النساء المختفيات والمختطفات قبل الثورة وبعدها، آلاف الأسر السورية تبحث عن بناتها ولا أحد يملك الإجابة، جراحٌ نازفة في وسط من الفوضى ومسرحيات تبييض الجرائم، “الحل نت” يبحث في دفاتر المختطفات والمغيبات قسرياً خلال الثورة في سوريا، مصير آلاف النسوة المختطفات لا زال مجهولاً في انتظار معرفة مصيرهنّ.
منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 لم تكن النساء عنصراً هامشياً على جانبيها، بقدر ما كانت عنصراً مثقلاً أوضحت الأيام كم سيحمل من الألم المساق على فصول مجتمع خَبِرَ انتهاك الأعراض والحرمات والتغييب القسري لهنّ، إخفاءهنّ، تعذيبهنّ، ابتزاز ذويهنّ بهنّ، وقتلهنّ في أحيانٍ كثيرة. قتل النسوة التي شاركت في تظاهرات لا حدود لها قبل أن تتعسكر الثورة ويتحولن إلى رهائن واقعٍ دموي كنّ يسعين منذ البداية إلى تغييره، المغيبات اللاتي فجعن بمقتل ذويهنّ قبل ذلك، باعتقالهنّ، بتغييبهنّ، قبل أن يصرنَ هنّ الشهيدات والشاهدات.
مع سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي تبدت ملامحٌ من الأمل التي تسللت إلى قلوب العوائل اللاتي اختفت نسوتهنّ بين ثنايا الحرب التي وصلت مرحلةً ما عاد فيها جيش النظام يفرق بين صغير وكبير وامرأة، اعتقالاً، وقتلاً، ولا بأس بالكثير من المجازر الطاحنة، فمجازر دوما وحرستا والقابون وداريا والمعضمية قد سجلها التاريخ المعاصر في صدر صفحاته.
سقوط ذاك النظام الذي أُسقطت معه الأجهزة الأمنية والعسكرية دفعةً واحدة أدّى لفوضى مركبةٍ خلاف ما كان متوقعاً من مجيء أخبار آملة بالفرج لهنّ، صار الوضع أكثر تعقيداً مع أيام التحرير الأولى، الأيام التي جرى فيها البحث عن آلاف النساء المغيبات في أقبية أفرع المخابرات والسجون مع إنكار تامٍ لوجودهنّ من قبل النظام قبلها.
المعلومات المثبتة لدى “الحل نت” أنّ الجيش والأمن ليسا وحدهما شريكا عمليات الاختطاف تلك، بل لعبت فيها الميليشيات دوراً كبيراً جلّها يتعلق بأسباب انتقامية أو مذهبية أو مادية، وعلى رأس تلك الميليشيات “الدفاع الوطني” وما سُرب من وثائقه بعيد سقوط النظام، رفقة جماعات أخرى ترتبط بالأمن العسكري و”الفرقة الرابعة” كجماعة شجاع العلي في ريف حمص والذي قتل في عملية أمنية للسلطات الجديدة في وقت سابق، فضلاً عن مجموعات المخابرات الجوية عبر تبعية تنظيمية غير مباشرةٍ أصولاً. وهؤلاء تمرسوا في الخطف على الحدود ودروب اللجوء، ليمحوا مع بقية شركائهم أثر نسوة وفتيات ويقفلوا أبواب أسرارها حتّى اليوم. الأسرار الأكثر في الغالب الأعم وذلك لأنّ أخريات عثر عليهنّ، عددٌ قليل ربما، بحسب مصادر “الحل نت”.
قبرٌ وزهرة
كان اللافت في كلّ ما جرى بعد سقوط النظام هو عدم اتخاذ خطوات جديّة للبحث عن المغيبات، فهل هناك تواطؤ خفي وتستر على الملف الأكثر حساسية في المجتمع السوري؟ وبعد كلّ ذلك أين وصل الملف اليوم بعد مضي خمسة أشهر ويزيد على التحرير؟ أين تلك النسوة ومن هم المكلفون بتتبع ملفاتهم بين السجون والأفرع الأمنية ومقرّات الميليشيات المختلفة.

كل تلك الأسئلة تطرح لا سيما وقد صارت كلّما سبق كما ورقة بيضاء أمام الباحثين الذين راح قسم منهم تطوعاً من المنتمين لفريق اسمه “سواعد الخير” – بحسن نيّة – على طمس معالم الجريمة بأسرها، فمن يصدق أنّ مجموعات مدنية قامت بطلاء سجن “صيدنايا” وتجميله ليظلّ ذكرى قاسية من الحرب متعامين عن أنّ الفعل بحدّ ذاته جريمة كبرى، على ما يراه حقوقيون سوريون، والأمر ذاته انسحب على مقرات أمنية، وفي المكانين كان يمكن استخلاص أسماء وتواريخ ورموز مدونة على جدران القهر والمعتقل الضيق.
تحدثت السيدة رفاه السباعي المقيمة في دمشق لـ “الحل نت” حول قضية اعتقال ابنتها ذات العشرين عاماً والطالبة في كلية الحقوق من أمام باب جامعة دمشق عام 2019، كان واضحاً من شهادة الناس في المكان أنّ دوريةً أمنية نظامية هي من اعتقلتها، إدارة الجامعة والكليّة لم يبديا أيّ تعاطف أو تعاونٍ مع العائلة متذرعين بأنّ الاعتقال تمّ خارج الحرم الجامعي لأسباب أمنية محضة.
سألنا كثيراً ومطولاً وتواصلنا مع كلّ الناس الذين يمكن التواصل معهم، أخيراً عرفنا أنّها موقوفة في فرع المداهمة التابع للأمن العسكري بكفرسوسة بدمشق (السرية 215)، وقد تمكّن أحد أقربائنا من معرفة سبب توقيفها القائم على تقرير كيدي من زميلةٍ لها يتعلق بالحديث حول ميول ابنتي نحو معارضة النظام وما إلى ذلك.
السيدة رفاه السباعي
وتكمل: “فعلنا المستحيل لنراها، ذهبت إلى باب الفرع أكثر من عشر مرات وطردني حرس البوابة، ذهب والدها ونهروه، أخوها هددوه بالاعتقال، لم يسمحوا لنا بمعرفة أي شيء يخصها، بل كانوا يقولون على الدوام ليست لدينا ابحثوا في الأفرع الباقية، خلال الأشهر الأربعة اللاحقة تمكنا من التواصل مع أحد عناصر الفرع من خلال وسيط مقابل 4 آلاف دولار لينقل لنا أخبارها، وكان آخر خبر أنّه تم اقتيادها لجهةٍ أخرى لا يعلم أين هي، لتبدأ رحلة بحثٍ مضنية جديدة عن فتاةٍ لم تر من الحياة شيئاً، ومنذ ذلك اليوم لا أعلم شيئاً عنها”.
وتختتم حديثها بالقول: “مع سقوط النظام استبشرنا بحريتها، لم يساورني يوم شعور بأنّها ميتة، ولكنّ شيئاً لم يحصل، لم تعد، لم يرن هاتفي، لم استقبلها بأحضاني، راجعنا المراكز الأمنية الجديدة وطلبنا عونهم ولكن لا شيء حصل أيضاً، الكثير من الوعود فقط، اليوم انتهى الأمل تماماً، في كلّ تلك السنين لم يفهم أحد معنى أن تكون المرأة أماً لفتاةٍ مختطفة من سلطة حاقدة، اليوم فقدت الأمل، الشغف، صار كل شيء واضحاً، لن تعود ابنتي، الآن بدأت أشك أنّها ماتت، فلم أعد أريد سوى رفاتها لأزين لها قبراً أضع عليه زهرةً”.
خلف الستار
في عام 2023 وخلال عودة المهندسة المدنية ذات الثلاثين عاماً (نور. س) من زيارة أختها في دمشق إلى موطن أسرتها في ريف طرطوس، تعرضت لعمليات اختطاف على الطريق الواصل بين حمص وطرطوس قبل مدينة تل كلخ، جرى إيقافها بالقوة هي وسيارتها من قبل مسلحين ملثمين يحملون بنادق آلية.

كان الوقت قرابة المغرب، بحسب رواية نور، التي تؤكد أنّها لم تمنح أيّة فرصة للكلام أو التعبير، فوراً وضعت في سيارة أخرى وأغميت عيناها بوشاح أسود وصودر هاتفها وتلقت لكمةً على رأسها من الخلف، فيما أخذ مسلحٌ آخر سيارتها، تمكنت من معرفة هوية الفاعلين نسبياً بشكل غير مباشر عبر لهجاتهم القروية المحلية، وتؤكد في حديثها لـ “الحل نت” أنّه سير بها بين القرى وفي الطرقات الوعرة كما كانت تستشعر وصولاً إلى بناء قيد الإنشاء، عرفت في الأيام اللاحقة أنّه على مقربة من الحدود السورية – اللبنانية. حيث تسيطر ميليشيات تتبع لحكومة الأسد على المنطقة.
في ذلك البناء وجدت نور بحسب روايتها أكثر من 30 موقوفاً، لم تستطع تقدير العدد بدقّة، لكن على الأقل كان ثلثهم من النساء على ما تؤكده، النساء اللاتي توحي طبيعة ملابسهنّ بأنّهنّ غريبات عن المنطقة، “لا أريد الحديث بهذا الجانب، لكن لا يمكن تجميل الأمور، إنهنّ نسوةٌ محسوبات على معارضي النظام، ولكنّ الخاطفين لم يميزوا كثيراً بيننا في التعذيب، جميعنا تعرضن للضرب وإرسال صورٍ لأهالينا، أنا حالفني الحظ فالمطلوب كان فدية (30 ألف دولار)، نسوة أخرى حالفهن الحظ في الفدية، ونسوة غيرهنّ كان الهدف من وجودهنّ انتقامياً محضاً”.
وتتابع: “في اليوم الخامس من اعتقالي جرى اقتياد ثلاثة نسوة ليلاً إلى خارج البناء، ثمّ سمعنا بعد قليل صوت إطلاق نار، لم أعرف إن كان إطلاق النار عليهنّ، ولكنّ الأكيد أنّهنّ لم يعدن بعد ذلك، ولا أحد في الداخل يعرف مصيرهنّ، في اليوم الحادي عشر دفع أهلي الفدية وجرى تسليمي لهم، السلطات الأمنية والعسكرية رغمها علمها المسبق بكلّ التفاصيل رفضت التدخل وتحديداً الأمن العسكري والجنائي، بل وكانت تقول هؤلاء مجرمون خارجون عن القانون وسنحاسبهم، إلّا أنّهم رفضوا حتى المجيء مع أهلي لتسليم الفدية، أليس هذا أبشع وأدلّ صور التورط بين الجهتين؟”.
الأمل الأخير
محامون وقانونيون وقضاة ونشاط كثر حاولوا تعقب أثر المغيبات قسراً، تعاطفاً أو انطلاقاً من إيمانٍ بمبدأ عادل. بين أولئك المحامين الذين عملوا بكدٍّ وجد آدم الحموي، الذي كرس الجزء الكبير من وقته المهني لمتابعة قضايا المعتقلات والمغيبات والمخفيات قسراً.
المحامي قال لـ “الحل نت”: “أوراق كثيرة كانت مكشوفة أمامنا حيال الاعتقالات التعسفية للنسوة لأهداف متعددة، لكننا لم نتمكن من فعل شيء أمام سطوة النظام وجبروته وقدرته على إدخال السجينات دون أسماء إلى معتقلاته، ومع سقوط النظام سادت ظنون كبيرة بيننا نحن الحقوقيون وبين أهالي الضحايا أن أبواب السجون ما أن ستفتح ستحمل معها انفراج الأسارير، لكن الواقع كان مغايراً تماماً، مغايراً عما كنا نريده بالضبط، وما كنا نريده هو العدالة للجميع دون تمييز أو تغييب أو بسقوط اسم هنا أو هناك. معتقلات ضخمة كفرع فلسطين والخطيب والخارجي والسرية وأفرع المحافظات وعشرات الأفرع الأخرى تمّ اقتحامها فعلياً وفتح أبوابها، ولكن ماذا بعد ذلك؟ أين هنّ معتقلاتنا؟”.
ويستكمل حديثه: “على الأقل كنا ننتظر الحصول على أرشيف ورقي يثبت عمليات القتل الجماعي أو الفردي التي تمّت بحقهنّ وأين جرى دفنهنّ، وفي ذلك راحة لأسر فقدت بناتها وسيداتها منذ أكثر من عقد وحتى الفترة التي سبقت النظام، لكنّ أوامر عليا صدرت من ضباط الأسد في الـ 48 ساعة التي سبقت سقوطه بإحراق وإتلاف كل وثائق الأفرع الرقمية والورقية، وأكمل تلك المهمة من إتلاف أو سرقة جهات مجهولة قبيل ساعات من سقوط النظام، ولا أحد يدري تبعيتها، لكنّها بذلك حرقت جهود سنين وآمالاً عريضات لآلاف الأسر”.
رواية المحامي طابقها “الحل نت” مع ضابط سابق في فرع أمن الدولة بدمشق، وآخر في “الفرقة الرابعة”، وكلاهما أكدا تلقيهما تعليماتٍ من قياداتهم المباشرة بحرق كلّ الأدلة المرتبطة بمراكز الاحتجاز والقضايا الأمنية وأرشيف الأفرع والقضايا العسكرية بما تنضوي عليه من أسماء وبيانات ومعلومات وتقارير.
أما بالنسبة لإكمال مهمة الإتلاف من قبل جهات مجهولة التبعية فهي رواية تمتلك شهودها وتؤكدها الحكومة السورية السابقة لتصريف الأعمال بقرارها الصادر في الخامس من كانون الأول/يناير الفائت والذي قالت فيه صراحةً مشيرةً إلى عسكريين لا ينتمون لنظام الأسد بتورطهم في الملف أنّه “يرجى من كافة الأفراد أو المجموعات من مدنيين أو عسكريين الذين استحصلوا على أية وثائق مهما كان نوعها أو مضمونها سواء من الأفرع الأمنية أو السجون أو المؤسسات الحكومية ذات الطابع الأمني العمل على تسليم تلك الوثائق بكافة أشكالها ورقية كانت أو إلكترونية”.
“ولو جثّة”
فاروق الميداني المنحدر من أحد العائلات الشامية المعروفة، محامٍ آخر من دمشق أخذ على عاتقه تتبع ملف المغيبات، وعرف عنه براعته في العمل ضمن أروقة محاكم الإرهاب، بل والوصول لبراءة عدد من موكليه، من أولئك الذين افتضح عدم تورطهم بشيء فعلياً. وفي السياق لا ينفي الميداني أنّ المال كان هو الحكم النهائي في غالب الأحيان في بلد لم يكن يحتكم لشريعة قانونية مستمدة من الدستور وقوانين العقوبات، ويؤكد أنّه لم يكن في لحظة يرى في رشوة القاضي أو المحقق إدانةً أخلاقية له طالما أنّه يدافع من خلالها عن قضايا عادلة.

الميداني خلال سياق عملة حاول تتبع حالة اختفاء 21 فتاةً من حمص ودمشق وريف دمشق ودرعا، “في أحيانٍ كنا نصل إلى معلومات جيّدة إما من خلال العلاقات أو المال، وفي أحيانٍ أخرى كنت أتعرض لتهديدات تطال حتى عائلات الضحايا، وفي أحيانٍ أخرى كنت أسمع لهجةً حادة تصل بالتهديد أن أزجّ معهنّ لأني أدافع عن إرهابيات، واليوم لا ندري ماذا نفعل ولأي قضاء نلجأ لنكمل وسط هذه الفوضى المريبة!”.
في عام 2021 وضمن واحدةٍ من موجات الهجرة التي جاءت بعيد استقرار الأحوال الميدانية في سوريا وارتسام الجبهات بشكل واضح مع خفض التصعيد قررت الفتاة الحمصية سمر رجب وهي خريجة كلية الآداب من جامعة حمص والعاطلة عن العمل بحكم الظروف الهروب إلى تركياً برّاً من حمص عبر حماه حيث يسيطر النظام السابق، فإدلب التي كانت تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”، وصولاً لتركيا، في طريقٍ كان خطراً للغاية، ولكنّه كان في ذات الوقت مشاعاً ونشطاً جداً لعمليات التهريب.
شقيق سمر واسمه سليم رجب يعمل محاسباً في مطعمٍ للوجبات الصغيرة تحدث لـ “الحل نت” أنّهم ظلوا على تواصل مع أخته لما بعد حدود حماه، وبالطبع كانت برفقة مهرب كما كانت تتم الأمور، قبل أن يفقدوا الاتصال معها هناك.
وفي وقت لاحق رجب أنهم تلقوا اتصالاً من المهرب يخبرهم أنّ مجموعات مسلحة اختطفت الفتاة ويطالبون بفدية مالية، “دفعنا الفدية ثلاثة مرات، ولم تعد أختي، وبعد سقوط النظام ذهبنا بأنفسنا لإدلب للبحث عنها ولم نعثر على أي شيء يشير إليها، أبلغنا المعنيين، قدمنا لهم أوراقها وصورتها، لا نتيجة، قيل لنا قد تكون قتلت أو سبيت من قبل متطرفين مرتبطين بداعش، ونحن كنا نقول نريدها ولو جثّة”.
القضية أكبر وأعمق
على الأقل حتى أواسط عام 2022 بلغ عدد المغيبات قسرياً 9774 وفق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، وهو عدد لا شك ازداد مع السنتين اللاحقتين، غالبيتهنّ لم يعرف مصيرهنّ حتى اليوم، ورغم سيل الوعود الذي جاء مع سقوط النظام بفتح هذا الملف الحساس والشائك إلّا أنّ تحركاً فعلياً لم يحدث.
تلك الأحوال بعيد انتظار طويل حطمّت آمال عائلات تدرك معنى فقدان الأم أو الأخت أو الابنة، أولئك كلّهم كانوا ينتظرون على جمر فتح هذا الملف بشكل رسمي وعلى أعلى المستويات، وأن تبدأ السلطات الجديدة بتحقيقات نزيهة وشفافة رفقة لجان محلية وأهلية وتطوعية بمعونة فرق كشف وبحث أممية إنسانية وحقوقية وجنائية لكشف مصيرهنّ المبهم.
وبمطلق الأحوال لا يمكن القول إنّ نساءً لم يعدن مع سقوط النظام، لكن يظلّ الملف شائكاً أكثر من ذلك حين الحديث عن الآلاف. وفي ذلك الشأن يرى الباحث السياسي، مهيب الطرشة، أنّ فتح الملف يجب أن يتم بعناية ودراية كاملةٍ لأبعاده الاجتماعية على الأرض، “نحن هنا نتحدث عن إخفاء مقصود، وانتهاكات جسدية قد تصل درجة الاستعباد الجنسي الذي قد يحرك الغرائز الصراعية من جديد مولداً مراحل متقدمة من الثأر والانتقام العشوائي، لذلك يجب محاسبة المنتهك وحده لا عائلته ومحيطه ومجتمعه ولعلّ هذا ما يؤخر عملية فتح الملف بشكل شامل، كما يجب مراعاة ملف المقابر الجماعية وما فيها في ظلّ حرق الأوراق الرسمية”.
منذ سقوط النظام السابق وحتى الآن جرى اختطاف 50 فتاة على أيدي مجموعات مجهولة، معظمهنّ ينتمين لمكونٍ واحد، في ظلّ صمت رهيب ومطبق عن الملف وغياب أي معلومات مفيدة تشير إلى أماكن تواجدهنّ، اختطفن من الطرقات والساحات والشوارع، ليلاً ونهاراً، في سلسلة عمليات بدت ممنهجة دون تغطية إعلامية ترقى لمستوى الحدث، وجلّ المختطفات من حمص والساحل السوري، بحسب توثيق “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.
في بعض الحالات قيل على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المجتمعات المحلية إنّ الفتيات هربن مع عشيق كحادثة سلافة شحود المنحدرة من مدينة حمص، والتي انتشر خبر اختطافها في شهر شباط/فبراير الماضي ليتبين العكس لاحقا، وفي حالات أخرى عدن متزوجات، وفي الحالين لم تقنع تلك السيناريوهات السوريين بشكل تام.
هؤلاء العائدات لسن من ضمن الستين مختطفة بطبيعة الحال، ولعلّ أبرز قصص الاختفاء والعودة ارتبطت مؤخراً بقضية الشابة ذات العشرين عاماً ميرا جلال ثابت التي غابت عشرة أيام ثم عادت متزوجة لأهلها في ريف حمص مرتديةً “البرقع” الأفغاني، في رواية لا زالت حتى اليوم مثار حديث السوريين بين مشكك ومصدق. رغم أنّ الفتاة نفسها ظهرت مع زوجها في أكثر من مقطع مصور تشرح فيه أنّها هربت من منزل عائلتها بمحض إرادتها تحت دوافع ترتبط بالحب وبرفض أسرتها للشخص الذي تزوجته.
“انتظر دوري”
يرى كُثر من السوريين أنّ استهداف بناتٍ بعينهنّ دون غيرهنّ هو نتيجة حتمية لحالة ثأرية انتقامية محمولة على دوافع طائفية كرّسها النظام المخلوع، إذ أنّ حالة الغليان في الشارع من كل ما يرتبط بآل الأسد لم يتمكن من محو أثر الظلم الطويل والمرير من التفريق بين طائفةٍ موجودة أساساً وطائفة صنعها الأسد، أي بين طائفةٍ ما والطائفة الأسدية التي كانت تضم كل وجوه الإجرام القائم على الولاء المطلق للقائد الرمز.

أحد النشطاء الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه بعد قصة عبد الرحمن كحيل الناشط الثوري وما حصل معه من حمص من اعتداء بدني دون الأخذ بعين الاعتبار ماضيه المعارض، ما يجعل من وجهة نظر هذا الناشط أنّ التصريح للصحافة قد يكون خطيراً في هذه الأيام، وبيّن لـ “الحل نت” أنّ عمليات الاختطاف والثأر ليست بصالح الحكم الجديد، وهو يعرف ذلك جيّداً، لكنّها ممارسات محلية من قبل مجموعات منفلتة لا تتبع لجهات رسمية في الغالب، ومع ذلك فهي بتصرفاتها تلك تلقي الحمل والمسؤولية وأصابع الاتهام نحو الجهات الرسمية التي لم تجد بعد سبيلاً لمعالجة المشكلة.
رنا اسم مستعار لفتاة تبلغ من العمر 22 عاماً، تدرس في كلية الهندسة التقنية في جامعة “تشرين”، وحيدةٌ لوالديها، جرى تحريرها بعد أن افتضحت هوية الجهة الفاعلة، ولم تكن جهة عسكرية رسمية بطبيعة الحال، تمكن “الحل نت” من الحصول على روايتها التي أفادت بأنّها اختطف مطلع العام الجاري من ريف طرطوس، واقتيدت إلى مكان مجهول فيه بضعة فتيات أخريات.
وتقول رنا: “كنا نرى مسلحين ملثمين مجهولين يعتدون علينا لفظياً ليس أكثر من ذلك، ويقولون لنا أنتنّ سبايا وغنائم حرب، لقدر جرى تحريري، أو بالأدق إطلاق سراحي بعد أسبوعين، حيث قادوني داخل سيارةٍ ورموني على مقربة من مدينة الدريكيش في ريف طرطوس، لقد وجهت إلينا إنذارات حازمة وتهديدات قاطعة بألا نتحدث عن الموضوع وتفاصيله للإعلام، لذا يجب أن اكتفي هنا”.
الدافع وراء إطلاق سراح بعض المختطفات بعيد افتضاح هوية الجهة الفاعلة كان الاستخبارات السورية بجهاز أمنها العام الذي وقف وراء عمليات تحرير متعددة، بينها في دمشق وريفها فقط عشر حالات على الأقل، تلك العمليات والأساليب التي اعتمدت غالباً ما يتحفظ الجهاز الأمني عن ذكر تفاصيلها ليتمكن من متابعة ملفات مشابهة وتحقيق نجاحات متساوية.
بيدَ أنّ الحالة تلك بعمومها جعلت عدداً من النسوة حبيسات منازلهنّ في مدنٍ محددة على رأسها حمص بحسب ما يمكن استطلاعه بسهولة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل المباشر مع المحيط والمجتمع، وفي حمص التي يتفشى فيها القتل المباشر والاختطاف لدرجة باتت تبدو فيها أحياء كثيرة (كالزهراء والأرمن والعباسية والمضابع والبياضة وكرم اللوز وكرم الزيتون والنزهة وعكرمة القديمة والسبيل وغيرهم) تفتقر للحياة، إذ تغلق أبواب منازلها مع ساعات ما بعد الظهيرة، وتصير النسوة لا يجرأن على مغادرتها.
ملامح الخوف الذي لا يمكن النطق به تبدو واضحةً على الوجوه، الوجوه التي تصير أهدافاً في الطرقات والأسواق لأسباب لا ذنب لهم بها، سيما أنّ عمليات الاستهداف لم تستهدف عوائل الضباط والأمنيين وحسب، بل اتسعت كثيراً نحو المدنيين العزل حتى صار اختطافهم هو القاعدة، فتاةٌ من حمص اختصرت كل ذلك بقولها لـ “الحل نت”: “انتظر دوري”.
عصابات مجهولة؟
يتبرأ جهاز الأمن العام من تلك الممارسات علناً، ومعه وزارة الدفاع، بل يحملون المسؤولية لعناصر إجرامية منفلتة تستوجب محاسبتها، واللافت أنّ الجهاز لا يتمكن بشرياً من تغطية كل المناطق بذات الجودة والفاعلية.
حتى الآن يتحفظ الأمنيون على ذكر أسمائهم خلال الإدلاء بأحاديث أو معطيات ميدانية تخص الواقع الداخلي، يرجع ذلك لما يبدو أنّه تعليمات وزارية بالمقام الأول، وحسابات أمنية بالدرجة الثانية، وأسبابٍ شخصية تحافظ على المسافة الآمنة المطلوبة في عدم التورط بما يحتاج مستوياتٍ عليا لبحثه ونقاشه والبتّ فيه دون تفويض مباشر للمستويات الأدنى.
مصدرٌ مقربٌ من وزارة الداخلية بيّن لـ “الحل نت” بناءً على معطيات اطلع عليها أنّ قضية الاختطاف باتت عبئاً كبيراً على الوزارة والأجهزة المختصة، محملاً مسؤوليتها وتبعيتها لعناصر “إجرامية” تسعى خلف إحداث قلق وبلبلة في المجتمع في محاولة لتعطيل مسار العدالة، غير مستبعدٍ أن تكون تلك العصابات تتلقى دعماً داخلياً أو خارجياً من جهات لا ترغب في استقرار الأمور على الأرض، دون أن ينفي وقوع حالات اختطاف فعلياً، “الوزارة تعمل بصرامة لمكافحتها، لكنّهم يصطدمون بعقبات كثيرة، مواجهة العصابات ليس أمراً سهلاً، وملف مكافحة الجريمة المنظمة والاختطاف على رأس أولوياتهم”.
وبخصوص تركّز أكثر عمليات الخطف في حمص يقول: “حمص بحدّ ذاتها ملف مركب وشائك جداً، النظام المخلوع تلاعب ببنيتها السكانية والاجتماعية والديموغرافية، في هذه المدينة الحمل مضاعف، فهي مكان مركزي استتباب الأمن فيه ينعكس على مدنٍ أخرى، ولكن في ذات الوقت فإنّ المدينة ممتلئة بحالات الثأر الأهلي خارج القانون، ومعها حالات الاختطاف، لذا عملت وتعمل الوزارة على إعادة توزيع ونشر عناصر إضافية ومراقبة أي تحرك مشبوه للحدّ من أي ظاهرةٍ تمس بأمن المجتمع وتجعل بعض سكان المدينة خائفين إثر تلك الحالات التي لا زالت ممارسات فردية لا تعبر عن توجه دولةٍ أو مشروعٍ أو جهازٍ”.
- بعد تجدد المواجهات العسكرية.. ترامب يتوعد إيران بـ “ضربة قوية”
- تقرير حقوقي يوثق حالات اختفاء قسري واحتجاز سري في سوريا
- تحقيق عن كنوز “داعش” المدفونة.. أين أخفى التنظيم ملايين الدولارات والذهب؟
- توقيف صحفي سوري بعد مشادة مع شرطي مرور في دمشق
- الموازنة السورية تحت الضغط.. لماذا بلغ العجز مليار دولار رغم قفزة الإيرادات؟

