على إثر ما شهدته سوريا مؤخرا من فصل جديد ومقلق من فصول العنف الطائفي، تمثّل هذه المرة في الاعتداء على طلبة الجامعة من أبناء الطائفة الدرزية في جامعتي دمشق وحمص، ومن ثم اندلاع اشتباكات مسلّحة في أشرفية صحنايا، وصحنايا، وجرمانا، وهي مناطق ذات غالبية درزية في ريف دمشق، غادر عدد من الطلبة المتحدّرين من محافظة السويداء جامعة حلب، ضمن عملية إجلاء جماعي جديدة، خوفا من تعرّضهم لأذى جراء الاحتقان الطائفي المشحون هذه المرة ضد الدروز من قبل مجموعات متشددة، وسط غياب أي إجراءات أمنية أو رسمية صارمة للحد من هذه الانتهاكات والاعتداءات.
وانفجرت تلك التوترات الطائفية بعد أن روج البعض لمزاعم (لم يتثبت أحد من صحتها) ملفقة تشير لوجود تسريب صوتي لأحد مشايخ الطائفة الدرزية يحمل إساءة للنبي محمد، في 25 نيسان/أبريل الماضي، ما أثار موجة غضب واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأجّج مشاعر الاحتقان الطائفي في عدة مناطق.
تداعيات التوترات الطائفية على طلبة السويداء
مع بداية انفجار التوترات الطائفية ضد أبناء الدروز، تعرّض عدد من الطلاب الدروز المقيمين في السكن الجامعي بمدينة حمص وأيضا في المدينة الجامعية بدمشق لهجمات واعتداءات جسدية من قبل طلاب آخرين، وسط حالة من الفوضى وغياب تام لأي حماية رسمية.
وقد أفاد موقع “السويداء 24” المحلي، اليوم الأربعاء، بصل حوالي 300 طالب من طلاب السويداء في جامعات محافظة حلب، من بينهم طالب مصاب، ضمن عملية إجلاء جماعي جديدة اليوم الأربعاء، بعد عودة الاستقرار النسبي لطريق دمشق السويداء.
وبحسب مصادر طلابية وأهلية “للسويداء 24“، فإن 308 طالبا وطالبة من اختصاصات مختلفة في جامعات محافظة حلب، عادوا إلى السويداء اليوم الأربعاء، بعد حوالي عشرة أيام من اندلاع أحداث عنف طائفية طالت أبناء المحافظة.
وبيّن المصادر ذاتها أن الطلاب الموجودين في محافظة حلب حاولوا العودة إلى السويداء منذ بداية أحداث العنف، لا سيما بعد تعرض طالب من أبناء المحافظة لعملية طعن واعتداء من طلاب آخرين على خلفية طائفية، مشيرين إلى أن عملية عودتهم تعثرت عدة مرات بسبب الظروف الأمنية على الطرقات، حتى تم إجلاؤهم اليوم.
وبحسب بعض الناشطين، فإن الطلاب الدروز في جامعات حلب واللاذقية تعرّضوا لحصار داخل السكن الجامعي، وقم تم عزلهم عن بقية الطلاب في وحدات سكنية خُصصت لهم، وسط إجراءات مؤقتة لحمايتهم، تمثلت في تدخل زملائهم من السكن. وتمت خلال اليومين الماضيين عملية إجلاء هؤلاء الطلاب إلى محافظة السويداء، في خطوة اعتُبرت ضرورية لتجنب وقوع أي حوادث عنف بحقهم.
ترك الدراسة بسبب “الطائفية”
وقال أحد الطلاب الذين وصلوا اليوم إلى السويداء في حديث مع “السويداء 24”: “نأسف أن نترك مقاعدنا الدراسية بسبب العنف الطائفي، لم نستوعب بعد أي كارثة حلّت على بلدنا، كنا ننتظر أن يكون هناك موقف حازم من الدولة ضد هذه الاعتداءات، لكن للأسف كانت منحازة للأطراف التي اعتدت علينا في الجامعات”.
وأردف أن حرمانهم من جامعاتهم ليس له أي مبرر على الإطلاق، مشيرا إلى أن الصمت الحكومي من وزارة التعليم ووزارة الداخلية إزاء هذه الأحداث، أشعرهم بخطر أكبر على حياتهم وعلى مستقبلهم، مؤكدا أنه يرفض العودة إلى جامعته حتى يشعر بالأمان.
وشهدت جامعات حمص ودمشق واللاذقية وحماة، خلال الأيام العشرة الماضية، عمليات إجلاء جماعية شملت آلاف الطلاب من أبناء السويداء، في ظل تصاعد المخاوف من تعرّضهم لاعتداءات أو أعمال انتقامية على خلفية التوترات الطائفية المتشنجة.
وفي تطور لافت، نشر اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي رسالة باسم طلاب محافظة السويداء، موجهة إلى وزارة التعليم العالي، وإدارات الجامعات، وعدد من الشخصيات الاجتماعية والدينية، ولكل من يرفض الطائفية، تطالب باتخاذ إجراءات صارمة لضمان حماية الطلاب، وتأمين عودتهم الآمنة إلى مقاعد الدراسة، فضلا عن تعويضهم عن الامتحانات التي مُنعوا من تقديمها نتيجة الأحداث الأخيرة.
وأكدوا عبر الرسالة، التي تداولتها “السويداء 24” أن ما يتعرض له الطلاب من تهديدات واعتداءات يمثل شكلا خطيرا من التمييز الطائفي، داعيين إلى الاعتراف بحقهم في الأمان قبل التعليم، والتعليم دون خوف.
وجاء في الرسالة: “نحن طلاب سوريون.. ولكننا محرومون من الدراسة! نحن طلاب جامعيون أُجبرنا على ترك قاعات الدراسة، لا لأننا أردنا ذلك، ولا لأن الجامعة أصدرت قرارا رسميا بمنعنا، بل لأن الخوف على حياتنا أصبح أكبر من قدرتنا على الحضور”.
وأضافت: “نحن طلاب من طائفة درزية، أصبح وجودنا في الجامعة يُهددنا بالموت، وأصبح الذهاب إلى المحاضرات مغامرة قد لا نعود منها أحياء. وصلنا لمرحلة نخاف فيها من الاغتيال فقط لأننا ننتمي لطائفة معينة”.
وتابعت: “نحن لا نحمل سلاحا… ولا ننتمي لأي جهة… نحمل فقط أقلامنا، ودفاترنا، وأحلامنا. هل يعقل أن يصبح (الذهاب إلى الجامعة) قرارا قد يُنهي حياتك؟”.

