ما تأثير الحرب بين إيران وإسرائيل على جماعة “الحوثي” في اليمن؟

نأت جماعة "الحوثي" بنفسها بعيداً عن ساحة المعركة بين إيران وإسرائيل، في أول غارة إسرائيلية على صنعاء، استهدفت قيادات عليا في الجماعة، بعد أن كانت قد أعلنت عن اشتراكها في الرد الإيراني، فيما أسمته "مشاركة في ردع العدوان الإسرائيلي على إيران
نأت جماعة "الحوثي" بنفسها بعيداً عن ساحة المعركة بين إيران وإسرائيل، في أول غارة إسرائيلية على صنعاء، استهدفت قيادات عليا في الجماعة، بعد أن كانت قد أعلنت عن اشتراكها في الرد الإيراني، فيما أسمته "مشاركة في ردع العدوان الإسرائيلي على إيران

نأت جماعة “الحوثي” بنفسها بعيداً عن ساحة المعركة بين إيران وإسرائيل، في أول غارة إسرائيلية على صنعاء، استهدفت قيادات عليا في الجماعة، بعد أن كانت قد أعلنت عن اشتراكها في الرد الإيراني، فيما أسمته “مشاركة في ردع العدوان الإسرائيلي على إيران”، هذا التراجع مثّل مرحلة جديدة لجماعة “الحوثي” التي دأبت على إظهار نفسها كأكثر وكلاء إيران حماسة للتورط، دون وضع أي اعتبار للخسائر أو الكلفة التي سيدفعها الشعب اليمني نتيجة هذه الحماسة.  

فبعد أن كثّفت جماعة “الحوثي” من خطابها التعبوي، معلنة وقوفها الكامل مع طهران ضد إسرائيل، وأطلقت صواريخها ومسيراتها نحو إسرائيل، مع تصاعد التوترات الإقليمية ودخول إيران وإسرائيل في حرب مباشرة، ها هي اليوم تبحث عن مخرج يحمي مشروعها من الانهيار، حيث برزت أصوات عالية من داخل جماعة “الحوثي” تدعو للتحرك العاجل والبحث عن حلول للأزمة اليمنية، تحسباً لتفاقم الأوضاع الإقليمية وتداعياتها على الشأن الداخلي في اليمن.  

ويرى مراقبون بأن جماعة “الحوثي” كعادتها حينما تحس بالمخاطر الوجودية، تبدأ بالتفاوض والبحث عن طرق سلمية تجنبها الخسائر، وهي طريقة مألوفة لدى هذه الجماعة، عندما تجد نفسها في حالة ضعف، أو تتوقع حدوث تغييرات مصيرية في موازين القوى تنعكس عليها بشكل سلبي. 

توقف مفاجئ لهجمات “الحوثي” ضد إسرائيل  

منذ صباح الأحد الماضي، لم تسجل أي عمليات جديدة لجماعة “الحوثي” ضد إسرائيل، كما لم تُصدر الجماعة بيانات تبنِ لهجمات إضافية ضمن مشاركتها فيما تسميه “الرد الإيراني” على الهجمات الإسرائيلية، حيث كان آخر إعلان قد صدر صباح ذلك اليوم، تحدثت فيه الجماعة عن إطلاق دفعة من الصواريخ الباليستية، في عملية قالت إنها جرت بالتنسيق مع “الحرس الثوري” الإيراني.

عناصر يتبعون لـ "الحوثيين" في اليمن - انترنت
عناصر يتبعون لـ “الحوثيين” في اليمن – انترنت

في المقابل، شنت إسرائيل في وقت متأخر من مساء السبت ضربات استهدفت مواقع للجماعة جنوبي صنعاء، في تطور عدّه محللون “رسالة تحذيرية مباشرة”، هدفها كبح الجماعة وتحييد انخراطها في العمليات الإيرانية.  

غير أن تراجع وتيرة الهجمات الحوثية، يكشف أيضاً عن تحديات لوجستية وفنية تواجه الجماعة، أبرزها محدودية القدرة التشغيلية ومخزونات السلاح الاستراتيجي، ولذلك فإن الجماعة تتبع حالياً سياسة تقشف عسكري، بهدف تقليل استخدام الذخائر بعيدة المدى، والاحتفاظ بمخزون احتياطي تحسباً لأي تطور ميداني محتمل في قادم الأيام. 

الخبير العسكري العميد محمد الكميم يوضح في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، بأن الحرب بين إيران وإسرائيل باتت تمثل “تحديا وجوديا” لجماعة الحوثي، مشيراً إلى أنها ليست مجرد تطور إقليمي بعيد، بل صراع يكشف موقع الجماعة كذراع عسكري ضمن محور طهران.  

ويؤكد الكميم بأن “مواقع الحوثيين المرتبطة بتكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة قد تُدرج ضمن بنك أهداف الضربات الإسرائيلية، كونها تُعد أدوات مباشرة لإيران في المنطقة”، لافتاً إلى أن أي تصعيد من جماعة “الحوثي” في هذا السياق “قد يجرّهم إلى معركة تتجاوز قدراتهم الحقيقية”.  

وأشار الخبير اليمني إلى أن جماعة “الحوثي” ستواجه على المستوى الاستراتيجي، مخاطر متعددة، أبرزها “التعرض لضربات مباشرة، أو انتهاء الدعم الإيراني نتيجة انشغال طهران بجبهتها المباشرة مع إسرائيل”، ما سيضع الجماعة أمام وضع هشّ، لم يسبق أن واجهته بهذا الشكل منذ اندلاع الحرب في اليمن. 

خسارة إيران تساوي سقوط “الحوثي” في اليمن  

من جانب آخر، يرى المحلل السياسي عبد السلام محمد، رئيس مركز “أبعاد” للدراسات، أن خسائر إيران في الحرب مع إسرائيل تتزايد بشكل كبير في ظل حربها مع إسرائيل، وأن جماعة “الحوثي” ستكون من أبرز المتأثرين بهذه الخسارة، باعتبارها أحد أهم الأذرع الإقليمية لطهران.  

الحوثيين

يقول محمد في تصريح خاص لموقع “الحل نت”: إن النفوذ الإيراني داخل جماعة “الحوثي” كبير جداً، وإذا شعر المرشد الإيراني بأن الحرب تتجه نحو إسقاط النظام، فقد يدفع الحوثيين للمشاركة بشكل مباشر في المواجهة، في تجلٍّ واضح للتبعية المطلقة التي تحكم العلاقة بين الطرفين.  

ويضيف الخبير اليمني: “لا توجد أي مكاسب لجماعة الحوثي في هذا التصعيد، بل إنها الآن تحاول النجاة فقط، الخيارات تضيق أمامها، وقد تسعى لفتح قناة حوار مع السعودية، لكن هذا الخيار بات متأخراً جداً”، مشيراً إلى أن الجماعة تقف الآن أمام مفترق طرق “إما الاستسلام، أو مواجهة عسكرية حاسمة، أو ثورة داخلية تُنهي سيطرتها، خصوصاً في حال سقوط النظام الإيراني، وسقوط حزب الله في لبنان ونظام بشار الأسد في سوريا”.  

ويتابع محمد، بأن تصعيد جماعة “الحوثي” في خطابها التعبوي ومحاولتها حشد الناس ليست إلا محاولة للهروب إلى الأمام، لكن اليمنيون لا يرون في إسرائيل عدوهم المباشر اليوم، بل يعانون من واقع مرير تفرضه الجماعة، حصار اقتصادي، وملاحقات أمنية، وتفجير منازل، وقمع للخصوم، وجرائم واسعة ضد المواطنين.  

ويختم بالقول إن التصعيد الإقليمي قد يكون “فرصة لوضع نهاية عسكرية لانقلاب الحوثيين، ضمن خسارة شاملة يتكبدها المشروع الإيراني في المنطقة”.  

وفي هذا السياق، يربط وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني بين ما يجري في الإقليم وبين مستقبل جماعة “الحوثي” في اليمن، مؤكداً أن المرحلة القادمة ستشهد “تحولات عميقة” في الملف اليمني، وحراكاً واسعاً سيفضي إلى “نهاية المشروع الحوثي الإرهابي الدخيل”، على حد تعبيره. 

