“فورين بوليسي”: سوريا الجديدة تُدار مثل القديمة

منذ الإطاحة المفاجئة بنظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ديسمبر الماضي، وُضعت "الإدارة السورية الجديدة" تحت المجهر لمراقبة أفعالها على جميع الأصعدة، خاصة وأنها جاءت من خلفية جهادية تتمثل في "هيئة تحرير الشام"، التي ما تزال على قوائم الإرهاب.
فورين بوليسي سوريا الجديدة تُدار مثل القديمة

منذ الإطاحة المفاجئة بنظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ديسمبر الماضي، وُضعت “الإدارة السورية الجديدة” تحت المجهر لمراقبة أفعالها على جميع الأصعدة، خاصة وأنها جاءت من خلفية جهادية تتمثل في “هيئة تحرير الشام”، التي ما تزال على قوائم الإرهاب. 

لذلك، حظي سوريا باهتمام دولي وعربي بعد التغير السياسي الجذري في البلاد، حيث شهدت زيارات لمسؤولين غربيين وعرب منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق وهروب الرئيس المخلوع إلى موسكو. 

حالة فريدة من نوعها

صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية اعتبرت في مقال لها، أن الانتقال الحالي للحكم في سوريا حالة فريدة من نوعها في تاريخ الشرق الأوسط. إذ إن السلطات الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تحاول جاهدة تجنب الأخطاء المرتكبة في دول أخرى خلال العقود الماضية وقد أحرزت تقدما ملحوظا في سعيها لإرساء بيئة سياسية مستقرة.

الحكومة السورية الانتقالية – انترنت

وأضافت أن الشرع ووزرائه مصمّمون على عدم تكرار أخطاء دول أخرى من خلال تجنّب التجربتين العراقية واللبنانية في مسعى لتحقيق الاستقرار بأسرع وقت ممكن خلافاً لما حدث في ليبيا واليمن والسودان. 

“القيادة الجديدة في سوريا ومع كل محاولاتها لبناء نظام جديد ما تزال غير قادرة على التخلي عن النظام القديم الذي يرتكز على حكم رئاسي مركزي وتركيز شديد للسلطة وهو النظام الذي فقد مصداقيته”، وفق مقال الصحيفة، الذي كتبه زيد العلي. 

وأضافت أن هذا النهج (التركيز الشديد للسلطة) إلى جانب التهديدات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي تواجه السوريين بعد أكثر من عقد من الحرب قد يؤدي إلى فشل عملية الانتقال برمّتها. 

بحسب العلي، فإن الخطوات المنجزة في فترة قصيرة هو أمر مثير للإعجاب، ولكن العديد من هذه الخطوات تتجه نحو تركيز السلطة بشكل مفرط في يد الرئاسة وهو اتجاه ذو سجل كارثي في سوريا والمنطقة الأوسع.  

واعتبر في النتيجة أن مستقبل الانتقال السياسي في سوريا ومستقبل البلاد عموما أصبح مرتبطا بشكل وثيق بقدرة شخص واحد على الحكم بفعالية وبالتزامه بحسن النية.  

لا نماذج جاهزة 

عدم قدرة السلطات الانتقالية على التفكير بشكل إبداعي في نماذج حكم جديدة، مثلهم مثل أسلافهم أو نظرائهم في دول الجوار فإن مقاربتهم للحكم تقوم إما على تعديل النظام القديم بشكل طفيف أو القيام بعكس ما كان معمولا به سابقا، وفق الصحيفة. 

وأشارت إلى أن العجز عن تطوير بدائل لهذا النهج القائم على “الكل أو لا شيء” يعني أن سوريا، بعد حرب دامت 14 عاما على ديكتاتورية رئاسية مفرطة قد تبنت في نهاية المطاف النظام نفسه مع بعض التغييرات الشكلية.

لا ينبغي للسلطات الانتقالية في سوريا أن تسعى لإحياء نموذج فاشل وفاقد للمصداقية بناء على فكرة أن كل ما يحتاجه للعمل بشكل صحيح هو زعيم أكثر اعتدالا، بحسب الكاتب زيد العلي. 

وأضاف أنه لا توجد نماذج جاهزة يمكن لسوريا نسخها ببساطة، ولكن العديد من الدول الأخرى، خصوصا في أميركا اللاتينية وإفريقيا، جربت نماذج حكم جديدة تعكس تعقيد مجتمعاتها. ينبغي أن تُلهم التغييرات الدستورية المبتكرة في البرازيل وكينيا وجنوب إفريقيا ودول أخرى، السوريين لما يمكن تحقيقه. 

لكي تنجح العملية الدستورية في سوريا، لا بد من إشراك فئات جديدة. على وجه الخصوص، تحتاج البلاد إلى استدعاء جيل جديد من المفاوضين والمحامين الدستوريين القادرين على تجاوز النماذج التقليدية للحكم وهو ما فشلت جميع العمليات الدستورية العربية حتى الآن في تحقيقه، بحسب مقال “فورين بوليسي”. 

وأضافت أنه يجب على السلطات الانتقالية أن تسعى – ويجب أن تسعى – إلى اجتذاب سياسيين ومهنيين سوريين شباب لا يتقيّدون بالقيود بما في ذلك الأطر القانونية والتعليمية التي فرضها “نظام البعث” أو التقاليد الدستورية العربية. 

وينبغي للشرع أن يشكل فريقا دستوريا قادراً على تصميم نظام حكم يستند إلى الاحتياجات الحقيقية ويتعلم من تجارب الدول الأخرى. 

نظراً للطبيعة الديناميكية للانتقال في سوريا، سيكون من الخطأ اعتماد نهج “الانفجار الكبير” أي الإبقاء على النظام القائم إلى حين إتمام مؤتمر دستوري أو عملية مماثلة لإنتاج نصّ نهائي بعد سنوات عديدة.

وأضافت الصحيفة أنه ينبغي تشجيع واضعي الدستور على تطوير اتفاقيات جزئية يمكن اختبارها عمليا، وإذا نجحت، يتم تحسينها والبناء عليها (أي يقصد الباحث التطوير التدريجي للإعلان الدستوري الحالي قبل تبني دستور دفعة واحدة في المستقبل القريب).

وخلُصت إلى أن القيادة الجديدة في سوريا قد تكون تحقّق تقدما مثيرا للإعجاب في دفع عملية الانتقال قُدما لكنها ما تزال تواجه تحديات غير مسبوقة يمكن أن تُفشل هذه العملية في أي لحظة. إذا كانت القيادة تأمل في النجاح على المدى الطويل، فعليها أن تكون أكثر جرأة في جهودها لمعالجة هذه التحديات. وإلا، فإن سوريا تخاطر بالعودة إلى نفس أنماط عدم الاستقرار والصراع التي عانت منها المنطقة لعقود.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم