ديون روسيا لدى الأسد: أموال في رقبة “البعث” وحلم النفوذ مختلف تأويله

ديون روسيا لدى الأسد أموال في رقبة البعث وحلم النفوذ مختلف تأويله (2)
ديون روسيا لدى الأسد أموال في رقبة البعث وحلم النفوذ مختلف تأويله (2)

مثّل تداعي نظام “البعث” في سوريا وفرار الأسد الابن خارج البلاد أزمة عميقة في بنية سياستها الخارجية، ومناطق نفوذها في الشرق الأوسط، ونقاط حضورها في شرق المتوسط، فضلًا عن كونه اختراقًا كبيرًا لمنسوب العامل الاقتصادي نحو ذات الهدف، لا سيما فيما يتعلق بملف الديون المرتبطة بنظام الأسد لصالح موسكو. إذ عمدت الأخيرة إلى تسييل الكثير من السياسات المالية لدعم وتثبيت النظام السياسي خلال سنوات الثورة، في تجاهل تام لواقع وطموحات الشعب السوري، الأمر الذي يضع شرعية تلك الديون على المحك، وبالتالي يجعل مسار استحقاقها موضع تساؤل.

ثمة اعتبارات عديدة ينبغي التدقيق فيها بشأن مشروعية تلك الديون والاتفاقيات طويلة الأمد التي أبرمها النظام السابق مع روسيا خلال السنوات الأخيرة، وذلك انطلاقًا من أن تلك الثروات والأموال لم يكن الشعب السوري شريكًا فيها ولا مستفيدًا منها، بل استُخدمت وتوظّفت داخل بؤر الصراع السلطوي القائم ضد المجتمع.

لذا، على السلطة الجديدة والحكومة المزمع تشكيلها قريبًا العمل على عدة محاور لفض الاشتباك مع قضية الديون المستحقة لروسيا، والارتكاز تحديدًا على حالة الصراع المسلح الذي خاضه النظام السابق ضد المجتمع السوري، الأمر الذي يضع تلك الديون تحت وصف “الكريهة”.

الديون “الكريهة”

ظهر مصطلح “الديون الكريهة” لأول مرة عام 1927 على يد الوزير الروسي السابق وأستاذ القانون في باريس، ألكسندر ناحوم ساك. وبحسب قانون ساك، فإن “أي نظام استبدادي حصل على قرض، ولم يكن الهدف منه تلبية حاجات ومصالح الدولة، وإنما تقوية هذا النظام الاستبدادي وقمع السكان الذين يحاربون هذا الاستبداد، فإن هذا الدين يُعتبر كريهًا؛ وهو غير ملزم للدولة، بل يُحسب على النظام المستبد باعتباره دينًا شخصيًا، وبالتالي يسقط بسقوطه”.

في هذا السياق، يحدد الأكاديمي السوري عماد مصبح أنه، بعد سقوط نظام الأسد في نهاية العام المنصرم 2024، تواجه سوريا تحديًا كبيرًا يتمثل في الديون الخارجية المتراكمة لروسيا وإيران، والتي تُقدّر بنحو 30 مليار دولار. ويتابع الدكتور عماد مصبح حديثه لـ”الحل نت” بأن هذه الديون، التي نشأت نتيجة للدعم العسكري والمالي الذي قدمه البلدان للنظام السابق، أصبحت أداة ضغط سياسي واقتصادي.

ترى روسيا، على الرغم من سعيها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في سوريا، أنها تبدو أكثر مرونة في التعامل مع ملف الديون، مقترحةً مبادلتها بالحفاظ على القواعد العسكرية أو تحويلها إلى استثمارات. وفي المقابل، تُصر إيران على سداد الديون كاملةً، بل وتسعى للسيطرة على قطاعات اقتصادية استراتيجية كضمان لاستردادها.

توظيف الديون سياسياً: مسارات التحدي والمواجهة

إذاً، وبحسب حديث مصبح لـ”الحل نت”، يضحى مسار مواجهة هذا التحدي من خلال تبني الحكومة الانتقالية السورية استراتيجيات متعددة، منها: الطعن القانوني في شرعية الديون، استنادًا إلى مبدأ “الديون الكريهة”، الذي ينص على عدم إلزام الحكومات بديون استخدمت ضد مصالح الشعب. كما يمكن إعادة التفاوض مع الدائنين والسعي لشراكات دولية تساهم في إعادة هيكلة الديون.

إضافةً إلى ذلك، يمثل بناء الشرعية الداخلية وكسب ثقة الشعب عاملاً حاسمًا في مواجهة الضغوط الخارجية. كما يمكن للحكومة استثمار الخطاب الوطني للتأكيد على رفض التبعية الخارجية، وتعبئة المجتمع المدني للضغط على الدائنين، بحسب المصدر ذاته.

يختتم عماد مصبح، الأكاديمي السوري، بقوله إن معالجة ملف الديون السورية تتطلب اتباع نهج متكامل يجمع بين الحلول القانونية والإصلاح الاقتصادي والدبلوماسية النشطة، مع إشراك المجتمع السوري في تحديد مصير المرحلة الانتقالية.

وحدة المجتمع وبلوغ القرار الوطني

يعتبر بلوغ السلطة الجديدة في دمشق حقيقة أنها تكون ممثلة للجميع، دون تمييز أو إقصاء، أمرًا مهمًا وضروريًا؛ إذ يوفر لها ضمانات الشرعية ويجمع كل مكونات الشعب وطوائفه وقومياته وراءها، مما يتيح لها الممر الآمن لمجابهة تلك التحديات، ويحول دون تمكن أطراف خارجية – مثل روسيا وطهران وآخريات – من اختراق سيادة البلاد وقرارها الوطني. وهذا يجعل حتمية العمل الجمعي نحو تبني نهج عادل ومتوازن للوصول إلى الحقوق المشروعة لكافة مكونات المجتمع.

كما أن مشاركة المجتمع السوري في المرحلة الانتقالية وتحديد ماهية السياسات القادمة دون انحياز لأي مكون يُعد نقطة مركزية لتعزيز الشرعية التي تُعين السلطة على الحوار مع القوى الفاعلة دوليًا.

من جانبه، يرى الدبلوماسي السوري بشار الحاج علي، أنه بعد هروب بشار الأسد وخروج روسيا وإيران من سوريا، لم تعد الديون التي راكمها النظام السابق مجرد مسألة مالية؛ بل أصبحت ورقة ضغط تستخدمها موسكو وطهران للتأثير على مستقبل البلاد. 

ويتابع الحاج علي تصريحاته لـ”الحل نت”، بأن هذه الديون تشكل محل تشكيك في شرعيتها، إذ لم تُستخدم لصالح الشعب السوري، بل لتمويل آلة القمع، مما يجعلها خاضعة لمبدأ “الديون الكريهة” الذي يمكن الطعن فيه قانونيًا.

الطعن في شرعية الديون: التأجيل والمراجعة

يلفت الحاج علي، إلى أنه يجب على أي حكومة منتخبة جديدة في سوريا رفض التعامل مع هذه الديون كأمر واقع، بل تأجيل البتّ فيها حتى تشكيل برلمان شرعي يقرر مصيرها وفق المصلحة الوطنية. كما أن التدقيق في شرعيتها وطلب دعم دولي للطعن فيها قد يوفر فرصة لإلغائها أو إعادة التفاوض عليها بشروط عادلة.

لقاء أحمد الشرع مع الوفد الروسي في العاصمة دمشق- “إنترنت”

ويشدد الحاج علي على أهمية تعامل السلطة الجديدة في دمشق مع هذه الديون من خلال مفهوم “الديون الكريهة” وفق القانون الدولي، مما يتيح لها الطعن في شرعيتها. إذ يمكن استغلال هذا الإطار القانوني لإثارة القضية في المحافل الدولية والسعي لإلغائها أو إعادة التفاوض عليها بشروط لا تمس بسيادة سوريا واستقلال قرارها الوطني، مما يتيح للسلطة حرية اتخاذ القرار الوطني دون الوقوع في فخ توظيف الديون سياسيًا لصالح إعادة التموضع الروسي في البلاد.

استغلال التناقضات لصالح سوريا

تمثل الديون التي خلفها النظام ورقة تفاوضية مهمة ليس فقط في العلاقة مع روسيا وإيران، بل أيضًا في الحوار مع الدول الغربية. فقد يكون الموقف الأوروبي والأميركي أكثر ميلًا لدعم إلغاء هذه الديون أو تخفيفها مقابل ترتيبات سياسية جديدة تضمن استقرار سوريا وتحجيم النفوذ الروسي والإيراني، بحسب المصدر ذاته.

يمكن للحكومة السورية الجديدة استثمار هذا الملف ضمن مفاوضات إعادة الإعمار والعلاقات الاقتصادية، بحيث يتم توظيفه كأداة لاستعادة القرار الوطني وليس كعبء مفروض على السوريين.

إذاً، علينا إدراك أنه رغم خروج روسيا وإيران، فإن مصالحهما في سوريا لم تنتهِ؛ وقد تحاولان فرض شروط اقتصادية أو سياسية لضمان نفوذهما غير المباشر. لذا يتعين على الحكومة السورية الجديدة توظيف التناقضات الدولية والإقليمية لصالحها، سواء عبر دعم أوروبي ودولي لموقفها أو عبر إعادة التوازن في العلاقات الخارجية بما يخدم استقلال القرار الوطني.

الموقف الأخلاقي: الاعتذار قبل أي حديث عن تعاون

يختتم الدبلوماسي السوري بشار الحاج علي حديثه لـ”الحل نت” بالقول إنه لا يمكن تجاهل دور روسيا وإيران في دعم نظام الأسد الابن طوال سنوات الحرب؛ ولذلك يجب أن يبدأ أي حديث عن مستقبل العلاقات معهما باعتذارهما الرسمي للشعب السوري عن دعمهما للقمع والدمار، فليس من الممكن بناء علاقات صحية مع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين دون اعتراف واضح بالمسؤولية.