الإرياني قال أيضا بأن “مفاجآت قادمة ستسر كل يمني وعربي حر”، في إشارة إلى ما يعتبره تراجعاً وشيكاً للنفوذ الإيراني في اليمن والمنطقة. مضيفاً أن ملامح “اليمن السعيد” بدأت تتشكل، كدولة “لكل أبنائها، بلا تمييز، بلا استبداد، وبلا كهنوت”، في إشارة مباشرة إلى نظام الحكم الذي تفرضه جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها. 

إيران والحوثيين.. المصير مشترك 

وفي تصريح خاص لموقع “الحل نت”، يؤكد الكاتب السياسي، همدان العليي، بأن العلاقة بين جماعة “الحوثي” والنظام الإيراني “ليست تحالفاً سياسياً عابراً كما هو حال العلاقات بين الدول، بل علاقة عضوية مركبة تجمع بين العرق والعقيدة والمصير المشترك”.  

ويضيف العليي بأن جماعة “الحوثي” لا ترى في إيران مجرد حليف، بل “امتداداً عقدياً وعرقياً لمشروعها التاريخي”، لدرجة أن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي يعتبر الخميني “ابن عم”، بحسب وصفه، في إشارة إلى ما يعتبره ارتباطاً وجودياً لا مجرد اصطفاف سياسي.  

ويرى العليي أن أي اهتزاز يتعرض له النظام الخميني في طهران سينعكس مباشرة على جماعة “الحوثي”، ويُشعرها بتهديد وجودي، خاصة بعد سنوات من نشوة التمكين الأيديولوجي والعسكري التي عاشتها بفضل الدعم الإيراني، مؤكدا أن هذا التهديد “قد يعيد الحوثيين إلى مرحلة الضعف، ليس فقط عسكرياً، بل في وعي أتباعهم الذين ينظرون لطهران كمركز ثقل مشروعهم العقدي والسياسي في المنطقة”. 

وبين شعارات “الموت لأميركا” والصواريخ الموجهة نحو إسرائيل، تبدو جماعة “الحوثي” اليوم في مواجهة مع واقع أعقد من مجرد إطلاق طائرات مسيّرة، أو تسجيل موقف سياسي لصالح “محور المقاومة”، فكل خطوة تصعيدية ستقدم عليها، سواء بتنسيق مع إيران أو كقرار انفعالي مستقل، سيضع الجماعة أمام كلفة سياسية وعسكرية كبيرة داخليا وخارجيا.

جماعة الحوثي تلعب بالنار

وفي نهاية المطاف، يبدو أن جماعة “الحوثي” تلعب بالنار، لا كقوة إقليمية مستقلة، بل كأداة في حرب أكبر منها بكثير، ومع كل صاروخ يُطلق من قبل جماعة “الحوثي”، يتضاءل الأمل بأن تنجو اليمن من جحيم جديد لا علاقة له بمصالحها ولا بمستقبل أبنائها. 

ورغم صخب الخطاب “الحوثي” المناهض لإسرائيل، تكشف الوقائع على الأرض عن جماعة ما تزال تحسن قراءة موازين القوى وتعرف متى تتراجع ومتى تندفع، فقرار التهدئة في ذروة التصعيد بين إيران وإسرائيل، يعد استراتيجية بقاء اعتادت الجماعة على اتباعها كلما واجهت ضائقة شديدة، لكنها أصبحت اليوم مفضوحة أكثر من أي وقت مضى. 

وفي ظل هذه التوترات الإقليمية، هل ستستمر جماعة “الحوثي” في اللعب بالنار من بعيد، أم أنها ستنزلق إلى مواجهات كبرى في الحرب، لتسجل نهايتها على أيدي اليمنيين الذين باتوا ينتظرون أقرب فرصة للقضاء على هذه الجماعة التي انقلبت على الدولة في اليمن وأحالت حياة اليمنيين إلى جحيم؟

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم