في ظل مرحلة دقيقة تمرّ بها سوريا بعد سقوط النظام السابق، تبرز أحداث الساحل السوري كاختبار حقيقي لجدية الحكومة الانتقالية في ترسيخ العدالة، وضمان حقوق الإنسان، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات.
ومع استمرار لجنة تقصي الحقائق في عملها رغم انتهاء المهلة الرسمية، يتزايد الترقب الشعبي لما ستخلص إليه من نتائج، في وقتٍ تشهد فيه البلاد تصاعداً في وتيرة العنف والانتهاكات، ما يطرح علامات استفهام جدية حول مدى التزام السلطات الجديدة بحماية المدنيين والقطع مع ممارسات الماضي.
لجنة التحقيق في أحداث الساحل ستقدم “تقريراً أولياً”
كشف ياسر الفرحان، الناطق باسم “اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل”، أن اللجنة التي شُكّلت بقرار رئاسي عقب الجرائم التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس وبانياس مطلع آذار/ مارس، ستقدّم “تقريراً أولياً”، مضيفاً أنها لم تنهِ مهامها بعد، وقد تطلب تمديد تكليفها بسبب اتساع نطاق التحقيقات.
وأكد الفرحان في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط”، أن اللجنة تعمل حالياً في طرطوس وتتنقل بين المناطق المتضررة، حيث تم جمع عشرات الإفادات والشهادات، مشدداً على أن إعلان النتائج لن يتم إلا بعد التوصل إلى قناعات مدعومة بالأدلة، وتحليل الشهادات وفحص التكييف القانوني للأفعال، وتحديد هوية المشتبه بهم.
ورغم أن المهلة الأصلية لعمل اللجنة كانت شهراً واحداً بدءاً من 9 آذار/ مارس، إلا أن ما تم الكشف عنه حتى الآن لا يتجاوز “تقريراً أولياً”، والسبب، بحسب الفرحان، هو حساسية وتعقيد القضية، وضرورة التحقق من كل الملابسات وسياقات الأحداث وظروف وقوع الجرائم.
أحداث دامية وسلسلة من الانتهاكات
بدأت الأحداث بتاريخ 6 آذار/مارس عندما شنّت جماعات مسلحة تنتمي إلى بقايا النظام السوري السابق (الفلول) هجمات منسقة على مواقع أمنية وعسكرية، خصوصاً على عناصر “الأمن العام”، ما أدى إلى مقتل عدد منهم.
وبحسب ما ورد، فإن الردّ الرسمي على الهجمات تضمن استخداماً مفرطاً للقوة، ونتج عنه عمليات تصفية وقتل ميداني بحق مدنيين علويين، لا سيما في مدينة بانياس.

وفي الأيام التي تلت ذلك، توالت شهادات عن ارتكاب جرائم قتل جماعي بحق السكان العلويين في تلك المناطق، في سياقٍ اعتبرته منظمات حقوقية، وعلى رأسها “العفو الدولية”، نمطاً منظماً من الجرائم التي ترقى إلى “جرائم حرب”.
وأصدرت منظمة “العفو الدولية” تقريراً في 4 نيسان/ أبريل، استند إلى شهادات شهود عيان، وأدلة مرئية، وتحليل مختبرات متخصصة، وأشارت فيه إلى أن جماعات مرتبطة بالحكومة الانتقالية هي من نفذت المجازر بحق المدنيين، خصوصاً في مدينة بانياس، حيث قُتل أكثر من 100 شخص خلال يومي 8 و9 آذار/ مارس فقط.
وقالت الأمينة العامة للمنظمة، أنياس كالامار، إن على الحكومة الانتقالية أن “تُظهر التزامها بكسر الحلقة المفرغة من الإفلات من العقاب”، مؤكدة أن العدالة للضحايا مسألة لا تقبل التسويف، وإن تجاهل هذه الجرائم سيعيد سوريا إلى دوامة الدماء والعنف الطائفي.
اللجنة تتساءل وتشكك بـ”العفو الدولية”
من جهته، ردّ ياسر الفرحان على وصف “العفو الدولية” للجرائم بأنها “جرائم حرب”، بالقول إن هذا التصنيف يتطلب إثبات الركن المعنوي بالإضافة إلى الركن المادي.
وقال إن اللجنة طلبت من “أمنستي” مشاركة ما لديها من معلومات لتحليلها داخل اللجنة وفهم كيفية الوصول إلى تلك الاستنتاجات، خصوصاً ما يتعلق بارتباط الفاعلين بالحكومة الانتقالية ومدى السيطرة الفعلية للدولة عليهم.
وسأل الفرحان: “هل تلقى المتورطون تعليمات رسمية؟ أم استغلوا الفوضى؟ وهل هم ضمن الأطر الرسمية فعلاً أم فقط شكلياً؟”، مشيراً إلى أن التحقيقات تبحث في كل الاحتمالات، بما فيها تحرك بعض السكان بدوافع طائفية أو ثأرية، أو استغلال العصابات لحالة الفوضى في ارتكاب جرائم قتل.
شهادات ومعلومات حول الجرائم والمتورطين
أشار الناطق باسم لجنة التحقيق إلى أنها بدأت عملها بزيارات ميدانية إلى مناطق في ريف اللاذقية، والتقت وجهاء وأهالي الضحايا، واستخلصت شهادات مهمة، بعضها تضمن اتهامات مباشرة لأشخاص بعينهم.
كما قامت اللجنة بتوثيق مقابر جماعية دفن فيها عناصر من الأمن العام، وتتبعت مواقع إطلاق النار وأماكن الإصابة، وتعاونت مع فريق فحص أدلة جنائية ورقمية، قام باستخراج 93 مقطع فيديو يمكن أن تساعد في تحديد هوية المتورطين.
واستمعت اللجنة أيضاً إلى شهادات كادر طبي في مستشفيات حكومية، أكدوا أن مجموعات مسلحة لاحقت عناصر الأمن الجرحى إلى داخل المستشفيات، في سلوك وصفه الفرحان بأنه “وحشي ومخالف لكل المعايير الإنسانية”.
الوضع لم يتحسن.. إعدامات خارج القانون وجرائم ميدانية
رغم تشكيل اللجنة والإجراءات الرسمية المعلنة، إلا أن الواقع الميداني لا يزال قاتماً، فقد وثّق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في تقارير يومية نشرها مؤخراً، مقتل أكثر من 70 شخصاً، بينهم أطفال، خلال الفترة ما بين 1 و6 نيسان/ أبريل، في جرائم قتل وعمليات تصفية ميدانية نفذتها جماعات مسلحة في أكثر من محافظة.
وتزايدت مطالبات السوريين، خاصة في مناطق الساحل، بضرورة وضع حد للجرائم، وفتح ملفات الانتهاكات، وتوفير حماية قانونية للمدنيين، خصوصاً في ظل اتهامات للجهاز الأمني الجديد بتكرار نمط الهيمنة والانفلات الذي ميّز أجهزة النظام البائد.
وترى جهات حقوقية ومراقبون أن اللجنة الوطنية، رغم استقلاليتها المعلنة، تمثل أول اختبار حقيقي للسلطة السورية الجديدة، فنتائج تحقيقاتها، وطريقة تعاطي الحكومة مع التوصيات التي ستصدر عنها، ستحدد إلى حد بعيد مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وستوضح ما إذا كانت هناك نية فعلية لقطع الطريق على الإفلات من العقاب ومحاسبة المتورطين، بغض النظر عن انتماءاتهم.
في هذا السياق، أكد الفرحان أن اللجنة “تمثل الضحايا”، وهي ليست حكومية، وأن معظم أعضائها يعملون في الشأن الحقوقي الدولي أو لديهم علاقات تعاون مع الأمم المتحدة، مشدداً على أن “العدالة لا تتحقق إلا بالانحياز للضحايا دون تسييس الملف”.
ترقب حذر وانتظار مصيري
تترقب الأوساط السورية شعبياً وإعلامياً وحقوقياً، ما ستؤول إليه أعمال اللجنة الوطنية المستقلة، ليس فقط لكشف ملابسات الجرائم ومحاسبة الفاعلين، بل لأنها تشكّل مقياساً دقيقاً لمدى تغيّر ذهنية السلطة الجديدة، ومدى التزامها بمبادئ العدالة الانتقالية، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وضماناتها الجدية لعدم تكرار المأساة التي عاشتها البلاد لعقود.
وبعد سنوات طويلة من القمع والإفلات من العقاب، ومن التوظيف السياسي للأجهزة القضائية والأمنية، تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة أمام الدولة السورية الجديدة لتكريس نهج مختلف تماماً، يقوم على الشفافية، والاعتراف بالضحايا، وضمان عدم التكرار، فالعدالة الحقيقية ليست فقط في كشف من أطلق النار، بل في معرفة من أمر، ومن تستر، ومن سكت، ومن سهّل، ومن غضّ الطرف، وكيف ولماذا حصل ذلك.
وفي ظل استمرار القتل خارج القانون والانتهاكات اليومية في أكثر من منطقة، بما فيها الساحل السوري، تبدو مهمة اللجنة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لا سيما أن استمرار هذه الجرائم دون ردع فعلي يعمّق الانقسام المجتمعي، ويهدد بنسف أسس الاستقرار التي تسعى الحكومة لبنائها.
لهذا، فإن الشعب السوري ينظر إلى اللجنة ليس فقط كجهة تحقيق، بل كأمل في عدالة تأخرت كثيراً، وفرصة نادرة لوضع حجر الأساس لبناء دولة المؤسسات والقانون، وقطع الطريق نهائياً على منطق “السلاح فوق القانون” الذي دمّر سوريا وشعبها.
- إيران تربط فتح مضيق هرمز بالتزام واشنطن بالاتفاق المؤقت
- دخول قوات الأمن الداخلي الحكومية إلى الحسكة.. ما مهمتها وأين ستتمركز؟
- العراق يستكمل استجواب عناصر “داعش” المنقولين من سوريا
- ارتفاع أسعار الخبز في القامشلي.. هل تبدأ فاتورة توحيد الأسعار؟
- المرصد: 179 قتيلاً في سوريا خلال آب وسط استمرار هشاشة الوضع الأمني

