى 9,600 دولار لليرة الواحد.
روشتة علاجية
وقدّم الناظر إلى “المصرف المركزي” خلال منشور له على موقع التواصل “فيسبوك” روشتة علاجية لهذا الوضع، حتى يتمكن من السيطرة على السيولة دون إعاقة النمو الاقتصادي أو التسبب في ركود، عبر استخدام عدة أدوات مالية ونقدية تهدف إلى امتصاص السيولة الزائدة وإعادتها إلى النظام المصرفي.

بدأ المستشار الاقتصادي روشتته العلاجية، باقتراح رفع أسعار الفائدة، موضحًا أنه عندما يرفع “البنك المركزي” أسعار الفائدة، تصبح القروض أكثر تكلفة، مما يقلل من الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري.
وقال، إن في المقابل، يصبح الادخار أكثر جاذبية، مما يدفع الأفراد والشركات إلى إيداع الأموال في البنوك بدلًا من الاحتفاظ بها نقدًا أو استثمارها في أصول تضخمية مثل العقارات أو الذهب، وهو ما يقلل من السيولة في السوق ويخفف الضغط على الأسعار.
وحذر الناظر من رفع الفائدة بشكل مفرط، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف التمويل للشركات.
أدوات دين حكومية
المستشار الاقتصادي، مخلص الناظر، نصح المركزي بإصدار أدوات دين حكومية (السندات وأذون الخزانة)، موضحًا أنه يمكن لـ “لحكومة السورية” أو “البنك المركزي” إصدار سندات وأذون خزانة بعوائد مغرية لسحب السيولة الفائضة من السوق، مشيرًا إلى أن المستثمرين يفضلون شراء السندات بدلاً من الاحتفاظ بالأموال نقدًا، مما يساعد في امتصاص السيولة وتقليل الضغط التضخمي.
هناك ضرورة أن تكون عوائد السندات جذابة بحيث تنافس الاستثمارات البديلة، مع الحذر من الإفراط في إصدار الدين الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الدين العام وزيادة الضغط على الميزانية الحكومية.
وأضاف الناظر، مقترحًا بأن يتم رفع الاحتياطي الإلزامي للبنوك، حيث يمكن لـ “لبنك المركزي” فرض نسبة احتياطي إلزامي أعلى، أي يجبر البنوك على الاحتفاظ بجزء أكبر من الودائع دون إقراضها.
وأوضح أن هذا يقلل من كمية النقود المتداولة في السوق، مما يساعد في ضبط التضخم والسيولة الزائدة، منبّهًا إلى أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى انخفاض قدرة البنوك على تقديم القروض، مما قد يعيق تمويل المشاريع الاقتصادية.
تشديد السياسات النقدية
اقترح الناظر أيضًا تشديد السياسات النقدية وتقليل التسهيلات الائتمانية عن طريق الحدّ من القروض منخفضة الفائدة والمساعدات النقدية، مما يمنع مزيدًا من السيولة من التدفق إلى السوق، أضافة إلى مراجعة شروط الإقراض وجعلها أكثر صرامة، مما يحد من الإنفاق غير المنتج، محذرًا من أن يؤدي هذا إلى تراجع النمو الاقتصادي إذا لم يتم بطريقة متوازنة.
وشدّد على ضرورة تشجيع الاستثمار في مشاريع إنتاجية، فبدلًا من سحب السيولة، يمكن توجيهها إلى استثمارات حقيقية مثل تطوير البنية التحتية، ودعم المشاريع الصناعية والزراعية، إضافة إلى تعزيز الاستثمارات في التكنولوجيا والطاقة، بما يضمن أن السيولة لا تسبب تضخمًا مفرطًا، بل تتحول إلى إنتاج ونمو اقتصادي حقيقي.

وأكد أنه لابد وأن تتوافر بيئة استثمارية مستقرة وقوانين واضحة تشجع المستثمرين، وضبط السوق السوداء والتحكم في المضاربات.
وبيّن أنه إذا كانت السيولة الزائدة تتجه نحو المضاربة على الدولار أو الذهب أو العقارات، فإن الحكومة تحتاج إلى فرض قيود على المضاربة وضبط سوق العملات، ذلك عبر تشديد الرقابة على الصرّافين غير الشرعيين، وتقليل الفرق بين السعر الرسمي والموازي للعملة.
وأوضح أن تطبيق هذا الإجراء يحتاج إلى توازن دقيق حتى لا يؤدي إلى اختلالات في السوق أو خلق سوق سوداء جديدة.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

