هل يورط “الحشد الشعبي” العراقَ في حربٍ إقليميةٍ أوسع؟

مع ارتفاع وتيرة التوتر في الشرق الأوسط بسبب الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، يظل الموقفُ العراقيُّ معلقًا في منتصف التحديات بين رغبة الحكومة في الابتعاد عن الانخراط في الصراع الإقليمي، وميل "الحشد الشعبي" إلى تقديم الدعم لإيران
هل يورط الحشد الشعبي العراقَ في حربٍ إقليميةٍ أوسع؟

مع ارتفاع وتيرة التوتر في الشرق الأوسط بسبب الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، يظل الموقفُ العراقيُّ معلقًا في منتصف التحديات بين رغبة الحكومة في الابتعاد عن الانخراط في الصراع الإقليمي، وميل “الحشد الشعبي” إلى تقديم الدعم لإيران.  

تأتي صعوبة المشهد العراقي من الشعور بالانتماء الأيديولوجي لإيران، ومن ناحيةٍ أخرى، ما زال العراق يخطو خطواته الأولى بشق الأنفس نحو الاستقرار الأمني والاقتصادي. فكيف يمكن للعراق أن يحقق التوازن بين دبلوماسية القرار السياسي وتصريحات الفصائل العراقية التي تعلن دعمها الكامل والصريح لإيران؟ وهل يمكن للدولة العراقية أن تسمح للفصائل الموالية لإيران أن تجرها إلى الحرب الإيرانية – الإسرائيلية؟ 

اجتماعات وتصريحات عراقية

عقد ائتلاف إدارة الدولة العراقية، الذي يضم القوى السياسية الرئيسية من الشيعة والسنة والأكراد، اجتماعًا طارئًا قبل أيام برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وكان العنوان الأبرز بحثُ سُبل تجنيب البلاد الانجرار إلى الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل. وربما جاء هذا الاجتماع الطارئ على خلفية ما صرح به الأمين العام لكتائب “حزب الله” العراقي، أبو حسين الحميداوي، قائلاً: “إذا تجرأت أميركا على التدخل في الحرب فإننا سنستهدف مصالحها وقواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة بشكل مباشر دون تردد”. 

شاب عراقي يحمل صورة للواء حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي قتل في القصف الإسرائيلي على طهران، وذلك خلال تظاهرة مؤيدة لإيران في بغداد. في 16 يونيو/حزيران 2025. AFP – AHMAD AL-RUBAYE

وقد كرّر قادة آخرون في “الحشد الشعبي” هذا الموقف، حيث أكد أكرم الكعبي، رئيس حركة “حزب الله النجباء”، أن الهجوم على إيران يتمّ “بالتعاون مع الجيش الأميركي” وطالب “بإخراج الولايات المتحدة من العراق”. والخطر الأكبر الذي يواجه العراقيين هو احتمال أن يجرّ “الحشد الشعبي” العراق إلى الدخول في الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، خصوصًا في ظل التصريحات الصريحة التي تعلن الدعم الكامل لإيران دون مواربة.   

إلا أن الدكتور هيثم الهادي نعمان، الباحث في السياسة العراقية، في حديثه مع “الحل نت” يقول: “مشاركة الحشد الشعبي أو القوات الموالية لإيران تعتمد بالدرجة الأولى على الأوامر الإيرانية، وحتى الآن لا يوجد قرار إيراني بالمشاركة، وهذا لسبب بسيط جدًا: تريد إيران حصر الصراع في الحدود الإيرانية – الإسرائيلية ولا تريد إدخال مزيد من الأطراف الأخرى في الوقت الحاضر على أقل تقدير، فهي تستخدم ورقة السلاح الصاروخي مع إسرائيل والصبر الاستراتيجي لكي لا تتنازل عن مشروعها النووي”.   

وفيما يخص القوة الموجودة في العراق، فهي قوة جاهزة للقتال ولن تسيطر عليها الحكومة، ولا تستطيع الحكومة العراقية منعها من المشاركة إن أرادت، لأن الحكومة متداخلة مع القوات التابعة لإيران؛ حتى وإن تعاملت بدبلوماسية واضحة فهناك وزراء من الميليشيات وإطار التنسيق هم الذين يحمونها، وسياسيًا هم الذين يشكلون الحكومة، فعملية الفصل وهمية في الحقيقة.   

ولكن وفق الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، إذا شاركت الولايات المتحدة في الصراع، وهو ما حدث صباح اليوم الأحد، فإنها ستدفع القوات العراقية إلى المشاركة في الحرب، وبالتالي موقف الفصائل العراقية مرهون حاليا بالموقف الإيراني ورده على دخول الأميركيين في الحرب. لأن الأغلب في هذه الحالة سيشارك في الحرب “الحشد الشعبي” والقوات الموالية لإيران في العراق.   

الإجابة عن وضع العراق وموقفه من الحرب مرتبطة بسؤال أكبر: هل ستقف الحرب عند الحدود الإيرانية–الإسرائيلية، أم يمكن أن تتوسع لتشمل الحدود الإيرانية–الأميركية؟  

الحشد الشعبي” وطهران 

تتألف قوات “الحشد الشعبي” من عدة فصائل؛ بعضها مؤيّد لإيران، وبعضها ملتزم بالوطنية العراقية. قد تؤدي الحرب بين إسرائيل وإيران إلى تفكك هذه الفصائل، وقد تتعرض الفصائل الموالية لإيران لضغوط، إذ سيُنظر إليها على أنها تخدم المصالح الإيرانية في العراق، فيما قد تسعى الفصائل الوطنية إلى النأي بنفسها عن النفوذ الإيراني للحفاظ على شرعيتها العراقية. وهذا قد يُضعف التماسك العام لقوات “الحشد الشعبي”. 

تستخدم إيران قوات “الحشد الشعبي” كجزء من “محور المقاومة” لزيادة تأثيرها في المنطقة، وإذا ضعفت هذه القوة بفعل الهجمات الإسرائيلية والضغوط الداخلية في العراق، فإن ذلك سيقلّل من نفوذ إيران الإقليمي. وقد يخلق تقليص قوة “الحشد الشعبي” فراغًا في السلطة يمكن لجهات أخرى ملؤه، مما يؤدي إلى حروب إضافية بين المجموعات المختلفة في العراق.   

وترجع العداوة بين فصائل “الحشد الشعبي” والقوات الأميركية بشكل واضح إلى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني وقائد “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس على يد الولايات المتحدة عام 2020. وتصاعد هذا العداء أكثر بعد اندلاع العنف بين إسرائيل و”حماس” في تشرين الأول 2023، فشهد العراق منذ ذلك الحين تصعيدًا حادًّا في الخطاب وهجمات متكررة ضد الأصول والأفراد الأميركيين.   

ويرى الدكتور إنمار السراي، الباحث في الشأن العراقي، في حديثه مع “الحل نت” قائلاً: “لا يمكن إنكار حالة التعاطف الكبيرة في الشارع العراقي تجاه ما يحدث في إيران من دمار؛ ولكن الحكومة العراقية، التي تسيطر على المشهد السياسي بمختلف طوائف العراقيين، أعلنت موقفها بوضوح، فهي لن تسمح لهذا التعاطف الشعبي بأن يقودها إلى الانغماس في الصراع الإقليمي المشتعل”.   

ويؤكد السراي: “الحشد الشعبي مؤسسة تابعة للحكومة العراقية، لكن بعض فصائله مرتبطة بشكل مباشر بإيران؛ ومع ذلك، حتى هذه اللحظة لا يوجد تدخل فعلي من هذه الفصائل. صحيح أن بعض هذه الفصائل هددت بأنه إذا دخلت أميركا الحرب فستهاجم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ولكن يبقى الرهان على ضبطها. وهناك نقطة لا بد من التأكيد عليها: حتى في حال دخول الأميركيين الحرب، لن تقوم هذه الفصائل بفعل شيء، لأن المصالح الأميركية في العراق باتت قليلة جدًّا، كما أنها محصنة تحصينات لا يمكن للفصائل العراقية اختراقها”.   

موقف الحكومة العراقية 

إن حالةَ الدعم من “الحشد الشعبي” لإيران تضع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في مأزقٍ معقّد، إذ يحاول الحفاظَ على الشراكة الأمنية العراقية مع الولايات المتحدة، بينما يواجه في الوقت ذاته ضغوطًا محلية مكثفة من فصائل حشدية موالية لإيران. وقد ساهم تعرض العراق لانتهاكات في المجال الجوي خلال الأيام الأولى من الحرب في تضييق الخناق على الحكومة العراقية.

فقد أصدر مكتبُ رئيس الوزراء السوداني تصريحًا أعلن فيه: “يرفض العراقُ رفضًا قاطعًا استخدامَ أراضيه أو مجاله الجوي لتنفيذ أو تسهيل أي أعمال عدوانية ضد الدول المجاورة”.   

وقال صباح النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة: “لقد مارس العراق أقصى درجات ضبط النفس، أملاً في إتاحة الفرصة للحلول الدبلوماسية والسياسية لنزع فتيل الأزمة بالطرق السلمية”.   

وعلى الرغم من الاستثمارات الأخيرة التي بلغت قيمتها عدة مليارات الدولارات بهدف تحديث أنظمة الدفاع الجوي – بما في ذلك خطط للحصول على قدرات متقدمة من كوريا الجنوبية وفرنسا وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر – فإن هذه التحسينات لا تزال غير مكتملة. ولذلك، فإن الدفاعات الجوية العراقية الحالية ليست قويةً بما يكفي لاعتراض التهديدات عالية السرعة أو البعيدة المدى، مثل الطائرات الإسرائيلية أو الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تعبر سماء العراق.

ويرى الدكتور إنمار السراي، الباحث في الشأن العراقي، في حديثه مع “الحل نت”:  أن “الحكومة العراقية الآن في موقع معقّد ضمن تحالف إدارة الدولة، ومعظم هذه الفصائل منضوية في التحالف، لذا لن تخرج عن قرار الدولة، إذ إن محاولة الفصائل الانسحاب عن قرار الدولة مسألةٌ معقدة جدًّا، والفصائل تُدرك التبعات المحتملة لأي محاولة انسحاب. ومع ذلك، لا ينفي ذلك احتمال تدخل محدود لبعض الفصائل مثل النجباء وكتائب حزب الله؛ فقد يقدمون تصريحات مدفوعة بالعاطفة غير المدروسة، وكنوع أيضا من المحافظة علي ماء الوجه فقط أمام التابعين لهم”.   

ضبابية المشهد العراقي 

إن إعلانَ نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي صراحةً أن العراق “غير قادر على الحفاظ على سيادة أراضيه والسيطرة عليها في مواجهة العدوان”، ومطالبته بغدادَ “بتحمل مسؤوليتها في منع استخدام مجالها الجوي للعدوان على الدول المجاورة”، يؤكد ضبابية المشهد العراقي. وأكّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذا الموقف داعيًا العراقَ إلى منع “إساءة استخدام” مجاله الجوي ضد إيران.   

ويبقى الخطرُ الأعظمُ أن فشلَ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في كبح جماح فصائل “الحشد الشعبي”، أو مواجهة القوات الأميركية لهجمات مستمرة، قد يحول تركيزَ القوات من مكافحة “داعش” إلى الدفاع عن النفس أو الانسحاب، ومن شأن هذا أن يقلل بشكل كبير من قدرتها على دعم القوات العراقية والكردية في مكافحة الإرهاب، مما يخلق فراغًا خطيرًا لتنظيم داعش لإعادة تنظيم صفوفه والتوسع.   

ويزيد إشعال الموقف العراقي تصريحات بعض المسؤولين العراقيين؛ فقد أكد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، رئيس “ائتلاف دولة القانون”، موقفَ الحكومة مشيدًا بالضربات الانتقامية الإيرانية باعتبارها “انتصارًا حقيقيًا لمحور المقاومة”. 

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي إن البلاد لا تزال “آمنة ومستقرة”، لكنه أشار إلى أن القوات العراقية في حالة تأهب وتراقب التطورات عن كثب تحسبًا لأي آثار جانبية.

ويختم الدكتور إنمار السراي حديثَه مشيرًا إلى نقطة في غاية الأهمية: السماحُ لفصائل “الحشد الشعبي” المتهورة بتحريك المشهد وفقًا لمزاجها العاطفي قد يدفع العراقيين ثمنَه. فلا يمكنُ، على سبيل المثال، أن نغفل أن الموارد العراقية والصندوق السيادي العراقي ما زالا في يد الأميركيين، والأموال العراقية تحت حماية الرئيس الأميركي بالتحديد، وهذه النقطة لا يمكن غضّ النظر عنها عند الحديث عن تبعات الأحداث والمواقف الحالية. فالحكومة العراقية والشعب والفصائل تعلمُ أن أي خلاف في العلاقات الأميركية – العراقية أو الانسياق إلى الحرب الإيرانية–الإسرائيلية هو مسمار خطر على الاقتصاد العراقي. 

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم