تشهد الصناعة السورية تدهوراً متسارعاً لم يعد قابلاً للتجاهل، مع خروج معامل معروفة من الإنتاج وتآكل قطاعات كانت تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد. هذا التراجع ليس مرتبطاً بظروف عابرة ولا مؤقتة، بل يعكس مساراً واضحاً تقوده سياسات تجمع بين رفع كلفة الإنتاج وفتح الأسواق أمام الاستيراد منخفض الرسوم. النتيجة المباشرة لهذه السياسة تثمر فقداناً للقدرة على المنافسة، وتعطّل سلاسل الإنتاج، وضياع آلاف فرص العمل، ويقابلها ازدهار التجارة والتجار.
تتقاطع شهادات الصناعيين ومعطيات السوق لتؤكد واقعاً واحداً: البيئة الحالية لا تدعم الإنتاج بل تقتله. ومع استمرار هذا النهج، يتحول تراجع الصناعة من أزمة إلى مسار محكوم بالموت.
توقف معامل السيراميك
رغم التاريخ الطويل والسمعة الراسخة لصناعة السيراميك في سوريا، توقفت معامل بارزة مثل “بلقيس” و”زنوبيا” و”إشبيليا”، كنتيجة مباشرة لاختلالات عميقة تضرب بنية القطاع. وبحسب المدير العام لشركة “بلقيس” عبد الرحمن أورفه لي، يمتلك القطاع طاقة إنتاجية تصل إلى 52.873 مليون متر مربع سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي 7.426 ملايين متر مربع، ما يكشف فجوة حادة بين الإمكانيات المتاحة والاستثمار الفعلي.

هذا التراجع ترافق مع انخفاض كبير في العمالة، بعد أن كان القطاع يوظف بين خمسة إلى ستة آلاف عامل مباشر، إضافة إلى خمسة آلاف عامل غير مباشر يعتمدون على ورش الكرتون والنايلون والخراطة والصيانة، ما أدى إلى تعطّل سلاسل إنتاجية كاملة مرتبطة به. بحسب ماصرح لصحيفة “الثورة السورية”.
يوجد في سوريا تسعة مصانع للسيراميك، أبرزها “الشام”، “بلقيس”، “تاج بلقيس”، “زنوبيا”، “إشبيليا”، و”سيسكو”، إضافة إلى مصانع “غرنادا”، “الريف”، و”الوطنية” التي تحتاج إلى إعادة تأهيل. ومع صدور قرار السماح باستيراد السيراميك بجمارك منخفضة، توقفت جزئياً أو كلياً مصانع “تاج بلقيس”، “إشبيليا”، “الشام”، “سيسكو”، وخطوط إنتاج عدة في “زنوبيا”، وفق أورفه لي.
هذا “الانفتاح الاستيرادي” أدى إلى إغراق السوق بمنتجات مستوردة، بعضها لا يلبي المواصفات القياسية السورية ولا يخضع للفحص الدقيق في المنافذ الحدودية، بحسب ما نقلت صحيفة “الثورة السورية”. وبالتوازي، ارتفعت تكاليف مواد الطاقة مثل المازوت والغاز والفيول والكهرباء، التي تشكل نحو 45% من تكلفة صناعة السيراميك، مع الاعتماد على الغاز المسال المستورد مرتفع التكلفة بدلاً من الغاز الطبيعي المحلي، إضافة إلى أسعار محروقات أعلى من نظيرتها العالمية. هذه المعطيات تضع المنتج السوري خارج المنافسة بشكل مباشر، وتؤكد خللاً واضحاً في السياسات الاقتصادية التي تجمع بين كلفة إنتاج مرتفعة وانفتاح استيرادي واسع.
ويؤكد أورفه لي أن استمرار هذا الواقع يهدد بتوقف معظم المصانع، مع تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة. وفي محاولة للحد من هذا التدهور، يقترح القطاع رفع التعرفة الجمركية مؤقتاً، والسماح للمصانع باستيراد المشتقات النفطية أو شرائها بأسعار السوق العالمية، إلى جانب التشدد في فحص المنتجات المستوردة واستبعاد الرديئة منها، إلا أن هذه الإجراءات تبقى محدودة في ظل غياب معالجة جذرية.
صناعة المقطورات
تواجه صناعة مقطورات السيارات (التريلات) واقعاً تنظيمياً مختلاً ينعكس مباشرة على قدرتها على الاستمرار، وفق ما أكدته شركة “أبناء نايف الخطيب للصناعة والتجارة”، التي أعادت تشغيل مصنعها بعد تدميره في الرستن بريف حمص الشمالي.
وتتمثل المشكلة الأساسية في انتشار ورش تعمل خارج الإطار القانوني، غالباً كورش حدادة في الشوارع والطرقات، تستجر الكهرباء بطرق غير شرعية وبدون تكاليف إنتاج حقيقية، وتقوم بشراء فواتير من ورش مرخصة لتسجيل المقطورات الزراعية في مديريات النقل، متجاوزةً القوانين والتعليمات الرسمية، ما يقوّض المنافسة ويضعف الصناعة النظامية.

وكانت الشركة قد قدمت رؤية متكاملة لوزارة الاقتصاد والصناعة لحل هذه المشاكل، تتضمن إعادة تفعيل تعاميم تنظيم تسجيل المقطورات المصنعة محلياً، واعتماد نظام ترميز “باركود” مكون من 17 خانة لكل “تريلا”، إضافة إلى إعادة تصنيف المقطورات وتمييزها عن الزراعية، وتعديل التعليمات الناظمة لضمان شروط واضحة لكل نوع. ودعت إلى التدقيق في الطاقات الإنتاجية وعدد العمال المسجلين في التأمينات الاجتماعية، والتأكد من وجود مهندسين عاملين وفق الشروط، إلى جانب تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية، ومنع استيراد “التريلات” المستعملة التي تجاوزت عمرها الافتراضي.
كما أكدت ضرورة تحفيز الورش غير القانونية للتحول إلى مصانع مرخصة، مع إعادة دراسة التعليمات الناظمة للصناعة بما يراعي الفروقات بين أنواع المقطورات ومتطلبات إنتاجها. في حين تكشف هذه المعطيات عن خللٍ تنظيمي مستمر سمح بتوسع المخالفات، وأبقى المصانع المرخصة في موقع أضعف رغم التزامها بالقوانين.
الإلكترونيات
تعاني الصناعات الإلكترونية من تراجع متسارع، إذ يؤكد المهندس رضوان حسن من معمل “Jaymatex” أن فتح باب الاستيراد “على مصراعيه” حوّل الصناعة إلى نشاط تجاري وأخرجها من المنافسة. ويرتبط هذا التراجع بارتفاع التكاليف الإنتاجية، وضعف الخبرات، وتراجع ثقة المستهلك بالمنتج الوطني، ما ينعكس مباشرة على كفاءة الإنتاج والقدرة على الابتكار. بحسب ماصرح للصحيفة.

ويؤكد حسن أن تداخل الأدوار بين التجارة والصناعة خلق بيئة غير متوازنة، داعياً إلى “فصل التجارة عن الصناعة” باعتباره “ضرورة استراتيجية”، في ظل اختلاف طبيعة كل منهما بين الربح السريع والتخطيط طويل الأمد. كما شدد على ضرورة وجود خبرات صناعية في مراكز القرار، محذراً من اتخاذ قرارات مصيرية من قبل جهات “تفتقر إلى المعرفة العميقة بالعملية الإنتاجية”.
وتظهر نتائج هذا الواقع بوضوح في تجربته الشخصية، إذ أدى إغلاق معمله الذي كان يضم “120 عاملاً” إلى التحول نحو النشاط التجاري بعامل واحد فقط مع تحقيق “الربح ذاته”، ما يعكس اختلالاً مباشراً في الحوافز الاقتصادية. كما يبرز غياب أي سياسات فعالة لدعم الابتكار أو استعادة ثقة المستهلك، ما يسرّع تراجع هذا القطاع.
الدهانات
في قطاع الدهانات، يبرز الخلل الجمركي كعامل حاسم في إضعاف الصناعة، وفق ما أوضحه الصناعي فتحي البرغلي. ففي صناعة “الألكيدات” (الراتنجات)، تبلغ رسوم استيراد المادة الأولية الأساسية (الزيت النباتي RBD) نحو 300 دولار للطن، بينما لا تتجاوز رسوم المنتج النهائي المستورد 75 دولاراً، ما يجعل الإنتاج المحلي أعلى تكلفة بشكل مباشر.

هذا الفارق أدى إلى عزوف المستهلك عن المنتج المحلي، واستحالة التصدير، رغم أن هذه الصناعة كانت تحقق سابقاً عائدات بملايين الدولارات. كما أشار البرغلي إلى تقديم دراسات منذ أكثر من عام لوزارة الاقتصاد والصناعة دون أي رد، ما أدى إلى توقف مصانع “الألكيدات” بالكامل. بحسب ما نقلت صحيفة “الثورة السورية”.
وفي السياق ذاته، تتركز الصناعات المزدهرة في القطاعات الاستهلاكية المرتبطة بالسوق المحلية، مثل الغذائية والمنظفات، بينما تتراجع الصناعات الاستراتيجية المرتبطة بالتصدير، ما يعكس تحولاً واضحاً في بنية الاقتصاد.
قتل الصناعة السورية
بالمقابل، يحذر رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، من العودة إلى سياسات الانغلاق، ويدعو إلى دعم صناعة قادرة على المنافسة العالمية عبر إلغاء الرسوم على مدخلات الإنتاج وتخفيض تكاليف الطاقة وتحسين بيئة النقل. ويقلّل من حجم الأزمة معتبراً أن الحديث عن توقف المعامل “مبالغ فيه”، وهو موقف يتناقض مباشرة مع الوقائع الميدانية وشهادات الصناعيين، ويكشف فجوة واضحة بين الخطاب المعلن وحقيقة ما يجري داخل القطاع.
وبينما يطالب اتحاد غرف الصناعة بتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وإلغاء الرسوم على مدخلات الإنتاج، وتخفيض أسعار الطاقة، وتحسين النقل، باعتبارها شروطاً أساسية لدعم الصناعة المحلية. تكشف الوقائع مساراً واضحاً لا لبس فيه: ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتوسّع الاستيراد منخفض الرسوم، واستمرار الاختلالات التنظيمية، جميعها تدفع بشكل مباشر نحو تراجع الصناعة المحلية.
هذا التراجع لا يقتصر على انخفاض الإنتاج أو إغلاق المعامل، بل يمتد إلى تفريغ القطاع الصناعي من مضمونه، مع انتقال الفاعلين فيه إلى النشاط التجاري الأكثر ربحاً والأقل مخاطرة. وبينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن دعم الصناعة، تؤدي السياسات المطبقة فعلياً إلى نتيجة معاكسة تماماً. وعليه، لم يعد ما يحدث غامضاً ولا ما سنشهده مستقبلاً: حلقات جديدة من سياسة قتل الصناعة السورية لصالح الاستيراد.
- سوريا خارج “قائمة الإرهاب”.. هل تصبح دمشق شريكاً أمنياً للمنطقة والغرب؟
- من إيران إلى خليج عدن.. كيف تلتقي شبكات “الحوثيين” والقراصنة؟
- بعد 7 أشهر على الاتفاق.. ماذا تحقق في ملف عودة المهجّرين؟
- إسرائيل تخشى طموحات تركيا في سوريا ولا مبالاة واشنطن حيالها
- الباب الأميركي فُتح.. لكن هل تستطيع سوريا “استقبال الاستثمارات”؟