فالديون ليست مجرد التزام مالي، بل ورقة سياسية يجب التعامل معها بحذر. أمام سوريا الجديدة فرصة تاريخية لاستعادة سيادتها عبر رفض الإملاءات الخارجية، والتفاوض من موقع قوة، والاستفادة من المتغيرات الدولية لحماية استقلالها السياسي والاقتصادي.

من الناحية الاستراتيجية، ينبغي فهم أن عواملًا مختلفة – ولا سيما العامل الاقتصادي، كاتفاقيات مشتركة بين موسكو والنظام السابق وتراكم ديون لم تكشف عنها روسيا بأرقام معلومة وحاسمة – لا تقترب من حيث الأهمية من استمرار النفوذ العسكري لبوتين في الشرق الأوسط، من خلال بعث الحلم الروسي بالتمركز المستدام في مياه الشرق الأوسط الدافئة.  

غير أن ذلك الحلم يتنازعه حقائق عديدة على أرض الواقع؛ يجب على السلطة الجديدة في دمشق أن تعيها جيدًا وتعمل على تكريسها لصالح سوريا في المعادلة الاستراتيجية بين دمشق وموسكو في الأفق المنظور.  

وربما يكون حجم المتغيرات التي عصفت بالمحيط الجيوسياسي للشرق الأوسط، وديناميات العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة، وبين الأخيرتين وروسيا من جهة أخرى، عاملًا مؤثرًا في ذلك.  

إلى جانب ذلك، تطمح روسيا في تأويل كل ما راكمته خلال السنوات الأخيرة مع السلطة الجديدة في صورة قرارات تحفظ لها حق الوجود مجددًا على سطح الشرق الأوسط، سواء عبر اتفاقيات ثنائية أو من خلال سياسات الضغط. وبناءً على ذلك، لن تتوقف متابعة الموقف الدولي لتلك السيناريوهات، ولن تبتعد مراقبة انحيازات السلطة الجديدة عن الجدية.

بدوره، يذهب بشار جرار، المتحدث والمحاضر غير المتفرغ في برنامج “الدبلوماسية العامة – الخارجية الأمريكية”، إلى أنه، قياسًا بالتصريحات الصادرة عن دونالد ترامب قبل عودته إلى البيت الأبيض وبعد حفل التنصيب، يتضح عدم ثقة وارتياح الرئيس وأركان إدارته – خاصة فريق الاستخبارات ومكافحة الإرهاب كتالسي غابرد وساباستيان غوركا – في الإدارة الجديدة في سوريا. 

ويستطرد جرار، الكاتب السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، حديثه لـ”الحل نت” قائلاً: “حذر ترامب سلفه جو بايدن غداة سقوط حكم بشار ونظام الأسد من ضرورة عدم صلة أمريكا بأي شيء فيما تشهده سوريا، حيث لا شيء سوى الفوضى”. وأضاف ترامب حينها: “مفتاح ما يجري بيد تركيا؛ فهي تمكنت بنجاح من أخذ ما تريد في سوريا”.  

يدرك ترامب، كصانع صفقات، أن العدالة في الصفقات دائمًا تتطلب ما هو عادل لكل طرف مشارك، حتى يتمكن من التفاوض حول ما يمكن التفاوض عليه من خلال تسويات يريدها دائمًا في مصلحة “أميركا أولًا”.  

ترامب، الساعي إلى صفقة مع الروس والإيرانيين في ملفات عدة لا تقتصر على سوريا وأوكرانيا، لا يمكنه تجاوز مديونية بحجم الثلاثين مليارًا. لكن مشاريع إعادة الإعمار وإعادة بناء المنظومتين العسكرية والأمنية قطعًا يريدها بعيدًا عن أيدي ونفوذ موسكو وطهران. فالبديل ليس ما يجترح به عقل أو خبرات الشيباني أو الشرع، بل ما يتم التفاوض عليه مع تركيا وقطر. ربما مشاريع في البنى التحتية بمجالات الطاقة والكهرباء والمياه وتصدير الأسمنت ومواد البناء، ولكن ليس إعمارًا قد يُستغل كغطاء لاسترداد ما سقط بإسقاط الأسد، بحسب المصدر ذاته.

هذا، ويحسم الكاتب بشار جرار حديثه لـ”الحل نت” بتقديره أن واشنطن لن ترفع العقوبات لا جزئيًا ولا كليًا عن سوريا ما لم تصير مدنية-علمانية، حيث لا مكان للإرهابيين الحاليين أو السابقين أو المستقبليين فيها.

رامي شفيق

رامي شفيق

كاتب وباحث مصري مختص في شؤون التطرف الديني

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم