في 29 أيار/مايو 2025، رفع الدبلوماسي الأميركي الجديد توماس باراك علم بلاده في مقر السفارة بدمشق، لأول مرة منذ مغادرة رئيس البعثة روبرت فورد العاصمة في شباط/فبراير 2012، وبدء القطيعة بين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وحكومة بشار الأسد التي انهارت في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 بعدما أغرقت البلاد في العنف.
ومع منتصف 2025، ظهر توماس باراك كمبعوث أميركي إلى سوريا، وله دور فعال ومؤثر في الأحداث السورية التي لا تعرف سكونًا، خاصة في ظل وجود قوة دولية تسعى إلى الاستفادة من الاضطرابات الداخلية وإشعال نيران الطائفية، وممارسة الضغط على طرف دون آخر لمصلحة طرف ثالث.
نحاول في هذه المقالة استعراض دور المبعوث الأميركي في سوريا، والإجابة عن الأسئلة التي تدور في بال العديد من السوريين، من هو توماس باراك؟ كيف ساهم في تعقيد المسار السوري – السوري؟ كيف جاءت خطواته وتصريحاته منسجمة مع سياسة أنقرة؟ كيف يؤدي دوره إلى عزلة واشنطن عن حلفائها السوريين؟
توماس باراك “مندوب سامٍ”
توماس جوزيف باراك الابن (مواليد 28 أبريل 1947) رجل أعمال ملياردير ومستثمر عقاري أميركي من أصول لبنانية، يشغل منذ أيار/مايو 2025 منصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة. بعد ترشّح دونالد ترامب مجدّدًا للرئاسة في انتخابات 2024 وفوزه بها، اختاره لتولي هذا المنصب الدبلوماسي الرفيع.

في كانون الأول/ديسمبر 2024، أعلن ترامب نيته ترشيح باراك سفيرًا لدى الجمهورية التركية. أثار الترشيح جدلًا في واشنطن نظرًا لخلفية باراك كرجل أعمال مقرب من الإدارة الأميركية وخروجه حديثًا من قضية قانونية، إلّا أن “البيت الأبيض” دافع عنه مشيرًا إلى خبرته الواسعة في إدارة الأعمال والاستثمارات العالمية كعامل إيجابي يؤهله للعمل الدبلوماسي.
بعد تنصيب ترامب رسميًا، أُحيل ترشيح باراك إلى مجلس الشيوخ، الذي عقد جلسات استماع في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2025 لتقييمه. خلال الجلسات، أكد باراك أهمية التحالف الأميركي – التركي ووصف تركيا بأنها “شريك قيّم في حلف الناتو”، متعهدًا بتعزيز التعاون رغم الخلافات. وأضاف أنه سيتّبع نهج “الحوار المستمر والضغط المتواصل” لإيصال وجهة النظر الأميركية للحكومة التركية، والاستماع لمطالب أنقرة لإيجاد أرضية مشتركة تخدم الطرفين.
في 23 أيار/مايو 2025 – قبل أسبوع من رفع العلم الأميركي في دمشق – عيّنه ترامب أيضًا مبعوثًا خاصًا إلى سوريا. كما أوكلت إليه مؤقتًا مهام نائبة المبعوث الخاص للشرق الأوسط لشؤون لبنان، مورغان أورتاغوس، التي استُبعدت من منصبها قبل شهر.
توضح هذه المهام المتزايدة حجم صلاحيات باراك في الشرق الأوسط عامة، وسوريا خاصة، في خدمة الأجندة التركية في دمشق بعيدًا عن الأهداف الأميركية. وبحسب بعض التحليلات، يتجاوز دوره التنسيق الدبلوماسي التقليدي، إذ يُنظر إليه كـ”مندوب سامٍ” في المنطقة.
التواطؤ مع رواية دمشق
شهدَت محافظةُ السويداء في جنوب سوريا خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا أمنيًّا، واندلعت اشتباكاتٌ في حيّ المقوس امتدت إلى قرىٍ أخرى في الأرياف، قبل أن تتدخل قوات وزارتي الداخلية والدفاع وتتبادل الاشتباك مع مجموعاتٍ محلية درزية.

غردَ باراك على منصة “إكس”: “نشارك جميع الأطراف في سوريا للسير نحو الهدوء، ونسعى إلى حلٍّ سلميٍّ”. وأضاف: “الاشتباكات في السويداء مصدر قلق؛ نسعى إلى حلٍّ يراعي الدروز والقبائل والحكومة وإسرائيل”. واسترسل: “المساعي الأميركية تهدف إلى نتيجةٍ سلميةٍ شاملة تشمل الدروز وعشائر البدو والحكومة السورية والقوات الإسرائيلية”.
ومع أن موقفه بدا غامضًا، إذ اكتفى بالتصريحات دون الإشارة إلى آلياتٍ لتفعيل المشاركة بين الأطراف أو ضماناتٍ لحماية الأقليات، فقد أشاد ببيان الرئاسة السورية حول أحداث السويداء. ويمكن تفسير هذه الإشادة بأنها دعمٌ أو تواطؤٌ مع رواية دمشق، حتى لو كان هدف باراك تشجيعَ الحكومة على التهدئة؛ فهو في نهاية المطاف منحازٌ لطرفٍ من أطراف الصراع، ولو كان ذلك لصالح الإدارة السورية.
يظهر ذلك بجلاء في تصريحٍ سابقٍ له قبل زيارة دمشق، إذ قال: “نيةُ أميركا ورؤيةُ الرئيس هي أن نعطي هذه الحكومة الجديدة فرصةً بعدم التدخّل وعدم المطالبة وعدم وضع الشروط وعدم فرض ثقافتنا على ثقافتكم”.
وقد تُفهم هذه التصريحات على أنها تمنح دمشق مساحةً أوسعَ للتعامل مع الأزمات الداخلية، مثل أحداث السويداء، دون ضغوطٍ أميركية كبيرةٍ على حقوق الإنسان أو الحريات السياسية، وهو ما يعدّ شكلًا من أشكال التواطؤ أو التغاضي.
ورغم تأكيده على إدانة العنف ضد المدنيين والدعوة إلى الحوار، فقد اتّسم نهجه بالتعامل المباشر مع دمشق، والإشادة ببعض خطواتها، وتركيزه على عدم “فرض الشروط” عليها، ما يشي بتساهلٍ مع الحكومة السورية في إدارة الأزمات الداخلية.
من جهةٍ أخرى، يمكن القول بلا مواربةٍ إن سياسة باراك في دمشق قامت على تجاهلٍ تامٍّ لمطالب السويداء بحمايتهم من القصف والحفاظ على حقوق الأقليات. فرغم عمومية تصريحاته، لم نجد له تصريحًا واحدًا يُدين قصفَ القوى التي تضمها الحكومة للمدنيين أو يطالب بوقفٍ فوري لهذا القصف من قبل جهةٍ محددة، وهو تجاهلٌ لمطلبهم الأساسي بالحماية.
سياسةُ الضغط لا الشراكة
يعتمدُ باراك في سياسته تجاه سوريا على سياسةِ الضغط لا الشراكة، مما يؤدي إلى التباعد بينَ نهج واشنطن والمطالب السورية.
وبالنظر إلى طريقةِ باراك في التعامل مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يظهرُ أن هدفه الرئيسي الدعوةُ الفورية والسريعةُ إلى اندماجها في الحكومة السورية المركزية. وقد صرح بوضوحٍ أن “الطريقَ الوحيد” أمام قسد هو الاندماج مع دمشق، وأن خيارَ الفيدرالية “غيرُ ممكن”.
ومع ذلك، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس أمس: إن “الولايات المتحدة لا تعارض إعلان الفيدرالية أو الحكم الذاتي في سوريا، والأمر متروك للسوريين لتحديد مصيرهم”. وأكدت خلال مؤتمرٍ صحفيٍّ: أن “واشنطن ترى أن مستقبل سوريا بيدِ شعبها والأولويةَ الآن للاستقرار. لا نعارض الفيدرالية أو الحكم الذاتي، لكن القرار للسوريين”.
يمثل موقفُ باراك ضغطًا على “قسد” للتخلي عن طموحاتها في الحكم الذاتي أو اللامركزية، وهو ما ترفضه “قسد” التي تطالبُ بدولة ديمقراطية لامركزية. فبدلًا من البحث عن صيغةِ شراكة تحافظ على بعض مكتسبات “قسد” وإدارتها الذاتية، يركّز باراك على حلٍ أحادي الجانب يتطلبُ استيعابَ قسد بالكامل ضمن هياكل الدولة القائمة، دون مناقشة موانع تنفيذ اتفاق “الشرع – عبدي”.
ويعلق الإعلامي السوري جمعة لهيب في حديثه مع “الحل نت”: “في عمليتي التفاوض العلني والسري، انتقل باراك من الدعم الظاهر لـقسد إلى مطالبتها بالاندماج الفوري في مؤسسات النظام الجديد لضمان نجاح مسار الدولة الجديدة. وتتوافق مواقف باراك بشكلٍ لافت مع مصالح أنقرة التي تسعى إلى إضعاف أي قوةٍ خارجَ سيطرتها في الشمال السوري، لا سيما قسد، ومنع قيام نموذج حكمٍ محلي مستقل في الجنوب، ما يُمكّن دمشق من تفكيك ما تبقى من بنى المعارضة الدرزية”.
من جهةٍ أخرى، لا توجد ضماناتٌ واضحة حول كيفية دمج مقاتلي “قسد” في الجيش السوري المركزي، أو احتفاظهم بأي صلاحيات أمنية محلية، أو كيفية التعامل مع قادتهم.
ما يروج له باراك على أنه فهم للمخاوف التركية إلى جانب الدعوةِ إلى اندماج “قسد” يمكن أن يُعتبر ضغطًا على “قسد” لتقديم تنازلاتٍ كبيرةٍ لتركيا، حتى على حساب طموحاتها السياسية أو الأمنية. إن سياسة باراك تجاه قسد تتسمُ بفرض حلولٍ معينة (الاندماج الكامل) بدلًا من بناء شراكةٍ حقيقية تقومُ على التفاوض والتوافق، مما يخلق ديناميكيةَ ضغطٍ لقبول الشروط المفروضة.
ويختم المراقبون بالإشارة إلى أن باراك لا يُقدر مدى قوة “قوات سوريا الديمقراطية” التي أصبحت أكثر قوةً مما كانت عليه، خاصّةً بعد تضرر الجيش السوري جزئيًّا نتيجة القصف الإسرائيلي في أطراف السويداء.
توافقُ باراك مع تركيا
يعكسُ تعيينُ باراك، صاحب العلاقات القوية في أنقرة، مبعوثًا خاصًّا إلى سوريا اعترافًا بنفوذ تركيا الإقليمي على الأحداث السورية، لا سيما بعد التغيرات الأخيرة في دمشق. وقد صرح بأن رفعَ العقوبات الأميركية عن سوريا يفتح “فرصًا هائلة” للسلام والأمن وإنهاء الصراعات.

يَصبُّ هذا التصريحُ في خدمة المصالح التركية عبر توسيع الاستثمار التركي والهيمنة على موارد إعادة الإعمار، والإسراع في عودة اللاجئين السوريين، وهو ملفٌّ أولويةٌ لأنقرة، وإضعافُ نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بإلحاح اندماجها في الجيش السوري المركزي، وهو هدفٌ استراتيجيٌّ لأنقرة.
مواقفُ باراك المتوافقةُ مع السياسة التركية تضفي شرعيةً على الحكومة السورية دون معالجة القضايا السياسيةِ الجوهرية التي أدّت إلى الصراع، مما يثيرُ قلقَ المعارضة السورية وأطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ.
ويقول الإعلامي السوري جمعة لهيب في حديثه مع “الحل نت”: “هذا الانسجام – بين باراك وتركيا – لا ينتج عن تداخل عابر بل عن دور تنسيقي مباشر مع أنقرة، يتجاوز الإطار التقليدي للسفير أو المبعوث ليصل إلى حد إدارة الأجندة الإقليمية المشتركة، خصوصاً بعد بداية إنهاء ملف حزب العمال الكردستاني بتركيا”.
لقد أدت سياسات باراك إلى حالة من تحريك الجمود شبه التام في العملية السياسية بعد اتفاق مارس/آذار بين الرئيس والجنرال، وليس العكس، بمعنى أن الملف كان ذاهبا للتبريد، وبالتالي جاءت صفعة باراك الذي أوحى بأن “قوات سوريا الديمقراطية” بطيئة والحكومة تفعل ما عليها بشكل سليم.
كما عمّق خطاب باراك، بحسب لهيب، الضغوط على “قسد” وزاد فجوة الثقة بين واشنطن وبعض الأطراف في شمال شرق سوريا التي باتت تنادي بالبديل الأميركي الذي يمكن الرهان عليه، مما يجعلنا نقول أن باراك بوصفه المبعوث الأميركي في سوريا يعمل علي تعقيد المشهد السوري بدل من التهدئة من خلال الضغط ورفض الفيدرالية وهذا الموقف أثار استنكار “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، الذي أكد أن الأكراد لا يطالبون بالفيدرالية بالمعنى الانفصالي، بل بدولة ديمقراطية لامركزية.
يمكن أن يؤدي هذا الضغط ورفض المطالب الكردية إلى تعميق الانقسامات بين الأطراف السورية، خاصة وأن “قسد” كانت شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم “داعش”، وقد يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار في مناطق شمال وشرق سوريا التي تسيطر عليها قسد.
من النقاط أيضا، التركيز على إعادة الإعمار دون حل سياسي شامل قد يؤدي إلى سلام هش لا يعالج جذور المشكلة، وأيضا يمكن اعتبار التحول السريع في السياسة الأميركية تجاه سوريا، والذي يمثلها باراك، من دعم المعارضة وفرض العقوبات إلى رفعها والتعامل المباشر مع الحكومة السورية، عاملاً معقداً.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل أخطأ باراك في قراءة توازنات سوريا؟ بالنسبة لباراك الذي اعتمد على أن الدعوات الدبلوماسية ستكون كافية لنزع فتيل الأزمة دون أي إدانة، مما يعني عدم تقديره كافي لعمق المخاوف الأمنية للمحتجين. وفكرة عدم التداخل ماهي إلا ضوء أخضر للحكومة السورية للتعامل كيفما تشاء مما يشير إلى أن قراءته لتوازن القوى ورغبات الأطراف على الأرض لم تكن دقيقة، وأن نهجه لم يحقق النتائج المرجوة في التهدئة.
أما بالنسبة لتركيا، فبينما قد تكون لها مصلحة عامة في استقرار الجنوب، فإن تفاعلها المباشر أو الفشل في قراءة توازنات السويداء أكثر وضوحًا، حيث أن أولوياتها الجغرافية والاستراتيجية تتركز في شمال سوريا. وهنا يبرز سؤلاً آخر ما الذي أنتجته سياسة باراك؟ إن سياسة باراك لها نتائج عكسية خطيرة على الملف السوري تتمثل في تجميد شبه كامل للعملية السياسية فضلا عن توتر عميق بين واشنطن والمكونات الكردية، وتعزيز اعتماد دمشق على التنسيق مع إسرائيل لضرب الجنوب، وهو ما أحرج أنقرة وأدى إلى انتكاسة للمشروع التركي شمال سوريا نتيجة فشل الشرع وتماسك “قسد”.
وأخيراً، توماس باراك – مبعوث واشنطن الذي خدم أنقرة وضرب الاستقرار السوري – أظهرت سياساته تجاهلًا للواقع السوري وتركيبة الفاعلين المحليين، في سعيه لإرضاء أنقرة وتقليم أظافر “الإدارة الذاتية”، عزز خطاب الحرب، لا السلام، وعمق من عزلة واشنطن عن شركائها الطبيعيين في الملف السوري، وهذا ما سيتضح بشكل مفصل في (الجزء الثاني).
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

