تراجعات حادة شهدتها سندات الخزانة الأميركية، بعد أن ضعف الطلب عليها وهو ما أدى إلى ارتفاعًا حادًا في عوائدها وتراجع قيمة الدولار الأميركي خلال آخر أسبوعين، وسط مخاوف متزايدة بشأن قدرة الحكومة الفيدرالية على مواصلة تمويل عجزها الهائل.
وتعد السندات ديونًا للحكومة الفيدرالية الأميركية، ويقوم بشرائها المستثمرين والبنوك المركزية حول العالم للاحتفاظ بها كأصول احتياطية، حيث إنها ملاذًا آمنًا تقليديًا وأصل احتياطي لدى البنوك المركزية.
عدم اليقين بالسياسة الاقتصادية
لم تعد السندات الأميركية بالمكانة والأمان ذاتهما التي كانت عليهما قبل عقد من الزمن، بسبب السياسيات الاقتصادية والتضخم المرتفع والنزاعات التجارية.
ومع بدء الحرب التجارية لم يعد لدى المستثمرين رغبة في السندات، وبدأت موجة التخلص منها، إذ ارتفع مؤشر عدم اليقين في السياسة الاقتصادية إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، عند مستويات تزيد على ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في حرب ترامب التجارية الأولى عام 2019.

وتتزامن المخاوف في سوق السندات مع الوقت الذي أقر فيه مجلس النواب الأميركي تشريعا لتمديد التخفيضات الضريبية من الفترة الأولى للرئيس دونالد ترامب، فضلا عن إضافة تخفيضات جديدة، مثل عدم فرض ضرائب على الإكراميات والعمل الإضافي.
في حين أن المشرّعين يُقرّون أيضًا بعض تخفيضات الإنفاق، إلا أن هذه التخفيضات تُعوّضها بشكل كبير انخفاضات في الإيرادات الضريبية، بالإضافة إلى زيادة في النفقات في قطاعات أخرى، مثل الدفاع، وسيكون الأثر الصافي إضافة تريليونات الدولارات إلى عجز الموازنة خلال العقد المقبل.
ومن المتوقع أن يسعى مجلس الشيوخ إلى إدخال تعديلات على مشروع قانون مجلس النواب، لكن التخفيضات الضريبية تمثل أولوية قصوى بالنسبة لترامب والجمهوريين في الكونغرس.
رياح معاكسة
هناك رياح معاكسة أخرى تواجهها الأصول الأميركية تتمثل في الدراما التي تشهدها سوق السندات في اليابان ، التي تواجه أيضاً أزمة مالية تتعلق بالثقة وارتفاع العائدات إلى عنان السماء،
واليابان من أكبر حاملي الديون الأميركية في الخارج يعاني من جبل من الديون في الوقت الذي بدأ فيه اقتصاده يتقلص، حيث قال رئيس الوزراء شيجيرو إيشيبا إن الوضع المالي لليابان “أسوأ من وضع اليونان”، ووصلت العائدات على السندات اليابانية لأجل 40 عاما إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 20 عاما .
اليابان هي أكبر مالك أجنبي لسندات الحكومة الأميركية، إذ تبلغ قيمتها 1.08 تريليون دولار أميركي.
في غضون ذلك، تخلصت الصين من مخزونها من سندات الخزانة الأميركية، الذي انخفض إلى 765 مليار دولار بنهاية آذار/مارس، من 784 مليار دولار في الشهر السابق، وقد دفع ذلك الصين إلى أسفل القائمة كثالث أكبر حائز لسندات الخزانة الأميركية، لتتجاوزها المملكة المتحدة لتحتل المركز الثاني.
تأتي الصين في المركز الثاني كأكبر حامل لسندات الخزانة الأميركية، إذ تمتلك حوالي 760 مليار دولار أميركي، 31 بالمئة أي ما يعادل 8 تريليون دولار أميركي، يمتلكها القطاع المالي، بما في ذلك البنوك وصناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط، وتمتلك الحكومة والأسر 24 بالمئة و11 بالمئة من سوق سندات الخزانة الأميركية، على التوالي.
وعلى مستوى الدول العربية، قفزت حيازة الإمارات بنسبة 29 بالمئة لتصل إلى نحو 120 مليار دولار لتسجل مستوى قياسي جديد.
المستثمرون وتجنب الأصول الأميركية
بدأ المستثمرون الأجانب في تجنب الأصول الأميركية مع تزايد العجز المالي والحساب الجاري بشكل لا يمكن تحمله، وفقاً لرئيس أبحاث النقد الأجنبي في “دويتشه بنك” جورج سارافيلوس.

كتب سارافيلوس، إن الجانب الأكثر إثارة للقلق في رد فعل السوق هو ضعف الدولار في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن ردة الفعل هذه تُعد إشارة واضحة على إقبال المشترين الأجانب على الأصول الأميركية، وما يرتبط بذلك من مخاطر مالية أميركية تم التحذير منها منذ فترة، وأن جوهر المشكلة في أن المستثمرين الأجانب لم يعودوا مستعدين لتمويل العجز المزدوج الأميركي عند مستوى الأسعار الحالي.
ورأى سارافيلوس أن هناك طريقتين فقط لاستعادة جاذبية الأصول الأميركية أمام المستثمرين الأجانب، أحدهما أن تضطر الولايات المتحدة إلى مراجعة مشروع قانون المصالحة الحالي الموجود حاليا في الكونغرس بشكل حاد من أجل التوصل إلى سياسة مالية أكثر صرامة؛ أو يتعين على القيمة غير الدولارية للديون الأميركية أن تنخفض بشكل ملموس حتى تصبح رخيصة بما يكفي لعودة المستثمرين الأجانب.
مشتريان لديون السندات
فيما أكد الأستاذ في جامعة العلوم الماليزية فرع إسطنبول والمستشار الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر، أن وزارة الخزانة الأميركية تواجه معضلة مع انسحاب المشترين الأجانب من سوق السندات، كما أنها تواجه سؤالا وجوديًا حول الجهة التي يمكنها تمويل مبلغ 20 تريليون دولار القادمة من الدين خلال العقد المقبل.
وأشار خلال منشور له عبر صفحته بموقع التواصل “فيسبوك” إلى أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، قدّم اليوم إجابة وصفها بالجريئة على هذا التساؤل، موضحًا أن هناك مشتريان رئيسيان مستعدان لامتصاص تريليونات من سندات الخزانة، لكن هل يكفيان لإنقاذ السوق من الانهيار؟.
أول هذان المشتريان البنوك الأميركية، حيث إنها ملزمة قانونيًا بالاحتفاظ بجزء من أصولها في سندات الخزانة، لكن رغم ذلك، لا تزال مشترياتها غير كافية لدعم السوق.
المستشار الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر
وأشار إلى أن هناك مشكلة تنظيمية تواجه ذلك التوجه، وهي أن قاعدة “نسبة الرافعة التكميلية” (SLR) تحدّ من حجم الأصول – بما فيها السندات، التي يمكن للبنوك الاحتفاظ بها نسبةً إلى رأس مالها، إضافة إلى مشكلة اقتصادية أخرى، حيث إن البنوك تعاني من خسائر غير محققة قيمتها 500 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار الفائدة (الذي خفّض أسعار السندات القديمة)، ففي حال شرائها المزيد قد ترتفع خسائرها إلى تريليونات.
العملات المستقرة وتمويل الديون
نبّه الناظر، إلى أن انكشاف الخسائر قد يؤدي إلى هلع وسحب ودائع، كما حدث في انهيار بنك “وادي السيليكون” عام 2023، مشيرًا إلى أن بيسنت وعد بتعديل قواعد SLR في الصيف لتسهيل شراء البنوك للمزيد من السندات، حتى وإن كانت مُجبرة على ذلك.

وأضاف أنه يمكن تمويل الديون أيضًا من خلال “العملات المستقرة”، خاصة وأن التشريع القادم لتنظيم العملات المستقرة قد يُضيف طلبًا جديدًا بقيمة 2 تريليون دولار على سندات الخزانة الأميركية.
وأوضح أن إصدار مليار دولار من العملات المستقرة يوازي شراء مليار دولار من السندات، مشيرًا إلى أن الطلب الحقيقي يأتي من الأفراد في دول ذات تضخم مرتفع مثل تركيا، الأرجنتين، لبنان، نيجيريا، حيث يهرب الناس إلى الدولار الرقمي.
تفوق الذهب والبيتكوين
أشار الناظر، إلى أن شركات العملات المستقرة باتت تحتفظ بأكثر من 200 مليار دولار من سندات الخزانة، وهي أكثر مما تحتفظ به المملكة العربية السعودية.
إن للوصول إلى 2 تريليون دولار، يحتاج الأمر إلى ارتفاع ضخم في سوق العملات الرقمية، مشيرًا إلى أن تاريخيًا، سوق البيتكوين يكون أكبر بـ10 مرات من سوق العملات المستقرة، ما يعني ضرورة ارتفاع بيتكوين إلى 18–20 تريليون دولار.
المستشار الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر
وأكد أنه حتى لو نجحت وزارة الخزانة الأميركية في إيجاد مشترين جدد، فإن أصحاب “المال الحقيقي” مثل الذهب والبيتكوين سيتفوقون في الأداء على حاملي الدين، منوهًا إلى أن التحولات الكبرى قادمة، وأن من يشتري الدين سيكون أهم سؤال اقتصادي في العقد المقبل.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

